|
الشيخ الدكتور - حمد العثمان- الكويت
هكذا سنة الله في خلقه "كل نفس ذائقة الموت"، لكن شتان بين ميت وآخر، فمن الناس من إذا مات فما بكت عليهم السماء والأرض، وشهد الخلق عليه بسوء، واستراح منه الناس ثم ذهب ذكره، ومنهم من كان قبضه مع كوكبة من إخوانه العلماء علاقة وإمارة قيام الساعة؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يقبض العلم قبضًا ينتزعه من صدر الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء" رواه مسلم.
سلسلة ذهبية انفرط عقدها: شيخ الإسلام بقية السلف "عبد العزيز بن باز" رحمه الله، ثم مُحدِّث الشام العلامة "محمد ناصر الدين الألباني"، ثم العلامة الفقيه المحقق المتفنن "محمد الصالح العثميين" رحمهم الله جميعًا. موت العالم مصيبة لا تُجبر، وثَلَمة لا تسج، وما عالم كعالم، وأحسب أنه دفُن مع الشيخ علم كثير، وما زال العلم في نقص.
كان الشيخ رحمه الله شديد الذكاء، متوقد الذهن، حاضر البديهة، سريع الجواب مع قوة في البيان وحسن العبارة، شغفًا بطلب العلم منذ صغره وحفظ القرآن الكريم. وفقه الله لتلقي العلم عن أئمة الهدى كالعلامة "عبد الرحمن السعدي"، والعلامة المُفسر "حمد الأمين الشنقيطي"، وسماحة الإمام "عبد العزيز بن باز". كان مُعظِمًا مُبجِلاً لشيوخه لا يذكرهم إلا بالجميل، وكان شديد الإعظام لتزكيات وشفاعات الشيخ عبد العزيز بن باز.
أدرك من العلوم حظاً لم ير في العصر الحديث أجمع للفنون منه، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، وبرز في كل فن على أبناء جنسه، لا سيما الفقه، ولم تر العيون مثله.
أوتي علمًا وحلمًا، فكان شديد التثبت حليمًا لا تستفزه الأمور ولا يستخفه أهل الطيش والخفة والجهل، كان من أعظم الناس جاهًا عند الولاة، ولم يستعمل ذلك لحظ نفسه وعمارة دنيته، بل استعمله في قضاء حوائج المسلمين لا سيما طلبه للعلم.
وكان مع ذلك عزيز النفس لا يشفع إلا فيما يغلب ظنه قبول شفاعته.
كان شديد الرعاية لطلابه وإكرامهم، وإيصال النفع والعلم إليهم كلما سنحت الفرصة حتى في حال السفر والمرض.
كان على جادة السلف اعتقادًا وسلوكًا ومنهجًا، شديد التحري للسنة حتى صار علمًا عليها.
كان شديد الاعتناء بالمشهور الصحيح من الأخبار قوي النقد للمتون الضعيفة، وبيان معارضتها للكتاب والسنة.
كان مهيبًا وضئ الوجه شديد التواضع، حتى أني مرة كتبت خطابًا ليشفع لي فيه، وكنت قد وسمته بـ (العلامة)؛ فعاتبني في ذلك.
فضائله وشمائله وأخلاقه وأحواله لا تحويها ورقات، لكن هذه تنبيهات وإشارات. فرحمه الله رحمه واسعة، وأسأل الله عز وجل الخلف فيمن بقي من كبار علمائنا.
|