English

 

الجمعة. يونيو. 30, 2006

ثقافة وفن » مفاهيم ومصطلحات » اجتماعية

 

"السيد والعبد" في المؤسسات الحديثة

سامح فوزي

Image

1- "ترييف" المؤسسات وهيمنة ثقافة "ما قبل" الحداثة:

تقترن فكرة "المأسسة" (إنشاء المؤسسات) بالحياة في المدينة، في مقابل سيادة العلاقات القرابية والطبقية في الريف. ويبدو أننا نتعامل في أحيان كثيرة مع المفاهيم بشكل مصمت، نقف عند الأسماء ولا نتفحص معانيها، ولا نبذل جهدا في تفهم مقاصدها أو أغراضها؛ ويترتب على ذلك استخدام المفاهيم في غير الغرض الذي وُضعت لأجله. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مفهوم "المؤسسة". هذا المفهوم - الذي يقترن بمفاهيم مثل: المنظمة، والمنشأة، والهيئة، والمصلحة... إلخ - يحمل في تقديرنا في جوهره منطقا محددا، وفلسفة وملامح خاصة يجب ألا نجردها منه، وأهمها:

أ ‌- الموضوعية: فالقرارات التي تتخذ داخل المؤسسة تخضع لاعتبارات ملموسة يمكن تحديدها، والتعرف عليها، والاتفاق العام بشأنها. فمثلا يمكن أن يحدد العاملون في نفس المؤسسة -فرديا أو جماعيا- العناصر الموضوعية التي تحكم تعيين شخص ما في موقع وظيفي بعينه. فالقضية لا تخضع لاعتبارات ذاتية أو عاطفية أو تقدير شخصي أو مشاعر بقدر ما تستند إلى عوامل يمكن تحديدها بجلاء تتصل بالمؤهل والخبرة والكفاءة ومعايير يمكن قياسها للأداء... إلخ.

ب‌- التعددية: فالقرارات التي تصنع داخل المؤسسة ذات طبيعة جماعية، بمعنى أنه إذا كان هناك شخص منوط به اتخاذ القرار، فإن هناك جهات عديدة تساهم في صناعته، وهذا يتم بتوازن دقيق. فلا ينفرد شخص -مهما علا قدره- بقرار، ولا يوجد قرار لا يُحاسب متخذه، ولا يوجد قرار لا يتوجب على من اتخذه أن يقدم سندا لمشروعيته.

جـ‌- تحييد المشاعر: فأساس العلاقة بين الرئيس والمرءوس هو التدرج الإداري، والاختصاصات الموكولة لكل منهما، واللوائح التي تحكم العمل، والتي توضح بدقة حدود وواجبات كل طرف منهما. إذن تخضع العلاقة بينهما في الجانب الأعظم منها إلى الضوابط الإدارية واللائحية أكثر مما تخضع للمواقف الشخصية، والنظرة المتبادلة. وإذا كان من الصعب تحييد المشاعر بشكل مطلق- فهذا من المتعذر في دنيا البشر- فعلى الأقل يمكن وضعها في حدودها الدنيا التي لا تؤثر على كفاءة ومسارات العمل، بحيث لا يتحول الخاص إلى عام، أو العام إلى خاص.

د ‌- حرية تداول المعلومات: فالمؤسسة -أيا كانت- تقوم على مبدأ أساسي هو الشفافية. وتداول وإتاحة المعلومات يساعد على تطوير جودة العمل، ونمو روح المبادرة، والعمل الجماعي، في حين أن مناخ التكتم والتعتيم غالبا ما يقود إلى الفساد، وغياب المساءلة الجادة.

هـ- الموظف رصيد إنساني ومهني human asset ويجب أن تسعى المؤسسة إلى تنميته من هذا المنطلق. وتوفر له أسباب النمو، وتشجعه على الرقي العلمي، والترقي الإنساني، وتكوين مهارات وخبرات متراكمة تسهم -في التحليل الأخير- في رفع جودة العمل. من هنا فإن تمكين العاملين empowerment ضرورة أساسية، سواء كنا بذلك نعني ما يجب أن يحصلوا عليه من معارف، أو من حيث طبيعة المناصب والمهام القيادية الموكولة إليهم.

تلك هي السمات الغالبة لأي مؤسسة، مهما اختلفت تسميتها. وكان الإجماع عليها في الواقع والممارسة في الدولة الحديثة ودراستها في العلوم الاجتماعية تعبيرا عما يمكن أن نطلق عليه "الديمقراطية الإدارية"، حيث تتراجع مركزية دور الشخص -الملهم والقابض على زمام الأمور والمنفرد وحده بالقرار- لتحل محله المؤسسة التي تخضع لقواعد إدارية- يفترض فيها العقلانية- معروفة سلفا، ويعلم بها الجميع، ويخضعون لسلطانها في إطار من الشرعية القانونية.

المؤسسة إذن نشأت في الأساس حتى تكون كيانا معنويا ومظلة وليس بناء يدار لصالح شخص، فالمؤسسة لا تعرف الشخصنة على أي مستوي من مستويات صنع القرار.

المؤسسة ومفهوم الحداثة

ولدت المؤسسة في مجتمع عرف قيمة الفرد ككيان إنساني له وجوده المستقل، وكفكرة فلسفية، وكان يقصد بالفرد ذلك الكيان الإنساني القادر على الفعل الحر، واتخاذ القرار الرشيد، والتحرك بشكل مستقل تجاه المتغيرات المحيطة به.

إذا تحقق كيان الفرد بالقوة وبالفعل، تأتي نشأة المؤسسة تعبيرا عن تحقق مكانة الفرد واستقلاليته. ولا يمكن أن يتحقق ويتجلى وجود "الفرد" في المجتمع -كرامة ومسئولية ومحاسبة- على صعيد العلاقات الاجتماعية، والقانونية، والسياسية دون أن تترجم فرديته في العلاقات الوظيفية بشكل مجرد.

وإذا كنا نستقي أفكارنا من خبرة المجتمع المصري فيمكن القول بأن مفهوم الفردية لم يستقر بعد، ربما لأنه لم يستقر بالمعنى الحقيقي مفهوم "المدينة" كتعبير لتطور مساحي واجتماعي ولعلاقات حديثة جديدة تختلف عن علاقات القبيلة أو الجماعة العضوية أو القرية. فما هو قائم الآن هو شكل مدني خارجي في بعض الحواضر الكبرى، تسوده علاقات ذات صبغة ريفية.

والريف في الحقيقة لا يعرف الفرد مستقلا بل دوما منتسبا، والمدينة العربية تاريخيا وحاليا لا تعرفه هي الأخرى، خاصة بعد أن "تريفت"، وصارت تحمل سمات المجتمع الريفي القائم على العلاقات القرابية أو الشللية، والتصورات الجمعية، وتلاشي الفضاءات الخاصة للأفراد...إلخ.

يمكننا القول: إن الفرد لم يولد بعد في المجتمع العربي. والمؤسسة -بمعناها الحقيقي- لم تولد بعد هي الأخرى. وما نراه لا يعدو أن يكون صيغ علاقات وطريقة إدارة ريفية للأمور ترتدي مسوح المؤسسة المدنية الحداثية، تتلبس الشكل الخارجي للعمل المؤسسي في حين أن باطن الأمر وحقيقته إقطاعي ريفي.

فالفلاح ينحني في أداء عمله في الحقل، وهو مضطر لذلك بحكم طبيعة الفلاحة، لكن لماذا يتشبه الموظف المدني الحديث ذو المهنة البيروقراطية أو التكنوقراطية بالفلاح وينحني رغم أن ذلك ليس من طبيعة عمله، ولا من شروط الانخراط في إطار مهني مؤسسي.

لماذا نجد الموظف في بلادنا لا يعرف سوى ثقافة الانحناء بكل ما تعنيه من معان؟.

إذن فمن المهم الالتفات إلى أن صعود شكل المؤسسة الذي عرفه المجتمع العربي بمختلف تجلياته العامة (والخاصة) ما هو إلا شكل "ما قبل" حداثي يخدم على نطاق واسع إعادة إنتاج الثقافة الريفية العضوية التي تسحق فردية الفرد، والتي نشأت المؤسسة الحديثة في الحقيقة للقضاء عليها.

فقد تحولت المؤسسة -عدا استثناءات قليلة- إلى أداة في يد الأفراد المتنفذين والمتحكمين بقصد إضفاء الشرعية على علاقات هيمنة -وأحيانا مظاهر جموح شخصي- في الإدارة، وتحول العاملون من رصيد بشري تمتلكه المؤسسة إلى مجرد زبائن clients بالمعنى الذي باتت تهيمن عليه علاقات السيد بالتابع patron–client relationships. وانتهى الأمر إلى نسق استبدادي قمعي في الباطن، رغم المشهد والخطاب الديمقراطي الاستعراضي spectacular في العلن، وهو ما أدى إلى "ترييف" و"تزييف" و"تكييف" المفاهيم والأشكال الإدارية الحديثة لخدمة واقع مستبد لا يعترف إلا بعلاقة السيد والعبد.

في أدبيات الإدارة الحديثة هناك جدل دائم متكرر محوره سؤال أساسي: هل تغير المؤسسة الأفراد؟ أم يغير الأفراد بنية المؤسسة؟ بمعنى آخر هل يتشرب الأفراد الثقافة المؤسسية السائدة أم يسعون إلى نقل ثقافتهم الذاتية إلى العمل المؤسسي؟.

لا شك أنه من الصعب الإجابة بالحسم عن أي من السؤالين، فهناك جدلية وتداخل بين الأمرين. والأفراد يتأثرون بالسياق المؤسسي الذي يتواجدون فيه، ويؤثرون فيه في الوقت نفسه. ولكن أيهما يغلب؟.

الرأي عندي أنه في الحالة المصرية تحديدا المؤسسة تأثيرها يفوق تأثير الأفراد من خلال ما تنتجه من صيغ إدارية استبدادية.

وقبل أن نتحدث عن ميكانزمات علاقة السيد بالتابع، وكيف يجري إنتاج الاستبداد على جانب، والخضوع على الجانب الآخر، ثم تسري فلسفة هذه العلاقة في كيان الأبنية المؤسسية المختلفة، وتنتقل من البيروقراطية والإدارة إلى السياسة، علينا أن نتوقف أولا أمام سيكولوجية العبد الذي تصنعه المؤسسة الحديثة شكلا، والمستبدة موضوعا.
 

2- صناعة العبد:

يأتي الشخص إلى المؤسسة محملا بخبرات التنشئة الأسرية والدينية، والمعارف التي تم تلقينه إياها على الصعيد الدراسي، وما يحيط بهذا من واقع اقتصادي قمعي على المستوى المعيشي.

باختصار الاقتصاد -حسب التعبير الماركسي- يكون قد أخضع الفرد وأوجد بداخله القابلية الأساسية للاستعباد.. كل شيء في أعماقه يدفعه دفعا على طريق العبودية. الانغلاق الأسري، والبيروقراطية المدرسية، والتعليم الديني التلقيني، والعوز المادي، ويضاف لذلك بشكل متصاعد في مجتمعنا متطلبات المجتمع الاستهلاكي، والمقارنات المعيشية، والطموح الشخصي الجامح، والرغبة في الصعود السريع على السلم الاجتماعي، ومشاهد البؤس، وقصص الحالمين المحبطين، وعسكر الأمن المركزي، وإشارة المرور المنتهكة، والسلطة التي لا تحترم القانون... إلخ.

كل شيء يزين أمامه شيم العبودية بوصفها الطريق الوحيد للبقاء والعيش في هذا المجتمع. الخروج عن النص غير ممكن على أسوأ تقدير، أو شديد التكلفة على أفضل تقدير. في الحالتين النتيجة واحدة وهي: غياب حرية الاختيار. وعندما تطأ قدما المرشح للعبودية المؤسسة يصبح مهيئا لقبول العبودية الاختيارية.

ويمر الفرد بعدة مراحل أساسية ليصبح كامل العبودية:

أ ‌- إلغاء التكوين الإنساني: فلا يبقى الشخص "فردا" بالمعنى السيسيولوجي، بل يصير مجرد كائن هلامي يجب أن يتخلص من تصوراته وخبراته مهما كانت بسيطة، ويتنكر لأية ميول إبداعية، كل ذلك حتى يصبح مؤهلا لعملية التشكيل، وإعادة البناء والتكوين، ويصبح السؤال الأساسي الذي يتردد على لسانه في كل موقف هو "كيف" وليس "لماذا"، لم يعد مقبولا أن يسأل عن السبب، ولكن له أن يعرف فقط كيفية تنفيذ الأوامر والتوجيهات والرغبات... الخ. إذا أبدى رأيه يعد ذلك "تدخلا فيما لا يعنيه"، وإذا تجرأ وسأل عن السبب يتحول إلى "متطفل" أو "ابن عاق" يتمرد على والده (المدير).

ب‌- إعادة التشكيل: بعد أن يهيأ "العبد الجديد" للتقبل الاختياري لرحلة العبودية المؤسسية. تأتي مرحلة التشكيل التي بموجبها يحمل -رضاء أو كرها- أفكار وآراء المدير(القائد الملهم).. يستمع كثيرا، ويتمثل ما يسمعه جيدا، ويعيد تكراره -ولا ينسي بالطبع أن ينسبه لصاحبه الأصلي- باختصار ليس له أن يفكر طالما أن القدر حباه بمن يفكر له ولغيره، وليس له أن يناقش طالما أن العناية الإلهية رزقته بمن يعلم بواطن الأمور وظواهرها، وليس له أن يعترض؛ لأن الاعتراض ليس من شيم الكرام بل من شيم المعاندين، ومن شروط طالب العلم والخبرة أن يصمت وينصت.

جـ- التماهي الرضائي: بعد أن يتحول "العبد الجديد" إلى حامل وناقل جيد لأفكار وآراء سيده الجديد (رئيسه في العمل) يتجه (بوعي أو بدون وعي) إلى التماهي مع شخص رئيسه بمحض إرادته إما تزيدا أو تزلفا.. يرتدي، ويدخن، ويضحك، ويتحدث، وينكت ويمشي، ويرد على الهاتف مثل سيده، وقد يتجه إلى تسمية أولاده باسم رئيسه. ولو كان بمقدوره لغير اسمه حتى يأتي متطابقا مع اسم سيده و"تاج رأسه". هذه الحالة يتناولها د.مصطفي حجازي في مؤلفه المهم "مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"؛ حيث يرى أن الشخص المقهور يسعى دائما إلى التشبه بمن يقهره.

د‌ - الشرعية الأبوية: يدخل العبد الجديد مرحلة أخرى يجيب فيها على تساؤلات الذات والآخرين. يبرر لنفسه تخليه عن شخصيته، ومحاكاته لشخص وآراء وأحيانا سخافات سيده باللجوء إلى الشرعية الأبوية. يتحول هذا المستبد المتحكم في زمام الأمور إلى أب، أو شخص لديه خبرة واسعة وعلم نافع واجب احترامه وتوقيره، والاعتراف بفضله، والسير على خطاه ونهجه، والارتواء من نبعه الفياض. هنا تتحول العبودية إلى مرادف للعلم والاحترام، والتلمذة، والعرفان بالجميل. تتريف المؤسسة وتتزيف المفاهيم، ويصبح الشخص المعتز بإنسانيته، وآرائه، وشخصه "ابنا عاقا"، "ناكرا للجميل"...الخ.

هـ- التحلل من المؤسسة: بعد أن يصبح العبد الجديد ناقلا لأفكار سيده، ومتماهيا مع شخصه، مضفيا الشرعية الأبوية على علاقة العبودية الجديدة، تتحول المؤسسة -بما فيها من تفاعلات وقواعد وعلاقات- إلى كيان باهت بالنسبة له. فقد أصبح مرتبطا بشخص رئيسه فقط، منفصلا عن المؤسسة، لا يعرف سوى سيده، يتحدث بحمده، ويبشر بفكره، ولا يجد في عالمه الصغير مركزا يدور حوله سواه.

3- مجتمع العبيد:

وللعبيد مجتمعهم الخاص في أسفل الهرم الإداري في المؤسسة. يسوده عدد من الخصائص الأساسية:

أ ‌- التناحر والتصارع على إرضاء السيد (المدير).

ب ‌- الخوف المتبادل في العلاقات الوظيفية فيما بين العبيد أنفسهم.

جـ- اللجوء المستمر إلى الوشايات لنيل رضاء السيد (المدير).

د‌ - مواجهة بعضهم بعضا من خلال الشائعات والنميمة.

باختصار فإن مجتمع العبيد يقوم على مفهوم مشوه للإنسان في العلاقات الوظيفية. ورغم أن الهم واحد في هذا المجتمع السفلي، وهو هم العبودية، فإنه يفرق أكثر ما يجمع. وهنا المفارقة! لا يوجد للعبيد كلمة واحدة، ويحرص السيد على تفرقهم أكثر من وحدتهم حتى يسهل قيادتهم، وتكشف وشاياتهم عن بعضهم البعض أمامه عن مكنون صدورهم، ونوازعهم الشريرة.

وفي مجتمع العبيد غير مسموح بالاختلاف، غير مقبول أن يكف عبد عن خدمة سيده، غير مقبول أن يرفض عبد أن يكون فاسدا، غير مقبول أن يكون العبد مجتهدا مبدعا.. صيغة العبودية ذات طبيعة عامة، العبيد يعتبرون إبداع أحدهم تمردا عليهم، وكذلك السيد.

4- صناعة السيد:

يحتاج السيد مثل العبد إلى صناعة من نوع خاص، كما يصنع العبد مؤسسيا يجب أن يصنع السيد مؤسسيا أيضا، وإذا نظرنا إلى هؤلاء السادة فسوف نجدهم يتسمون بخصائص معينة:

أ ‌- هم عبيد في ثوب أسياد: يعني هذا أن السيد ما هو إلا عبد لغيره. هكذا تستمر حلقات مسلسل العبودية، أو كما يسميها المصريون علاقة "البتوع" ففلان "بتاعنا" أو تبعنا"، مشمول في تلك العلاقة الهرمية بالحماية، وتتشابك عناصر المنظومة، فلا يوجد أسياد دون أن يكونوا عبيدا لآخرين. بعبارة أخرى ليس هناك عبد نقي وليس هناك سيد نقي.

ب‌- الشعور بعدم الأمان: السيد في حالة اضطراب دائم، يفتقر إلى الشعور بالأمان، يخشى الآخرين حتى لو كانوا أقل منه في السلم الوظيفي، ويعرف أن صعود منافس له قد يهدد وجوده ذاته؛ لذا يتجه إلى سياسة حرق البدائل، وحصار الآخرين، وتأليب عبيده ضدهم، ونشر الوشايات، وإطلاق الشائعات، والضلوع في المؤامرات...الخ.

جـ‌- "الولاء والبراء": ينتظر السيد من عبيده الولاء المطلق لشخصه أولا ثم إلى أفكاره ومعتقداته ثانيا. ولا يعنيه عمليا -رغم ادعائه عكس ذلك- ولاء عبيده للمؤسسة التي يعملون بها، فهو والمؤسسة شيء واحد. ومن ناحية أخرى يجب على هؤلاء العبيد أن يتبرءوا من كل ما يعادي السيد علنا؛ فالولاء والبراء وجهان لعملة واحدة.

د ‌- التصنيف: يميل السيد إلى تصنيف عبيده، يحدد درجة ولائهم له، ومستوى تضحياتهم من أجله، ويستمع إليهم بغرض تصنيفهم ليس أكثر، فهو لا يريد أن يشركهم في قرار أو رأي، كل ما يريد أن يصل إليه هو تصنيفهم من خلال ما تفصح عنه ألسنتهم.

هـ- كل العبيد سواء أمام السيد: غير مسموح بأن يتميز عبد، أو أن تصير له شبكة علاقات، أو نشاط مستقل، أو ذاتية خارج الحدود التي يرسمها السيد له. وأمام السيد تتساوى رؤوس العبيد، ولا يتميز عبد على آخر إلا بمقدار ما يبذله في خدمة سيده، وليس بمقدار ما يمتلك من معارف ومهارات تفيد العمل، فالمعيار الرئيسي هو الولاء وليس الكفاءة مهما ادعى السادة المتنفذون عكس ذلك.

و ‌- إزالة الحواجز: لا يعرف السيد حواجز في علاقته بعبيده، وحياة العبد ملك له.. ليس فقط حياته الوظيفية، فهذه ملك للسيد بحكم التعريف، ولكن أيضا حياته الخاصة، علاقاته العائلية، وصداقاته، النسيج الاجتماعي الذي ينغمس فيه. والسيد قد لا يجد وقتا كافيا لإدارة العمل، لكنه على استعداد أن يخصص مساحة عريضة من وقته للاستماع إلى مشكلات عبيده الخاصة، وإصدار التوجيهات لهم في الحياة، ولعب دور "الناصح" و"الحكيم" و"المرشد" و"ناظر المدرسة" عند الضرورة، ولمَ لا؟ فهو الرجل الذي يمتلك الحكمة والمعرفة والرأي السديد. وإذا تجرأ عبد على الإتيان بتصرفات من شأنها الظهور بمظهر من يحافظ على شخصه وكيانه وخصوصياته يتحول إلى عبد "ثقيل الظل"، "متكبر" "يظن في نفسه أنه يفهم"...الخ.

ز ‌- الإنجازات تنسب للسيد، والأخطاء يتحملها العبيد نيابة عنه: السيد لا يخطئ ويجب ألا يظهر بمظهر المخطئ، فالخطأ يحدث عندما يسيء العبد فهم توجيهات السيد، أو يطلق العنان لعقله "القاصر" أن يفكر، ويتصرف بناء على ما حدثته به نفسه. وبالتالي فالعبد لا يصنع إنجازا؛ لأنه لا يملك فكرا أو رؤية.. الفكر فكر سيده، والرؤية رؤية سيده، وناقل الفكر والرؤية أسوة بناقل الكفر لا ذنب عليه، ولا ثواب ينتظره.

5-  أشكال العبودية المؤسسية:

هناك عدد من إستراتيجيات العبودية التي يجري اتباعها في المؤسسات حتى يعبر من خلالها العبيد عن ولائهم المطلق للسيد المهاب.

أ ‌-  ماسح الأحذية: العبد ينفذ ما يطلب منه دون نقاش أو حوار أو رغبة في فهم زائد لا يوجد ما يبرره، تماما مثل ماسح الأحذية الذي لا يعرف سوى مهارة طلاء و"تلميع" الحذاء الذي بين يديه، ينحني حتى يظفر به، ويجلس القرفصاء لتلميعه، فإذا انتهى من ذلك جلس عند قدم "سيده"، منتظرا "عطية" أكثر مما ينتظر مقابلا ماديا متعارفا عليه لجهده، ومهما وضعت في يده فسينحني شاكرا ثم يمضي متجولا في المقهى يبحث عن أحذية أخرى.

ب‌- حامل الحقيبة: هي أحط أنماط العبودية، بموجبها يحمل الشخص فقط حقيبة سيده واقعا ومجازا، ويتحمل سخافاته بابتسامة عريضة (ليس فقط في المؤسسات البيروقراطية بل نجد هذه الظاهرة في المؤسسات الجامعية في أحيان كثيرة). والعبد حين يحمل حقيبة سيده، مهما خف أو ثقل وزنها، فهو مؤتمن عليها بما تحمله من أسرار. وحمل الحقيبة له عدد من السمات المجازية أبرزها: القيام بالتشهيلات في العلاقات الإنسانية (تتراوح بين حمل أوعية الطعام، وشراء الحاجات الشخصية من الأسواق، وقيادة السيارة للأسرة، وتوصيل الأبناء، وانتهاء بأعمال القوادة). وفي هذه الحالة يتنازل العبد عن رسالته ودوره الوظيفي وربما إنسانيته في سبيل خدمة سيده، ويكون معيار الترقي الوظيفي هو قدرته على الخدمة فحسب.

جـ‌- العصفورة: بموجبه يتحول الشخص إلى مجرد أذن تتنصت، وعين تتلصص، بحثا عن معلومة أو خبر -مهما كان تافها- ينقله للسيد خلف الباب المغلق. كل مؤهلاته في الحياة هي نقل الأخبار والوشايات. ولا يجري النظر في عمله إلا من هذه الزاوية فقط. وتبعا لذلك يسود العمل مساحة عريضة من الأكاذيب والافتراءات بسبب هؤلاء المتلصصين الذين اختزلوا كيانهم الإنساني في أذن تسمع، وعين ترى، وذهن ينسج القصص، ويعيد إنتاج الأوهام والأحقاد الشخصية، والمواقف السابقة، في نسيج روايات يلقي بها بين يدي السيد -لتلقي في روعه أنه قابض على كل شيء- وعادة ما يتصرف السيد على أساسها، أو على أفضل تقدير بوحي منها في كثير من الأحيان.

د ‌- حامل المبخرة: وهي درجة مختلفة عن سلم العبودية، يسخر فيها الشخص/ العبد كل ما يملك من مهارات وإمكانات للترويج لسيده، والتبشير به، والإشادة بمواقفه، والحديث بلسانه في كل محفل، تطلب الأمر ذلك أو لم يتطلب. المهم أن الشخص يسخر نفسه لخدمة ولي الأمر السيد المهاب، صاحب الرأي السديد. وعادة يمتلك هؤلاء ما يمكن أن نطلق عليه مجازا "جينات العبودية" بمعنى أنهم يحملون المباخر للتسبيح بحمد أي شخص طالما أنه ظفر بالكرسي، لا يهم من. وعادة ما يعرضون خدماتهم على الشخص مباشرة عقب توليه موقعه، فإذا استقبلهم إيجابيا حملوا المباخر، وهو ما يحدث غالبا حتى لا يتحولوا إلى قوة معارضة ضده يشهرون به، أو يخلقون مناخا سلبيا حوله.

6- آليات إدارة العبيد:

السيد المهاب، صاحب الحكمة والفهم السديد، يملك من الأساليب ما يجعل العبيد دائما في وضع العبودية، وتتراوح هذه عادة بين العقاب والفساد، وبينهما الكثير من الآليات التي تتسق مع إدارة مجتمع العبيد، منها:

أ ‌- السوط: يجب أن يلهب السوط دائما ظهر العبد، أو على أحسن تقدير يجب ألا يبرح صوت السوط أذنه. هو يضرب حتى يتعلم، وقد يضرب حتى يتعلم غيره عملا بالقاعدة الشهيرة "اضرب المربوط يخاف السايب". ويشمل العقاب أنماطا من القهر تتراوح بين الإهانة الشخصية، والنبذ الاجتماعي، والحرمان من المزايا الوظيفية أو مجرد التهديد بذلك...الخ.

ب‌- الإلهاء المستمر: شعار السيد في تعامله مع العبيد "الجندي الفارغ مشاغب"، يعني هذا أن العبد يجب ألا يلتقط أنفاسه، حتى لا يتحدث مع غيره من العبيد، أو يتشاجر معهم، وخشية أن تدفعه بقايا إنسانيته -في حالة الفراغ- للتفكير في حالة العبودية التي يرزح تحت وطأتها.

جـ‌- الإفساد: يحتاج السيد ليس فقط إلى خوف العبيد ولكن أيضا لولائهم. فإذا كان الخوف يتحقق بالسوط والإهانة، فإن الولاء يأتي بإفساد هؤلاء العبيد؛ إما بتصعيد من لا يستحق منهم إلى مواقع قيادية، أو الإغداق عليهم بالأموال، أو منحهم مزايا وظيفية ومالية لا يستحقونها.. معيار المنح هو الولاء وليس غيره.

د ‌- إحياء السلالة: في الماضي كان العبد يعرف من سلالته، أما في العصر الحديث فإنه يجري إحياء مستمر للسلالات على أسس جديدة حتى يسهل تصنيف العبيد، وتحديد مكانتهم وأدوارهم في مجتمع ينطوي على بعض التكوينات الحديثة على الصعيد الشكلي فقط. في هذا الصدد تبرز الانتماءات والهويات على أسس مناطقية (المنحدرون من محافظة ما)، أو دينية (أصحاب دين معين أو مذهب معين)، أو ثقافية (المنتمون إلى مدرسة فكرية بعينها، مثل أنصار داعية أو مذهب سياسي معين)...الخ.

7- زيارات متبادلة: السيد والعبد:

العبد يزور سيده لأسباب، أما السيد فيزور مجتمع العبيد السفلي لأسباب أخرى، وإن كانت هذه وتلك تصب -في التحليل الأخير- في إذكاء العبودية، وتجديد أواصرها. فالعبد يزور سيده لأسباب عديدة، وهناك طقوس تسبق الزيارة، فهو يراعي الهندام، ويطرق الباب بهدوء، ويخفض صوته، وهو دائما يعرف أن الصوت العالي للسيد وحده، وله لغة جسد واضحة لا تخطئها العين، يتحرك في انحناء تاركا مسافة واضحة بينه وبين مكتب سيده. وليس بالضرورة أن يبادل السيد عبده التحية، وإذا فعل السيد ذلك فهو كرم منه، ولكن يكفي أن يستمع إلى التحية، ويهز رأسه في صرامة وعبوس، وقد ينظر إلى عبده نظرة حنو ورضا أحيانا، وهذا شرف لا يدانيه شرف. والعبد لا ينتظر سوى نظرة من سيده.

وعادة تكون أسباب زيارة العبد للسيد متعددة: أبرزها نقل الأخبار عما يجري في العمل وتصرفات الآخرين بأسلوب لا يخلو من استعراض مسرحي، يؤكد العبد من خلاله تفانيه في العمل، والولاء المطلق للسيد، وقد يستدعي الأمر التجريح في الآخرين، أو "دق إسفين" بين العبيد والسيد. ولمَ لا؟ فمن واجب هذا العبد "المخلص" أن يكشف لسيده رداءة زملائه العبيد.

ولا ينسى بالطبع هذا العبد المخلص المتفاني في خدمة سيده أن يعيد على مسامع السيد المرهوب الجناب ما يؤكد ذاته، ويشعره بالفخر، فهو السيد الذي بدأ الإنجاز من الصفر، تجاوز أخطاء سابقيه، وحقق النجاح الأكيد بفضل عقله وما يمتلكه من حكمة ورجاحة وحسن تصرف. وقد يقتضي الأمر التجريح في خصوم السيد إذا شعر العبد أن سيده يرغب في ذلك.

السيد يزور مجتمع العبيد لأسباب متنوعة: يحب السيد من آن لآخر أن يتفقد مجتمع العبيد السفلي، يتصنع خلاله الألفة مع عبيده، ويرى ما إذا كانت الأخبار والوشايات والأسافين التي تصل إلى مكتبه صحيحة أم لا. فهو يعرف أنه لا أمان لعبد مهما ذرف من الدمع، وانحنى أمامه، وخضع لسلطانه. وعادة ما يستقبل العبيد السيد بفرحة مصطنعة، وابتسامة خالية من المضمون، يقفون من على مقاعدهم لمجرد رؤية السيد في احترام مزيف، ينحنون لدى مصافحته إذا قبل هو ذلك من حيث المبدأ.

وفي مثل هذه الأحوال إما أن يكون غرض الزيارة توبيخ العبيد على خطأ ارتكبوه جميعا، أو ارتكبه أحدهم، ويكون ذلك على الملأ حتى يتعظ العبيد جميعا، أو أن يكون السبب من وراء زيارة السيد لعبيده هو التعرف على أحوالهم، ولا مانع من أن يطلق عددا من الملاحظات السخيفة، أو النكات الخالية من المعنى، وهنا يجب على العبيد أن يضحكوا، ويسترسلوا في الضحك حتى يعيد السيد زمام الحديث للجد بدلا من الهزل. ويعتبر العبيد ما يصدر عن السيد مهما كان تافها أو سخيفا هو عين "الحكمة النفيسة" التي يجب الاقتداء بها، والسير على هديها، وترديدها في المحافل إذا تطلبت الضرورة ذلك.

8- الخروج من مجتمع العبيد:

لا يعرف مجتمع العبيد أي إبداع، أو ابتكار، فليس مطلوبا من العبد أن يبدع أو يبتكر، وإذا اجتهد في هذا المضمار واجه رفضا وعنتا وربما اضطهادا، والسبب وراء ذلك يتصل في الأساس بعلاقة السيد بالتابع، فالرتابة هي الوسيلة الناجعة للحفاظ على علاقة العبودية المعاصرة، وأي إبداع يهدد بالضرورة هذه العلاقة؛ ولذا يجب قمعه وتجريمه والتشهير به هو ومن اقترفه حتى يكون عبرة لمن لا يعتبر. بعبارة أخرى: الإبداع يمثل اعتداء مباشرا على سلطة السيد يستحق العقاب الفوري والحاسم.

ونظرا لما سبق فلم تعد هناك مؤسسة بالمعنى الحقيقي؛ القرار قرار السيد، والمعلومات تتداول في أضيق حدود، والموظف تحول إلى عبد، تعرضت إنسانيته للتجريف، ولم يعد هناك مجال للترقي على أساس من الكفاءة.. تحولت المؤسسة إلى سجن كبير، وكل ما أسلفناه يحيط بهذا العبد البائس الذي أخضعته العبودية.

ولكن قد تأتي ساعة يفر فيها العبد من مجتمع العبيد، ويكسر حلقة العبودية لأسباب عديدة قد يكون منها عدم احتمال شروط العبودية، أو الملل والرتابة، أو وشايات مجتمع العبيد (فيخرج مطرودا)، أو شطط السيد المستمر، أو وجود مجتمع آخر أفضل نجح في الهرب إليه.

ونظريا غير مسموح للعبد أن يترك مجتمع العبيد، فهذا قرار سيده، وقد يبقي عليه أو يلفظه خارجا، لكن ليس للعبد أن يأخذ قرارا كهذا، فإذا أخذه نال سخط الاثنين، السيد وزملائه العبيد، وتطارده لعنات الجميع: فهو أرعن، مغرور، أحمق، متمرد، لا يعرف مصلحته فالـ"مصلحة دائما تكون مع السيد"، وقد تصل كراهيته إلى حد وصفه بأنه "خائن" و"نذل"...الخ.

لكن العبيد في قرارة أنفسهم يحسدون زميلهم الذي تحرر على جسارته، ويحسدونه على حريته، وهم ينظرون إليه من وراء قضبان مجتمع العبودية وهو يطير نحو أفق جديد.


باحث وكاتب صحفي مصري.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم