English

 

الاثنين. ديسمبر. 3, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

العمل الخيري في اليمن.. حضور رغم المكايدات

ناصر يحيي

Image

اللافتات القماشية التي تعلن عن مشاريع الخير الرمضانية في اليمن تعكس واقعاً متميزاً للعمل الخيري فيها، فخلال العقد الأخير من القرن العشرين؛ أي في السنوات من 1990-2000م كان تأسيس الجمعيات الخيرية نوعاً من التعبير عن صحوة قوى المجتمع اليمني، وانطلاق نشاطها بعيداً عن وصاية السلطة الحاكمة.. فقد حدثت هذه الانطلاقة مع التحول السياسي الذي شهدته اليمن في أعقاب توحيد شطريها (الجنوبي والشمالي) في مايو 1990م، وسمح بسببه بإنشاء الأحزاب السياسية بما يعنيه ذلك من تخفيف قبضة السلطة على أنشطة المجتمع في كافة المجالات؛ بعد أن كان الموقف الرسمي قبل الوحدة يكاد يساوي بين الأحزاب السياسية وبين الجمعيات الخيرية وفي أحسن الأحوال كانت الجمعيات الخيرية القليلة المرخص لها تظل خاضعة للرقابة الرسمية على رغم أن نشاطها كان محدوداً للغاية، ولا يكاد المجتمع من حولها يحس بها!

تأثير يفوق الأحزاب

ومع التغييرات الواسعة التي شهدها اليمن بعد الوحدة؛ بدأت مسيرة العمل الخيري في تقديم خدماتها، وتطورت حتى وصلت إلى مستوى من الحضور والتأثير لم تبلغها الأحزاب السياسية نفسها حتى وصل عددها عام 1999م إلى (1096) جمعية خيرية و(722) جمعية تعاونية و(167) جمعية اجتماعية .. بالإضافة إلى ست مؤسسات خيرية .. وفق إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية اليمنية.

وكما كان إطلاق النشاط السياسي التعددي في اليمن مترافقاً مع السماح بالعمل الخيري الحر، فقد أدت المشاكل السياسية التي واجهها اليمن طوال سنوات ما بعد الوحدة إلى بروز الدور الإنساني للجمعيات الخيرية.. فبعد سبعين يوماً من توحيد شطري اليمن واجهت البلاد زلزال أزمة الخليج الثانية بعد احتلال العراق للكويت، والتي كان من الآثار السلبية لتداعياتها السياسية عودة قرابة مليون مغترب يمني من السعودية والكويت .. وهي العودة التي أدت إلى أزمة استيعاب العائدين الذين عانى كثيرون منهم ظروفاً سيئة ، بل وما زال قسم منهم يعيش في مناطق عشوائية بين بيوت الصفيح في أطراف بعض المدن .. لكن في بداية الأزمة كانت الأزمة أكبر من قدرات الدولة الجديدة .. بل كانت صدمة لها لم تكن تتوقعها.. وكان للعون الشعبي دور هام في استقبال العائدين الذين كانوا يتدفقون على الحدود اليمنية – السعودية بعد إنهاء العمل بالامتيازات التي كان يتمتع بها اليمنيون –خاصة معاملتهم كالمواطنين السعوديين – على خلفية التوتر الذي شهدته العلاقات اليمنية – السعودية آنذاك!.. كما عادت جموع هائلة من المغتربين اليمنيين في الكويت بعد احتلالها من قبل الجيش العراقي .. ومثلت عملية العودة صورة مأساوية للعائدين الذين واجهوا ظروفاً صعبة للغاية.

وبالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية التي واجهها اليمن نتيجة تداعيات أزمة الخليج الثانية، فقد واجه - أيضاً - مشاكل اقتصادية أكثر صعوبة بسبب نتائج توحيد شطري اليمن واندماج نظامين مختلفي : سياسي واقتصادي، وما تبع ذلك من استحقاقات مالية ظل اليمن يعاني منها سنوات طويلة .. بل وما تزال هذه الآثار قائمة في بعض الجوانب حتى الآن .. كما أن شطري اليمن كانا يعدان من الدول الأشد فقراً في العالم والأكثر تخلفاً في جوانب عديدة .. وكل ذلك كان نتيجته أن اليمن واجه أزمة اقتصادية عاتية ضربت الإنسان اليمني في الصميم ، وأوجدت حالة عامة غير مذكورة من الفقر والفاقة نتيجة تداعي العملة الوطنية وارتفاع الأسعار المستمر وانتشار البطالة .. وزاد الطين بلة ذلك الصراع السياسي الشرس الذي نشب بين الحكام المؤتلفين والذي انتهى بحرب أهلية أضافت أعباء كثيرة على اليمن.. وكل ذلك زاد من أهمية الدور الذي تؤديه الجمعيات، وصار ازدياد أعدادها مرتبطاً طردياً بازدياد حالة الفقر.

الأجندة تبرز في رمضان

وعلى الرغم من هذه الأعداد الهائلة من الجمعيات الخيرية في اليمن، فإن هناك تمايزات كبيرة فيما بينها ، فمعظم هذه الجمعيات تجعل محور نشاطها جمعية تابعة لأحد المساجد الكبيرة أو أحد أحياء المدينة أو حتى (مديرية) من المديريات .. وقلة منها التي تنشط على مستوى محافظة كاملة .. أما الجمعيات التي تعمل على مستوى اليمن كله فهي لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة.. وهي الجمعيات التي تشمل بنشاطاتها كل المناطق اليمنية طوال العام تقريباً .. وتمتد أنشطتها إلى جوانب أخرى مثل التعليم والطب .. ومن هذه الجمعيات جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية التي تنفرد بنشاطات متنوعة ضخمة في كل المحافظات اليمنية جعلها تتبوأ المكانة الأولى بين الجمعيات اليمنية.. وبلغ عدد المستفيدين من خدماتها الخيرية – منذ تأسيسها عام 1990م (5.539.000)فرداً و(351.698) أسرة، وتتوقع مصادر الجمعية أن يبلغ عدد المستفيدين من مشاريعها هذا العام مليون شخص و(132.600) أسرة سوف تستوعبهم المشاريع التالية:

- (873.000) شخص في 97مائدة إفطار مفتوحة في كل محافظات الجمهورية طوال شهر رمضان.

- توزيع مواد غذائية على (39.900) أسرة فقيرة .

- توزيع (338.500) كيلو جرام تمور على (37.700) أسرة .

- توزيع (15) ألف كيلو جم لحم على (15) ألف أسرة .

- توزيع كسوة عيد على (52.500) طفل فقير ..

بالإضافة إلى توزيع وجبات إفطار جاهزة على رجال المرور والشرطة الذين يؤدون واجباتهم الأمنية في الشوارع والميادين العامة.. وكذلك على الأسر المتعففة.

وبالإضافة إلى ذلك؛ فهناك جمعيات تأتي في المرتبة الثانية مثل (الجمعية الشعبية الخيرية) التي تنشط في شهر رمضان بشكل أساسي وكذلك جمعيتا (الحكمة) و(الإحسان) اللتان تقدمان نفس المشاريع الخيرية في مناطق متعددة .

وهناك أيضاً مشاريع لفروع بعض المنظمات الخيرية الإسلامية العالمية مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي التي تهتم – أيضاً – بطلاب الجامعات وتوفر لهم وجبات إفطار يومية.

 17%.. إسهام العمل الخيري

وتبدو الأرقام التي ذكرناها لجمعية واحدة – على سبيل المثال – كبيرة، فإذا أضفنا إليها أرقام الجمعيات الأخرى، فسوف تبدو لنا صورة العمل الخيري في اليمن واسعة وشاملة لجوانب كثيرة تمس حياة الفقراء والأسر المحتاجة وخاصة في مواسم الأعياد ورمضان وبدء العام الدراسي .. ولعل الذي يفسر أو يبرر هذه النشاطات الواسعة أن نعرف أن الإحصائيات الرسمية – الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية اليمنية – تقول إن نسبة 34.9% من الأسر اليمنية تعيش تحت خط الفقر المدقع أي ما يساوي (1.644.770) أسرة فقيرة تضم أحد عشر مليون ونصف المليون فرد .. وتدل إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية اليمنية أن إسهامات الجمعيات الخيرية والاجتماعية والتعاونية في دعم الأسر الفقيرة تبلغ (17.4%) من دخل هذه الأسر .. وعلى الرغم من ضآلة الرقم فإن مقارنته بأعداد الفقراء والأسر الفقيرة تؤكد أن الدور الذي تقوم به الجمعيات الخيرية في مواجهة حاجة الفقراء ليس بسيطاً، ويعكس الرقم المذكور سابقاً المدى الواسع الذي وصل إليه العمل الخيري اليمني رغم قصر المدة التي بدأ فيها نشاطه.

وبالتأكيد؛ فإن جزءًا كبيراً من العمل الخيري يقوم على أسس إسلامية كالتكافل الاجتماعي ومساعدة الأرامل واليتامى والمساكين؛ ولذلك فإن الأمر لم يسلم من المكايدات الحزبية والمهاترات السياسية، فكثيرا ما توجه بعض القوى السياسية سهام اتهاماتها للجمعيات الخيرية بأنها عبارة عن واجهات غير بريئة للكسب السياسي، وأن الغرض الحقيقي من (فعل الخير) هو شراء ولاء المواطنين؛ لضمان مساندتهم أيام الانتخابات! لكن الحقيقة أن اتساع مدى الأعمال الخيرية وتنوع مجالاتها واستمراريتها ينفي هذه التهمة إلى حد كبير..

وكما صارت لـ(رمضان) لوازم متنوعة من المظاهر الدينية والحاجات الإنسانية، فقد صار العمل الخيري في اليمن لازما من لوازم رمضان، بل ومنافسا للمظاهر الأخرى التي ترسخ بعضها منذ فترات طويلة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم