English

 

الخميس. نوفمبر. 8, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

الأطفال الأفغان: تعددت الأسباب والموت واحد

دعاء ممدوح

أثار حملة 'العدالة'!!
أثار حملة "العدالة"!!

يهب "أورسال" البالغ من العمر سبعة سنوات ليلاً صارخًا باكيًا، أما أخته "نازين" ذات السنوات الست فهي تقفز مرتعدة كلما سمعت ضوضاء أو أصواتا عالية، أما "نسيم"  الذي يكبرها بأربع سنوات فهو دائمًا متوتر حينما يكون داخل أي بناية وتحيط به جدران؛ فهو دائمًا يريد أن يفر قبل أن تنهار على رأسه.

إن الخوف والهلع والرعب رفضت إلا أن تنضم لقائمة المتكالبين على هذا الشعب، إلى جوار الفقر والجوع والحرب لتكتمل منظومة البؤس.

هذا ما ورد في مقدمة تقرير إحدى الوكالات في رصدها لأحوال أطفال اللاجئين ومآسيهم، التي تسببت فيها قوى التحالف الدولي ذات الحملة "العادلة" ضد الإرهاب.

وفي سياق تقريرها رصدت الحالة التي تمر بها عائلة واحدة تتكون من أربع أرامل، و18 طفلاً -لم تذكر صلة القرابة بينهم-، ولكن في مثل هذه الحالات يصبح التشرد والهروب هو صلة القرابة التي تجمع بين آلاف الفارين من المقلاة إلى النار؛ فتلك العائلة كانت تتسلل من كابول قبل الفجر مذعورة بعد 4 ليال من القصف الرهيب الذي هز الجبال التي كانوا يقطنونها.

وتمكنت العائلة من أن ترتب مواصلاتها لتصل إلى نقطة بقرب الحدود التي أُغلقت بأفواج اللاجئين، عبروا الحدود في الظلام على منحدر صخري مع أدلّة بالغوا في تقاضي أجرتهم؛ إذ تقاضوا عن البالغ 8 دولارات من كل فرد لتصل تلك العائلة البائسة مفرغة الجيوب لا تملك شيئًا إلا ما يلبسونه إلى مدينة في ضواحي بيشاور، قاصدين في رحلتهم الطويلة تلك بيت أحد الأقارب التي  اكتظت داره بمن لجأ إليها، وهي لا تعدو كونها كوخا يؤوي كل هؤلاء في ضواحي بيشاور..

وبصفتهم من الأرامل فلم يستطعن حمل أي شيء في تلك الرحلة سوى أطفالهن، بل وشاركهن الأطفال الأكبر سنا في حمل من يصغرونهم في تلك الرحلة عبر المنحدرات الجبلية والطرق الوعرة.

المعاناة في النوم واليقظة 

وفي لقاء مع إحدى الطبيبات بأحد مراكز الإغاثة المتواضعة الإمكانات أكدت الطبيبة "آل مير" البالغة من العمر 28 عامًا، أن كل الأطفال تقريبًا يعانون الإسهال والأمراض التنفسية، بالإضافة إلى نوبات من سعال مؤلم يشق صدورهم، فضلاً عن الأمراض الجلدية المختلفة، وتضيف: ليس لأحد منهم مطلقًا الحد الأدنى من الطعام، كما أن حالاتهم النفسية مقلقة؛ فهم لا ينامون تقريبًا، وإذا غالبهم النعاس طاردتهم الكوابيس المخيفة المفزعة فتمنع عنهم النوم، وهو ما يهدد صحتهم العقلية.

وتؤكد الطبيبة أنهم كفريق إغاثي يحاولون مواساة الأطفال وطمأنتهم قليلاً، لكن تفاصيل المشاهد المؤلمة التي تعرضوا لها وتسلق الجبال في الظلام والقصف المروع وهذه البيوت وسقوط الغبار من الأسقف تمهيدًا لسقوطها فوق رؤوسهم.. كلها مشاهد لا تفارق خيالهم، ولا ينجح في محوها أي تخفيف أو مواساة.

عائلة محظوظة جدا 

هذا ما عاشته إحدى العائلات التي تعد محظوظة، فقد كان كل ما نالها حفنة من الأمراض النفسية والحالات الهستيرية للأطفال، فضلاً عن سوء التغذية ومصير مجهول، وهم على أي حال أفضل ممن حوّلهم القصف إلى أشلاء تتناثر بين أكوام الصخر وبقايا المزروعات وجثث الحيوانات النافعة، كما أن إخوانهم ممن أصابهم القصف من الأطفال والذين تم تحويلهم إلى المستشفيات للعلاج – الذين تم إجراء ما يلزم لهم من إجراءات صحية بالغة البدائية لعدم توافر الإمكانات – قد تم استئصال بعد أعضاء أجسادهم النحيلة التي نال منها القصف، وهم في وعي كامل لعدم توافر مواد التخدير.. فهم على أية حال في حالة أفضل كثيرًا؛ فهم لا زالوا على قيد الحياة في انتظار دورهم في الهلاك جوعًا أو مرضا أو قصفًا عن طريق الخطأ بأذكى القنابل.

العلاج.. صب المطهر 

هذا ما ذكرته وكالة "أسوشيتد برس" (Ap) في تقريرها عن أطفال الأفغان، وفي تقرير آخر لـ "نيوز تليجراف" البريطانية تابعنا المشاهد التالية:

يرقد "حميد الله" في بطانية قذرة يغطي أنحاء متفرقة من جسده حروق وتقرحات، تملأ بالأخص منطقة الرقبة والوجه، وهذا الرضيع ذو الاثني عشر شهرا يرقد في سريره، يعاني ويلات وآلاما لا يفقه عن سببها شيئا، في حين تقبع بالقرب من سريره أمه المسكينة "راديجل"، التي لم يبق لها سوى هذا الرضيع من خمسة أبناء، وبحكم كونها في مستشفى أو كشك إغاثة يكاد يكون منعدم الإمكانات (سوى بعض المطهرات)، ويملأ الغبار أركانه -فقد كان ما تلقته من إسعاف هو صب المطهر في جرحها الغائر صبًّا، وهي تصرخ متوسلة: "لا تؤلموني أرجوكم"، وقد كانت هي ورضيعها من بين قلة من الناجين الذين هربوا من قندهار التي تم محوها بصاروخين.

أقسم: لا توجد معسكرات 

وتقسم راديجل للمراسلة الصحفية أنه لا يوجد بقريتها "دوري" التي محيت -ونجا من أهلها ما لا يزيد عن عدد أصابع اليدين- أي نوع من المعسكرات التدريبية لأي جنود، بل لا يوجد قوات عسكرية أو أهداف سوى أبناء القرية وضرورات حياتهم المتواضعة جدا.

وتواصل الصحيفة تقريرها بأنه لم يكن للناجين حديث سوى رحلة الأيام الثلاثة إلى باكستان، والتي انتهت إلى كشك خشبي تم وضعه كعيادة طوارئ على الجانب الأفغاني للحدود مع تشامان، وقد كانت جروحهم النازفة وإصاباتهم الخطيرة وأعدادهم الكبيرة دليلا لا يمكن دحضه على ضرب أماكن تواجدهم بوحشية، وقد كان في استقبالهم فريق طبي ماليزي من بينهم طبيب أسنان يدعى "طارق إدريس"، وفي لقاء معه قال: لقد حاولنا أن نسعف المصابين قدر الاستطاعة في حدود الإمكانات المتواضعة الموجودة في هذا المكان الإغاثي، ثم تم نقلهم إلى منطقة حدودية تدعى كويتا، وإن كان هناك أضعاف هذا العدد من الضحايا لا يمكن إسعافهم لصعوبة الوصول إليهم لخطورة جراحهم أو بُعد مناطق تواجدهم.

ويؤكد بعض الناجين في حديثهم مع مراسلة الصحيفة أن القذائف كانت تسقط على البيوت مباشرة، وكأنها موجهة إليها، وأنهم أنقذوا راديجل ورضيعها بصعوبة بالغة؛ إذ أخرجوهما من تحت الأنقاض، بينما لم يجدوا سوى الفرار بعد أن كانت محاولتهم لإخراج المزيد هي محاولات لجذب جثث بلا رؤوس أو أرجل أو أشلاء أو موتى دُفِنوا أحياء تحت الأنقاض.


مستشارة اجتماعية بشبكة "إسلام أون لاين.نت".  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم