English

 

الأحد. مايو. 12, 2002

حواء و آدم » بين الناس

 

في حين يتحدث العالم عن طفولة "تلعب" ولا "تعمل"

أطفال فلسطين: "العمل" أرحم من "الموت"!

شريف حمودة

كان يعمل فى صناعة الفحم بجنين
كان يعمل فى صناعة الفحم بجنين

"نامتِ الطفلةُ ذاتُ الرداء الأحمر.. بلونِ الدماءِ التي تسيلُ من جسدها الصغيرِ. وتسألني الطفلةُ: لماذا؟! لو لم يكنْ والدكِ مُخَرِّبًا عَنِيدًا.. وشقيقكِ اللعين صياد دباباتٍ ومجنـزراتٍ.. وأخوكِ الآخرُ مقاتلاً بالحجارة..، لولا ذلك يا صغيرتي ما فرحْتُ لصورة الدماءِ على الجسدِ الصغيرِ. لولا ذلك لأحببتكِ يا طفلتي الصغيرة. والآن نامي في بركةِ الدماءِ أيتها المتوحشةُ الصغيرةُ!".

إنها الطفولة الفلسطينية البريئة التي يدعو الإسرائيليون صراحةً لوأدها؛ ولذلك لم تخجل الشاعرة الإسرائيلية "نعمى شيمر"، صاحبة الكلمات المستفزّة السالفة، من التأكيد بكل جزم أن استباحة دم أية طفلة فلسطينية فعل نضالي مجيد، ومدعاة للفرح!

إن أطفال فلسطين خارج إطار "العالم الجدير بالأطفال" الذي رسمت ملامحه القمة العالمية الأخيرة للطفل في نيويورك خلال الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة المخصصة للطفل التي حضرها ممثلو 180 دولة من مختلف أنحاء العالم؛ ففي حين راح العالم يتحدث عن طفولة "تلعب" ولا "تعمل"، يؤكد الواقع الفلسطيني الراهن أن الطفل الذي "يعمل" من أجل كسب لقمة العيش والإنفاق على أسرة كاملة تحت حد الفقر هو الأسعد حالاً في فلسطين والأفضل حظاً بالتأكيد من الطفل الذي يذوق ألوان التعذيب في السجن أو يتعرض للجراح والإصابات بأيدي الجنود الإسرائيليين أو يلقى حتفه صريعًا.

أما الطفولة التي "تلعب" فهي أشبه بالنكتة الباردة في وطن اعتاد أطفاله اللعب المغاير بواسطة قذف جنود الاحتلال بالحجارة والهرب من الأعيرة المعدنية وقذائف الدبابات والرصاص الحي ورصاص الدمدم المحرم دوليًا والصواريخ والشظايا والغازات السامة وسيارات المستوطنين الداهسة!

وإذا كانت هذه الدورة الخاصة لحقوق الطفل -التي انطلقت في الثامن من مايو الجاري 2002- قد ركزت في الأساس على التحذير من ارتفاع نسبة الأطفال العاملين وأطفال الشوارع، والتحذير من ممارسة العنف ضد الأطفال.. فإن الإحصاءات والأرقام والدراسات تثبت أن الطفل الفلسطيني يأتي على رأس قائمة الأطفال الذين يواجهون شتى أصناف العنف، وأسوأ أجواء العمالة في سن مبكرة.

وتجيء هذه الدورة الخاصة حول الطفولة كمتابعة لقرارات مؤتمر القمة العالمي من أجل الأطفال التي وقع عليها 71 رئيس دولة وحكومة في عام 1990، وهو ما سمي بـ"الإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته ونمائه"، وقدم جدولاً لتحقيق أهداف محددة. وكانت اتفاقية حقوق الطفل التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1989 قد أرست دعائم هذه الأهداف بغرض تحسين أحوال كافة أطفال العالم، وصدَّقت عليها إسرائيل في عام 1994، ولكن هل التصديق وحده يكفي؟!!

غياب حق الحياة

إن أطفال فلسطين هم الأتعس حالاً بين جملة 10 ملايين طفل يموتون سنوياً في العالم -كما يقول تقرير الأمم المتحدة - و150 مليون طفل يعانون نقص التغذية، و120 مليوناً آخرين لا يذهبون إلى المدارس. ويوضح الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في تقرير له أن الحكومة الإسرائيلية تسخر كل إمكاناتها وجهودها لانتهاك حقوق الأطفال الفلسطينيين، وخاصة حقهم في الحياة الذي كفلته لهم كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان..

- فقوات الاحتلال تستخدم كافة أنواع الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة ضد المدنيين والأطفال الفلسطينيين، وكأنها تواجه جيشاً مجهزاً بأحدث أنواع الأسلحة. ويسقط يومياً الأطفال الشهداء بمعدلات غير مشهودة عالمياً، وخاصة في الفترة العمرية من 15 إلى 17 عاماً. ويستخدم جنود الاحتلال من أجل اصطياد الأطفال كافة أنواع الأسلحة حتى المحرم منها دولياً كرصاص الدمدم والغاز السام.

- حوالي ثلث المعتقلين الفلسطينيين ممن يُعدون أطفالاً، ويتم اعتقالهم بطرق إرهابية.

- لا يكاد الأطفال الفلسطينيون يحصلون على الحد الأدنى من الرعاية الطبية؛ نظرًا لصعوبة التحرك داخل الضفة الغربية.

- هناك آلاف الأطفال بلا مأوى خارج منازلهم التي هدمتها قوات الاحتلال.

- آلاف الأطفال منعهم الخوف من الذهاب إلى مدارسهم حتى لا يتعرضوا للرصاص..، وخاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي الأخير.

العمل محفوف بالمخاطر

يعملان فى ورشة ميكانيكا بالقدس

وفيما يخص عمالة الأطفال في فلسطين حتى وقت قريب من بدء الحصار الإسرائيلي لمقر الرئيس عرفات وتوغل القوات الإسرائيلية في مدن وقرى فلسطينية عديدة، تفيد تقارير الإدارة العامة للاستخدام والتشغيل في وزارة العمل بفلسطين أن عدد الأطفال العاملين قد تزايدت بشكل ملحوظ بسبب انقطاع سبل العيش أمام آبائهم، ووصل عدد الأطفال العاملين إلى أكثر من أربعة آلاف طفل في قطاع غزة وحده، وهي نسبة بالغة الارتفاع.

- وينتشر الأطفال في مفترقات الطرق العامة وعلى الشواطئ في غزة يبيعون اللبان وحاجيات الأطفال لمساعدة أسرهم على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

- كما أن عشرات الفتية والأطفال يعملون في تقديم الطلبات للزبائن في مقاصف شعبية على شواطئ بحر غزة مقابل أجرة يومية زهيدة.

وتبدو مهمة الأطفال القاصرين محفوفة بالمخاطر؛ فبعضهم يضطر للمبيت خارج منـزله في أحيان كثيرة خشية التعرض لإطلاق النار من الجنود الإسرائيليين. وتوضح تقارير صندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونسيف) وبيانات دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية الحديثة أن عدد الأطفال العاملين في فلسطين يبلغ ما يناهز 7% من إجمالي مجموع الأطفال في الفئة العمرية من 12 إلى 16 عاماً.

العمل الاستغلالي

وبتعريف اليونسيف فإن عمل الأطفال يعد استغلاليا في عدة أحوال:

1- عندما يعمل الأطفال وهم صغار جداً.

2- عندما يعملون ساعات طويلة.

3- عندما يعملون بأجور قليلة جدًّا.

4- عندما يعملون في ظروف خطرة.

5- عندما يعملون ضمن ترتيبات تتسم بالعبودية.

وتتحقق كافة خصائص الاستغلالية بلا استثناء بالنسبة للأطفال العاملين في فلسطين، وهو أمر مثير للدهشة والاستنكار!

ووفقاً لتقارير اليونسيف والمنظمات الفلسطينية، فإن هناك أسبابًا متعددة لدخول الأطفال إلى سوق العمل المأجور في القطاعين الرسمي وغير الرسمي في فلسطين. ومن الأسباب الرئيسية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل:

1- البطالة.

2- القحط والفقر.

3- تصاعد أعمال العنف وسيادة أجواء الحروب؛ حيث لا يجد البالغون من أفراد العائلة في مثل هذه الأحوال عملاً، بينما يجده الأطفال.

ويلاحظ أن ظاهرة تشغيل الأطفال في الضفة الغربية وقطاع غزة اتسعت خلال العقدين الماضيين، ويعود هذا بشكل كبير إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، إذا أُخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي غير المستقر الذي يعتمد بشكل كبير على السوق الإسرائيلية، كما أنه عرضة لتقلباته ولعمليات الإغلاق.

وتعود ظاهرة تشغيل الأطفال في المجتمع الفلسطيني إلى ما قبل عام 1967، ولكن ليس بالضرورة وفق الأشكال الموجودة حالياً؛ حيث إن انتشار ظاهرة تشغيل الأطفال في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة أكثر وضوحاً في الشوارع وفي سوق العمل في المدن الفلسطينية وفي المستوطنات الإسرائيلية وإسرائيل.

فالأطفال بين 6 إلى 13 عاماً يشتغل معظمهم ممن يعملون في الشوارع في:

1- بيع الصحف.

2- بيع الأدوات المنـزلية.

3- بيع الحلويات وغيرها من المواد رخيصة الثمن التي يمكن بيعها خلال اليوم.

وتعمل مجموعة أخرى من الأطفال الذين ربما كانوا في الفئة العمرية نفسها:

1- في ورش العائلة.

2- متدربين في ورش يملكها الأقارب وغير الأقارب.

3- عمالا غير مهرة في صناعات أخرى، حيث يشتغل حوالي نصف الأطفال العاملين في ميادين الصناعة في الضفة الغربية -وقطاع غزة خاصة- في ميكانيكا السيارات.

4- في البناء والزراعة.

وتوضح الإحصاءات أن:

* أكثر من 50 % من الأطفال العاملين في فلسطين ينحدرون من عائلات يبلغ عدد أفرادها ما بين 6 إلى 10 أفراد.

* أكثر من 40% منهم ينحدرون من عائلات يبلغ عدد أفرادها 15 فرداً أو أكثر.

* حوالي 50% من الأطفال العاملين يعيشون في منازل تتكون من غرفتين فقط.

* الأطفال العاملون في فلسطين يحصلون على أجور منخفضة جداً مقابل ما معدله حوالي تسع ساعات من العمل يومياً.

إن ما يحدث للأطفال الفلسطينيين على كافة الأصعدة -على حد تصريحات السيدة سوزان مبارك حرم رئيس الجمهورية المصري في بيانها أمام دورة الأمم المتحدة للطفل- لهو "دليل واضح وفاضح على تجاهل السلطات الإسرائيلية لجميع الاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وفي مقدمتها حقوق الطفل، وستكون لتلك المآسي بلا شك آثارها النفسية والسلبية على الأطفال الفلسطينيين والأطفال في المنطقة بغير استثناء، فضلاً عن زرع بذور الخوف والكراهية في قلوب الأطفال البريئة، وسلب روح التسامح منهم، وجعلهم يعيشون في أجواء من الإحباط والعنف والتطرف".

شموخ الصغار وخذلان الكبار

إن أطفال غزة المناضلين أو العاملين يستحقون التحية بكل المقاييس لصمودهم ووقوفهم بشموخ خارج دائرة "الطفولة اللاعبة" التي رسمتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وقد خص الشاعر الراحل نـزار قباني أطفال غزة دون سواهم بالتحية من قبل، ورأى فيهم تعويضاً عن المتخاذلين من العرب بقوله:

يا تلاميـذ غزةٍ علمونــا

بعض ما عندكم فنحن نسينا

علمونا بأن نـكون رجـالاً

فلدينا الرجال صاروا عجينا

علمونا كيف الحجارة تغدو

بين أيدي الأطفال ماساً ثمينا

كيف تغدو دراجة الطفل لغماً

وشريـط الحرير يغدو كمينا

يا تلاميذ غزةٍ لا تبــالـو

بإذاعاتنا ولا تســـمعونا

اضربوا واضربوا بكل قواكم

واحزموا أمركم ولا تسألونا

إننا الهاربون من خدمة الجيش

فهاتوا حــبالكم واشنقونا

قد لزمنا جحورنا وطلبنــا

منكمو أن تقاتلوا التّـنِّـينا

ويبدو أن أطفال غزة جديرون بالفعل بإجلال وتوقير الشاعر الراحل "نـزار قباني" لهم؛ فهم ذوو طبائع خاصة كما تؤكد الدراسات. وحول أسرار "تدافع أطفال غزة والأطفال الفلسطينيين نحو المقاومة والاستشهاد" يوضح تقرير بثه المركز الفلسطيني للإعلام أن دراسة ميدانية أعدها مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات بغزة بهذا الصدد أثبتت نتائجها أن:

* 90% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 9 أعوام و17 عاماً يوافقون على المشاركة في فعاليات المقاومة والنضال بشتى صورها.

* حوالي 72% منهم يتمنون الاستشهاد.

* عزا 17% منهم فقط أسباب المشاركة والتدافع إلى الفقر وقلة المال وعدم توفر فرص عمل.

* وأكد 79% من الأطفال أن ممارسات الاحتلال العدوانية هي السبب وراء تدافعهم للشهادة.

* وثمة نتيجة ذات دلالات مهمة أظهرتها الدراسة؛ حيث اعتبر 48% من الأطفال تدافعهم نحو الاستشهاد نتيجة مباشرة لشعورهم بعجز القيادة، وخذلان الكبار لهم، وعدم تمكنهم من حمايتهم وتوفير الأمن لهم.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم