|
كان ذلك منذ سبع سنوات.. في الساعة العاشرة من صباح يوم 5 من ديسمبر سنة 1955..
كنت جالسا في مكتبي بدار أخبار اليوم "أهرش" في رأسي..
كنت أبحث عن "فكرة" أكتبها..
وفي هذا الصباح تبخرت كل الأفكار من رأسي.. طارت كلها في الهواء.. وحاولت أن أسترد أفكاري بفنجانين من القهوة وبدخان السجائر الذي ملأت به جو مكتبي، ولكني فشلت في العثور على فكرة واحدة أضعها على الورق..
وبدأت أرتب الأوراق المبعثرة على مكتبي؛ لعل تنظيم الكتب يعيد ترتيب الأفكار المبعثرة في رأسي..
وكان الجو باردًا.. ومع ذلك فتحت النوافذ.. لعل الهواء البارد يحمل لي "فكرة"..
وفجأة فتحت سكرتيرتي الباب وقالت لي:
- سيدة تبكي تطلب مقابلتك..
وتشاءمت، فأنا لا أطيق دموع النساء.. إنها تحطم أعصابي، وتشتت أفكاري، وتفقدني النطق..
ودخلت الزائرة مكتبي وهي ترتدي ملابس الحداد!..
وزاد تشاؤمي..
وجلست أمامي، وغرقت في البكاء..
قال لي وجهها: إنها في الخمسين من عمرها!!..
وقالت لي أصابعها وهي تصافحني: إنها امرأة عاملة.. فإن خشونة يدها الصغيرة روت لي قصة جهاد امرأة فقيرة..
وقالت لي ملابسها: إنها من أسرة متوسطة.. أو من أسرة كريمة غدر بها الزمن، وسرق منها كل شيء إلا الذوق السليم..
وطلبت منها أن تتكلم.. فانسابت دموعها..
ثم قالت لي:
- لقد فقدت ابني اليوم..
قلت لها:
- البقية في حياتك يا سيدتي..
قالت:
- إنه لم يمت، لقد فقدته؛ خرج من حياتي..
قلت:
- وهل هذا هو سبب ملابس الحداد؟
قالت:
- إنني ألبس السواد منذ 25 سنة من اليوم الذي مات فيه زوجي، ولكن السواد الذي لف قلبي أكثر من السواد الذي ألف به جسدي.. فقد ترك لي زوجي ابني، فعشت له.. أما الآن فلا أجد مبررا للحياة..
سألتها:
- هل اختلفت مع ابنك؟
قالت:
- أبدًا.. إننا لم نختلف في يوم من الأيام، بل إنه بعد أن مزق قلبي هذا الصباح، حرص على أن يقبل يدي، إنه ولد مؤدب.. ولكن..
سألتها:
- وكيف مزق قلبك؟
وهنا اغرورقت عيناها بالدموع..
ثم روت لي قصتها مع ابنها.. كيف أعطته كل شيء.. أعطته شبابها ورفضت أن تتزوج بعد وفاة زوجها وهي في سن العشرين، حتى لا تعرض ولدها لقسوة زوج الأم.. وباعت مصوغاتها، ثم أثاث بيتها، ثم حلل المطبخ ثم ملابسها؛ لتعلمه ولتعده للحياة.. واضطرت أن تشتغل خيّاطة لتصرف على ولدها.. وفي بعض الأحيان كانت تشتغل سرا خادمة؛ تغسل وتكوي الملابس في الفترات التي يقل فيها إقبال الزبائن على تفصيل الفساتين الجديدة..
وفي بعض الليالي كانت تنام بلا طعام.. ولكنها لم تكن تشعر أبدا بالجوع، فإن سعادة ابنها ونجاحه في المدرسة كانت تملأ عينيها وتشعرها أنها شبعت..
وحصل ابنها على الدبلوم، وحصل على وظيفة..
وفي أحاد الأيام فاتحها في رغبته في الزواج، فشجعته على اختيار بنت الحلال، واختار العروس وباركت اختياره.. وقال لها: إن العروس لا تريد أن تعيش معها، فأيدت رأيها، وقالت لابنها: إن هذه رغبة طبيعية ومقبولة ومعقولة من العروس؛ لأنها تريد أن تستقل ببيتها، وتريد أن تشعر أنها صاحبة البيت لا مجرد زوجة ابن صاحبة البيت..
وأعدت لابنها كتبه، ورتبت ملابسه في الحقائب.. ولم تنس الأشياء الصغيرة التي يعتز بها ويحب أن تكون حوله..
وحانت ساعة خروج الابن من البيت..
وحمل الابن حقائبه وخرج..
ونسي الابن أن يقول لأمه الكلمة التي انتظرت 25 سنة لتسمعها من شفتيه..
نسي أن يقول لها:
- شكرًا يا أمي..
وقالت الأم لي:
- لماذا نسي أن يقول لي "شكرا" لا أتصور أنه ابن عاق.. إنه ولد مهذب ومؤدب.. هل تظن أن صغر سنه هو سبب نسيانه؟..
وأحسست أنها تريد مني أن أكذب عليها.. تريد مني أن أقول لها: إن ابنها الذي يبلغ من العمر 25 سنة لا يزال طفلا.. وأنه عندما يكبر سيقول لها: "شكرًا".
وكذبت عليها..
فقد كان الكذب هو المنديل الوحيد الذي استطعت أن أجفف به دموعها!..
وكانت دموع هذه الأم هي المداد الذي كتبت به "الفكرة" التي نشرتها في يوم 6 من ديسمبر سنة 1955..
فقد هزتني دموعها وهزت قلمي ومشاعري!..
واكتشفت عقب خروجها من مكتبي أنني أيضا نسيت أن أقول:
- شكرا يا أمي!..
لقد قلت لأمي "شكرا" ألف مرة.. ولكن كان يجب أن أقولها مليون مرة..
وأمسكت قلمي وكتبت قصة هذه الأم المنسية باختصار، ثم ختمت الفكر قائلا:
"الواقع أننا ننسى أمهاتنا.. ننسى التضحيات التي تقدمها الأم لنا.. ولا نذكرها إلا بعد أن يفرق الموت بيننا"..
"فلماذا لا نتفق على يوم من أيام السنة، نطلق عليه لقب "يوم الأم"، ونجعله عيدا قوميا في بلادنا وبلاد الشرق.. وفي هذا اليوم يقدم الأبناء لأمهاتهم الهدايا الصغيرة، ويرسلون للأمهات خطابات صغيرة يقولون فيها: "مِرْسي" أو "شكرًا" أو "ربنا يخليكي"؟
لماذا لا نشجع الأطفال في هذا اليوم أن يعامل كل منهم أمه كملكة؛ فيمنعوها من العمل، ويتولوا هم في هذا اليوم كل أعمالها المنزلية بدلا منها؟
ولكن أي يوم في السنة نجعله "عيد الأم"؟
"اختاروا أنتم اليوم.. وأنا أجعله لكم عيدًا للشرق، وعيدًا للقلوب"..
وتلقيت ألوف الخطابات من القراء يؤيدون فكرة "عيد الأم"، واختلفت الآراء حول تحديد اليوم..
وجاءتني السيدة "زينات الجداوي" تهنئني بالفكرة..
ورفضت التهنئة، قلت لها: إن التهنئة الوحيدة التي أقبلها منها هي أن تتصل بالجمعيات النسائية وتعرض عليها الفكرة، وتطلب منها أن تؤيدها..
وتحمست "زينات"..
وفي اليوم التالي هبطت حماستها..
فإن سيدات الجمعيات النسائية اختلفن على اختيار "يوم عيد الأم".. وكان من نتيجة الخلاف أن اتفقن على دفن "الفكرة"..
وهددت بنشر تفاصيل الخلاف بين السيدات على الناس؛ لتعرف الدنيا حجم العقول الصغيرة، التي تسيطر على جمعياتنا النسائية..
ولم يؤثر تهديدي في زعيمات الجمعيات النسائية.. لقد اتفقن على دفن الفكرة..
وقررت أن أضع زعيمات الجمعيات النسائية أمام الأمر الواقع، فاخترت وحدي يوم 21 من مارس عيد الأم..
فهو أول أيام الربيع في بلادنا.. وحب الأم هو أجمل ألوان الحب..
وفي يوم 9 من ديسمبر سنة 1955 أمسكت قلمي، وكتبت الفكرة التالية:
فكرة
* ما رأيكم في يوم 21 من مارس؟..
إنه اليوم الذي يبدأ فيه الربيع، وتتفتح فيه الزهور، وتتفتح فيه القلوب!!
ما رأيكم أن نجعل "عيد الأم" هو بداية الربيع في بلادنا، وبلاد الشرق الأوسط؟ ونساهم كلنا في جعل الأم في هذا اليوم "ملكة بيتها"؛ فلا تغسل، ولا تطبخ، ولا تمسح، وإنما تصبح "ضيفة الشرف"، ويتولى أولادها كل أعمالها المنزلية؛ فيطهون لها الطعام، ويقدمون لها الهدايا وباقات الزهور، ويضعون تحت "عُقب الباب" في حجرة نومها خطابات رقيقة يسجلون فيها نبضات القلب التي تاهت بين الشفاه طوال العام؟..
إن يوم الأم في الدول الأوربية والأمريكية هو الأحد الأول من شهر مايو من كل عام، وهو يتأرجح بين يوم أول مايو ويوم 6 من مايو.. وأنا أكره هذه المرْجحة، وأرى أن نختار يوما معينا لا يتغير تاريخه على مر الأيام..
ومع ذلك فالرأي لغالبية القراء؛ فأنا لا أريد أن أفرض يوما معينا.. ولكن يهمني أن نتفق على يوم واحد..
ولقد تلقيت مئات من الخطابات والتليفونات.. ومعظمها يتفق على أن يكون عيد الأم يوما من أيام الربيع.. وأحدها يقترح أن نختار يوم ميلاد الأم التي شكت لي من أن ابنها نسيها بعد أن ضحت من أجله بشبابها وأثاث بيتها وملابسها.. وأحدهم يقترح أن نختار اليوم الذي ولدت فيه أمنا حواء!!.
وجاءني خطاب واحد يعترض على فكرة الاحتفال بعيد الأم، إنه خطاب من يتيم فقد أمه.. إنه يقول: إن احتفال الأولاد بأمهاتهم سيزيد عذابه وعذاب اليتامى، ولكني لا أوافق على هذا الرأي.. فإذا نحن احتفلنا بالأحياء فإننا لن ننسى الأموات.
إنني شخصيا سأذهب في هذا اليوم إلى قبر أمي، وأضع عليه باقة من الورد؛ فالذين يتذكرون أمهاتهم لا يتعذبون، وإنما يحلقون في السحب مع الملائكة.. فما رأيكم في يوم 21 من مارس؟
اكتبوا إلي..
واقتنع الألوف برأيي..
وبقيت الجمعيات النسائية تحارب الفكرة!..
وبدأت الصحف تهاجمني وتهاجم الفكرة، وتقول: إنها فكرة أمريكانية لا تتفق مع تقاليدنا..
وقالت صحف أخرى: إنني أقوم بدعوة استعمارية أحاول فيها هز كيان الأسرة في بلادنا بالتفريق بين الأب والأم..
ورحت أكتب في كل صحف "دار أخبار اليوم" أدعو للاحتفال بعيد الأم في يوم 21 من مارس من كل عام..
وملأت صحف ومجلات "دار أخبار اليوم" بصور كاريكاتورية تدعو لفكرة عيد الأم.. فالصورة تغني في كثير من الأحيان عن ألف مقال..
ورأيت أنني في حاجة إلى سند رسمي؛ فاتفقت مع السيدة "زينات الجداوي" أن تذهب إلى مقابلة وزير المعارف -في ذات الوقت- السيد "كمال الدين حسين"، وتعرض عليه الفكرة.. فتحمس لعيد الأم، وأيّد فكرة الاحتفال به في يوم 21 من مارس من كل عام، وأصدر منشورا لجميع مدارس الدولة يطلب منها الاحتفال بهذا العيد كل عام..
وصوبت كل مدافع "أخبار اليوم" لإنجاح فكرة عيد الأم..
كانت فكرة "عيد الأم" تصدم القارئ في كل صفحة، وفي كل باب، وفي كل ركن.. بل أدخلت "العيد" في السياسة؛ فكلفت "رخا" و"صاروخان" رسم عدة صور كاريكاتورية سياسية تستغل فكرة عيد الأم في مشاكلنا السياسية والدولية..
وانتقلت فكرة العيد إلى سوريا، وإلى لبنان، وإلى الأردن، وإلى المملكة السعودية، وإلى شمال أفريقيا، وإلى السودان.. وراحت كل البيوت والأكواخ تحتفل بعيد الأم.
واستمرت المدافع تنطلق في شهريْ يناير وفبراير..
وفي مارس بدأت أعد القراء للعيد!..
كان إذا فتح جريدة الأخبار في أول مارس يقرأ: "إنه باق من الزمن 20 يومًا!!".
وإذا فتحها في 2 من مارس قرأ: "إنه باق من الزمن 19 يومًا".. وهكذا..
وزاد حماس الناس لعيد الأم!..
وفي الأسبوع السابق للعيد بدأت المحلات التجارية تلاحظ إقبالا غير عادي..
وتضاعف الزحام يوما بعد يوم..
واتصل بي أصحاب محلات صيدناوي وشيكوريل وعمر أفندي، وقالوا لي: إن محلاتهم لم ترَ زحاما كالذي شاهدته في الأيام السابقة لعيد الأم!!..
وازدحمت كل المحلات التجارية، وسجلت أرقاما في المبيعات لم تسجلها في الأعياد..
وفي يوم 21 من مارس رحت أتجول في الشوارع.. فرأيت مئات الألوف من الأولاد والبنات يحملون الهدايا.. ورأيت رجالا وسيدات يحملون الصناديق الملونة؛ فلقد اشترك الكبار مع الصغار في هذا العيد.. وامتلأ كل بيت وكل كوخ في بلادي بالضحكات ودموع الفرح!!..
وذهبت إلى "الإمام الشافعي" مع مصطفى أمين، ووضعنا باقة من الزهر على قبر أمي!!..
وكلفت أحد باعة الزهور إرسال باقة زهر إلى الأم التي نسي ابنها بعد 25 سنة أن يقول لها: "شكرًا".
- شكرًا يا أمي..
ووضعت على الباقة اسم الابن الضعيف الذاكرة..
وفي صباح اليوم التالي وجدت السيدة المنسية تنتظرني في مكتبي..
وقالت لي السيدة:
- شكرًا على باقة الزهر الجميلة، لقد كانت منك أنت، لا من ولدي..
وأكدت لها أنها مخطئة وأنها من ابنها.
ولكن السيدة قالت لي ضاحكة:
- إنني واثقة أنها منك أنت.. فقد أرسل لي ابني باقة أخرى جميلة جدًا..
ولاحظت أنها خلعت السواد، وسألتها عن السبب، فقالت لي:
- إنه أول أعيادي..
وتقدمت مني، وأحاطتني بذراعيها، وقبلتني..
وما زلت أحس بقبلات هذه السيدة على وجهي.. فإن قُبلتها كانت أرفع وسام حصلت عليه في حياتي الصحفية.
* مقال الكاتب المصري علي أمين من مؤسسي جريدة الأخبار المصرية، تم نشره في الهلال المصرية في مارس 1962.
|