English

 

الأربعاء. مارس. 20, 2002

حواء و آدم » بين الناس

 

أمهات منسيات

عبير صلاح الدين

Image

في يوم الأم.. يتجمع الأبناء -كبارا أو صغارا– في بيت العائلة لتقديم الهدايا، وإشاعة جو من البهجة والامتنان للأمهات والجدات، أو الخالات والعمات اللائي لم ينجبن وينتظرن هذا اليوم ليشعرن أنهن (أمهات)، لكن تبقى بعض الأمهات اللائي أنجبن بالفعل منسيات في دار المسنين أو حتى داخل بيوتهن.. لا فرق، لكن قبل أن تحكم على هؤلاء الأبناء بالعقوق اقرأ معنا قصص هؤلاء الأمهات.

في إحدى دور المسنين التي تقع بحي مصر الجديدة –أحد الأحياء الراقية بالقاهرة– التقينا بـ"أم أحمد" تجاوزت الخامسة والسبعين من عمرها، لم يستطع الزمن أن يخفي كل جمالها اللافت للنظر، غرفتها بها ساعة حائط ثمينة، وبعض قطع الأثاث غير الموجودة في الغرف الأخرى، تغطي قدميها ببطانية ثمينة وجميلة، ملامحها وكلامها يدلان على أنها من أسرة عريقة وثرية، بجانب سريرها عكاز خشبي مميز.

بدأت حديثها معنا قائلة: "أعيش منذ سبع سنوات لم أَرَ فيها ابني أحمد، وابنتيه: سارة، وهاجر سوى ثلاث مرات فقط عندما يجيئون للقاهرة؛ فقد سافر من سنوات إلى هولندا مع زوجته وأولاده ليحصل على الدكتوراة وبعدها استقر هناك، كنت وقتها ما زلت في بيتي، وصحتي جيدة، وتساعدني خادمة غير مقيمة، حتى وقعت ذات يوم على الأرض بعد خروجي من الحمام وكُسرت ساقي، ولم أجد من ينقذني فتحاملت على نفسي حتى وصلت إلى الهاتف، واتصلت بالإسعاف وكسروا باب المنزل ليستطيعوا الدخول فلم أكن أقوى على الوقوف". وتكمل حديثها قائلة: "طوال عمري أعيش وحيدة، لا أحب الاتصال بالجيران، وابتعد عني الأقارب بعدما تزوجت بعد وفاة والد أحمد، وكنت وقتها في الأربعين من عمري، ولم أتخلَّ يوما عن ابني؛ فقد كان زوجي يعامله مثل ابنه تماما إلى أن تُوفي".

ويقطع حديثنا دخول الممرضة التي جاءت لتذكر أم أحمد بموعد الدواء، وتابعت (أم أحمد): "لم أنجب سوى أحمد، وهو يبعث لي دائما برسائل، ويتصل بي هاتفيا من حين لآخر، وعندما يسألني: تريدين شيئا؟ أقول له: لا.. أريدكم أنتم. فهو يعرف أنني بعت المنزل ووضعت النقود بالبنك بعدما فضلت الاستقرار بدار المسنين؛ فقد كان يجب أن أوفر أجرة هذه الإقامة من دخل ثابت، على الأقل سأجد من أتحدث معه، ومن يساعدني على المشي وعلى قضاء حوائجي دون أن أشعر بالوحدة التي عانيت منها كثيرا بعد سفر أحمد وزوجته؛ فإخوتي مشغولون بعائلاتهم، وهم مثلي أيضا يريدون من يتوكئون عليه".

المرض في الكبر

وفي الغرفة المقابلة لغرفة (أم أحمد) دلتني الممرضة على غرفة الحاجة (فوقية) لكنها حذرتني منها؛ لأنها تنتابها أحيانا حالة عصبية.. قبل أن أطرق باب غرفتها سمعت صوت المذياع عاليا داخل الغرفة، يقرأ القرآن الكريم، ولم تخفض صوت المذياع حتى بعد أن دخلت الغرفة وأخذت أتحدث إليها، إلى أن طلبت منها أن تغلقه حتى تسمعني، فخفضت الصوت فقط على مضض، وقالت لي: "سماع القرآن الكريم يريحني"..

وشردت قليلا، ثم عادت تقول: "وصلت إلى منصب مديرة في وزارة التربية والتعليم سنة 1990، كنت مميزة جدا في عملي ولهذا وصلت لهذا المنصب، تحملت الكثير لأستطيع التوفيق بين عملي وابنتيّ، خاصة بعد موت والدهما في حادث سيارة وهما صغيرتان؛ الكبرى طبيبة وسافرت مع زوجها إلى الكويت، والأخرى مثلي معلمة، لكن ليس عندها شخصية، تسمع كل كلام زوجها دون مناقشة، عندما طلب منها أن تقدم لي في دار المسنين سمعت كلامه دون أن تأخذ رأيي، خافوا على ابنهما مني، اعتقدوا أني مجنونة؛ لأن الطبيب قال لهم: لا تجعلوها تبقى بمفردها.

شردت الحاجة فوقية مرة أخرى كمن يتذكر شيئا، ثم عادت فرفعت صوت المذياع عاليا، ولم تنظر إلي، بل أخذت تبحث داخل كيس بلاستيكي عن شيء ما، حتى أخرجت إبرة تريكو وشلة صوف وأخذت تعمل في هدوء، فتركت الغرفة وأغلقت الباب ورائي في صمت.

أين المودة والرحمة؟

وفي دار مسنات (الكلمة الطيبة) التي تقدم خدمات شبه مجانية للمسنات، وملحق بها دار يتيمات أيضًا.. تعرفت على الحاجة (فايزة) التي تعيش في غرفة متواضعة بكل أثاثها ومحتوياتها، لكن ما يلفت النظر في سرير الحاجة فايزة المرآة التي تضعها بجانبها وزجاجة العطر التي تضعها بجاب كيس من الأدوية ومذياع صغير، كل هذه الأشياء تشاركها السرير فلا توجد قطع أساس أخرى بالغرفة سوى السريرين وخزانة ملابس صغيرة.

بدأت الحاجة فايزة حديثها قائلة: كان زوجي تاجرًا للأقمشة، وكنا نعيش في منزل كبير وواسع، حياتنا كانت سعيدة وابنتي في المدرسة، وفضل ابني أن يعمل مع والده في التجارة، لكنه كان لم يزل صغيرًا عندما أصيب والده بمرض خبيث، واضطررنا لبيع كل ما نملك من أجل مصاريف العلاج لمدة عامين بعدها توفي، وتحول المنزل الكبير إلى شقة صغيرة بعد أن بِعنا المنزل أيضًا، تزوجت ابنتي، وسافرت مع زوجها.

كان لي أخ لم يتزوج يعيش مع والدتي إلا أنه أصيب بأزمة نفسية كبيرة عندما توفيت، فاضطررت أن أطلب منه أن يعيش معي، ومرت السنون، وتزوج ابني إسماعيل معنا في نفس الشقة، ثم ترك زوجته وسافر ليبحث عن رزق أكبر، وبدأت زوجته -التي لم أكن راضية عن زواجه منها- تعاملني معاملة قاسية؛ لدرجة أنني ذهبت في أحد الأيام أنا وأخي لزيارة أخت لنا في البلدة لمدة ثلاثة أيام فعدنا لنجدها قد غيرت مفتاح الشقة، ولا تريدنا أن ندخل شقتنا.

فذهبت لقسم الشرطة لأطلب فتح الباب، فإذا بها تتهم أخي أنه كان يريد قتل ابنها، فقال لي الشرطي: إنه يمكنه أن يطرد الزوجة وابنتها خارج الشقة إذ لا حق لهما فيها، فقلت له: بل أنا التي سأذهب، وبدأت أبحث عن دار للمسنين حتى وجدت هذه الدار، وعلمت أن بها طابقًا للرجال له مدخل خاص، فجئت أنا وأخي؛ لأني لا أستطيع أن أتركه، خاصة أنه كبير جدا في السن وأعصابه ليست على ما يُرام. وقد عدت لتوي من عنده؛ فهو كالطفل الصغير لا ينام قبل أن يطمئن علي، ولا يأكل إلا إذا أكلنا معًا.

في المحكمة

في المحكمة جلست تلك السيدة التي جذبت أنظارنا إليها عندما بدأت في الحديث، سيدة تجاوزت السبعين وربما الخامسة والسبعين، ترك الزمن والفقر بصماتهما على جلد وجهها ومفاصل أصابع يدها.. اعتقدنا جميعًا أنها تتحدث عن زوجها الذي جاءت ترفع ضده دعوى نفقة مثل الكثير من الزوجات، لكننا اكتشفنا أنها تتحدث عن ابنها (محمود) الذي تركها دون أن يسأل عنها بكلمة.

اقتربت منها وسألتها: أين محمود؟ فقالت: عملت كل شيء من أجله، عملت في البيوت وفي إحدى المدارس أمسح الأرض؛ لكي لا يشعر أن شيئًا ينقصه، كنت أرتدي جلبابًا واحدًا في الصيف، وفي الشتاء ألبس تحته شيئًا ثقيلاً حتى أوفر له مصروفات التعليم، حتى طلب أن يترك المدرسة ويتعلم الحياكة عند أحد الخياطين، وتعلم الحياكة بالفعل.

ومرت السنون حتى فوجئت به ذات يوم يقول لي: إنه سيتزوج من سيدة تكبره بخمسة وعشرين عامًا؛ لأنها غنية، رفضت فلم يستمع لنصيحتي، وتزوجها واشترت له متجرًا كبيرًا وأصبح حياكًا شهيرًا، لكنها منعته من زيارتي ومن السؤال عني بكلمة. صحتي ضعفت ولم أعد أقوى على العمل، ولم يعد الناس يساعدونني؛ لأنهم يعرفون أن ابني غنيٌّ، بعثت لمحمود أكثر من مرة، لكنه لم يأت، أقنعتني ابنة الجيران المحامية بأنه يمكنني رفع دعوى نفقة على محمود؛ لكي أستطيع شراء الدواء الذي أحتاجه لكي أستطيع أن أتنفس.

وتكمل: "جئت فقط لكي أرى محمودا؛ فأنا واثقة من أنه بمجرد أن يراني سينسى كل شيء ويتذكر ما فعلته من أجله". تصمت قليلاً ثم تقول: لكن بعد أن انتظرت طويلاً وجدت أنه قد بعث بمحام بدلاً عنه، وأخبرني المحامي أن محمودا سيدفع لي مبلغًا معينًا بشرط أن أتنازل عن الدعوى (!!).

كان قلبي يتمزق عندما كانت تحكي لي أم محمود عن ابنها.. لكني بعد أن تركت المحكمة سألت نفسي: ألا يمكن أن تكون "أم محمود" وكذلك الحاجة "فايزة" و"أم أحمد" مشاركات جميعهن فيما وصل إليه حالهن؟!!


  صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم