|
كأن الهجمات الانتحارية المدمرة على نيويورك وواشنطن لم تكن كافية لإثارة الذعر بين الأمريكيين حتى يصابوا بما يسميه أطباء نفسيون ظاهرة "القلق المرضي" من الجمرة الخبيثة، التي تكاد تقضي على البقية الباقية من شعورهم بالأمان.
ويقول الأطباء النفسيون: إن خطر تفشي بكتيريا هذا المرض -الذي قد يسبب الوفاة- يضيف إلى الضغوط التي ينوء الأمريكيون تحت وطأتها منذ هجمات 11 سبتمبر المدمرة التي سقط فيها آلاف القتلي.
غير أن الشعور بالقلق والتخبط أصاب أيضا المنوطَ بهم علاجُ القلق لدى الشعب الأمريكي، فتقول "جوليا توروفسكي"، نائبة مدير عيادة اضطرابات القلق بجامعة "روتجرز" في نيوجيرسي: "لا يعرف أحد هل، أو متى، أو أين تضرب هذه البكتيريا؟ لا توجد إرشادات محددة من الحكومة للتعامل مع هذا الخطر، وخاصة من الناحية النفسية!".
مادة بيضاء = الجمرة
ويظهر بوضوح تفشي الخوف من الجمرة الخبيثة في بلاغات تنهال من كثيرين لمجرد رؤية أى مادة بيضاء، فيما يسميه علماء الاجتماع "هيستيريا جماعية تتفاقم مع الوقت".
وكانت أحداث 11 سبتمبر أول هجمات أجنبية كبرى على بر الولايات المتحدة منذ 200 عام تقريبا، بينما كان الأمريكيون يعتقدون أن الحروب والإرهاب أشياء تقع في الخارج على بعد آلاف الكيلو مترات.
ويقول "تيم ستروامان" أستاذ علم النفس بجامعة ديوك: "إن هذه الفكرة ولَّت بدون رجعة". وأضاف "يجب أن نطرح هذا الوهم بأننا غير قابلين للاختراق وراء ظهورنا، وعلينا تعليم أنفسنا وأطفالنا أساليب سلوك جديدة، وأن نقول لأولادنا بأننا آمنون، ولكن هذا لا يعني أننا غير قابلين للاختراق، علينا التخلص من هذه الثغرة القومية، والاعتراف بأننا جزء من العالم، وأننا شعب مثل الآخرين".
الإعلام صانع الاكتئاب!!
من ناحية أخرى هناك من يتهم وسائل الإعلام بإشاعة حالة الخوف الجماعي في المجتمع الأمريكي، فيقول: "آلان ليبمان" مدير مركز دراسات العنف بجامعة جورج تاون: "إن الخوف الجماعي يتفشى بسبب تغطية وسائل الأعلام المكثفة والمستمرة ليلا ونهارا، والتي أسهمت في الإسراف في استهلاك العقاقير المضادة للاكتئاب والخمور والمخدرات، ونرى أناسا يشترون البنادق وأقنعة الغازات، في حين أن تسمم الهواء لن يكون من الجمرة الخبيثة، ولكن من الخوف الذي يؤدى إلى الاكتئاب والغضب، بل الشلل في بعض الأحوال".
ويصف "ليبمان" السلوك الأمريكي الآن بقوله: "إنه سلوك يائس في مواجهة الخوف، ويتحمل مسئوليته وسائل الإعلام بعد انقلاب توافر المعلومات إلى درجة تهدد حياة الفرد".
وكانت دراسة أمريكية قد أُجريت قبل 11 سبتمبر الماضي، أوضحت أن نحو 25% من الأمريكيين عرضة للإصابة مرة في حياتهم على الأقل بأمراض نفسية متنوعة، مثل القلق والاكتئاب والهلع والخوف من الحيوانات وأعراض ما بعد الصدمات، وهي نسبة عالية.
إلا أن أرقام هذه الدراسة أصبحت بالية بعد 11 سبتمبر، فيقول "ولياك كلارك" أستاذ علم الأحياء الزائر بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس: "إن 100% من الأمريكيين قد أصيبوا بأنواع مختلفة من الأمراض النفسية بعد 11 سبتمبر، ويرجع جزء كبير من المشكلة إلى الافتقار إلى آليات محددة واضحة للتعامل مع هذا الخطر المجهول، والذي نطلق عليه الآن القلق المرضي من الجمرة الخبيثة!".
وقبل 11 سبتمبر لم يكن الملايين من الأمريكيين قد سمعوا عن أسماء مثل "أسامة بن لادن"، و"جرثومة الجمرة الخبيثة"، وربما كان انتباه الجميع ينصب على فضيحة عضو الكونجرس "جاري كونديت"، الذي يشتبه في أنه على علاقة غرامية بالمتدربة اليهودية "شاندرا ليفي" التي اختفت في ظروف غامضة منذ عدة أشهر، غير أن حياة الأمريكيين اليومية ومخاوفهم واهتماماتهم بل ربما طباعهم الشخصية العامة بدأت في التحول بصورة جذرية بعد تاريخين مهمين الأول هو 11 سبتمبر، والذي شهد انفجارات نيويورك وواشنطن، واعتقد الأمريكيون أنه اليوم الأسوأ في تاريخهم، والصدمة التي لن تتكرر.
لكن يبدو أن الأسوأ لم يأتِ بعد؛ حيث إن الأقدار كانت تحمل للأمريكيين كابوسا أشد وطأة بدأت معالمه في الظهور يوم 5 أكتوبر حين أُعلن عن وفاة المصور الصحفي "روبرت ستفيتفر" بعد أن ثبت إصابته بميكروب "الجمرة الخبيثة"، هنا بدأ الحديث عن معالم الكابوس الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة (القطب الأعظم على وجه الأرض منذ قرابة 200 عام).
القلق شعور يومي
وإذا كانت المشاعر الأمريكية قد أهتزت بشدة لما حدث يوم 11 سبتمبر، ومنذ تلك الساعة أخذ الكثيرون في رواية تلك التجربة المؤلمة، سواء ممن عاصروها أو تأثروا بها بطريقة أو بأخرى، فإنه لا يمكن مقارنة ذلك بحالة الرعب اليومية التي تلازم الأمريكيين كلما فتحوا مظروفا، أو رأوا مسحوقا لونه أبيض، أو شاهدوا سائلا يرون أنه مشتبه فيه، ناهيك عن المخاوف المرضية من أي حقيبة.
وبعد أن فرغ الأمريكيون من متابعة قائمة ضحايا انفجارات نيويورك وواشنطن، انصب الحديث الآن على قائمة يومية قد تكون أقل حجما، غير أنها تتزايد بصورة يومية، وتحمل معها رعبا يفوق مشاعر الصدمة التي عانى منها الأمريكيون عندما شاهدوا تحطم برجيْ مركز التجارة العالمي، وتابعوا أخبار رئيسهم بوش، وهو يبحث عن مكان آمن لهبوط طائرته يوم 11 سبتمبر.
ووسط ظلال من الرعب يدرك الأمريكيون باختلاف مستوياتهم ومسئولياتهم أن الميكروب سوف يظهر في ولايات أخرى ساعة بعد أخرى.
وأصبح المشهد المعتاد على شاشات التلفزيون الأمريكية هو وقوف المئات من العاملين في هذا المبنى أو ذاك في طابور طويل؛ انتظارا للتطعيم ضد مرض الجمرة الخبيثة، وتحولت أسئلة الأمريكيين إلى مدى استعداد بلدهم للتعامل مع المرض.
والمثير للدهشة أن المسئولين الأمريكيين تعرضوا للعدوى من مسئولي دول العالم الثالث؛ حيث سارعوا للتأكيد على أن حالات الإصابة منعزلة، غير أن الأمر قد تغير عقب قرار السلطات الأمريكية بإغلاق مبنى مجلس النواب لأسباب صحية، وذلك لأول مرة في التاريخ، وأصبح من السخف نفي وجود أزمة حقيقية.
الغرف المغلقة.. حقول ألغام
في تلك الآونة تحولت مكاتب وغرف البريد في مختلف أنحاء الولايات المتحدة إلى ما يشبه حقول الألغام؛ حيث نشرت السلطات الأمريكية الكلاب المدربة للكشف عن أي مواد يُشتبه فيها، وأصبح من المعتاد أن يشاهد الأمريكيون على شاشات التلفزيون مجموعة من الأشخاص يرتدون الأقنعة، وهم يقومون بتطهير أو فحص مكان يُشتبه في أنه يحتوي على ميكروب "الجمرة الخبيثة".
وتحول ارتياد المواصلات العامة في مختلف المدن الأمريكية مثل المترو والحافلة والقطار، أضف إلى ذلك الطائرات، إلى مغامرة حقيقية تستحق التهنئة على سلامة الوصول، بل إن مسئولي مترو الأنفاق أزالوا الصناديق المخصصة للتخلص من الصحف التي اعتاد الأمريكيون إلقاءها عقب قراءتها.
ولعل التحدي الحالي الذي يواجه البيت الأبيض لا يتمثل في طالبان وأسامة بن لادن، بل في محاولة طمأنة المواطن الأمريكي الخائف حديثا من المجهول.
غير أن الأمر ليس بهذه البساطة حين يدعو الرئيس بوش كل مواطن أمريكي إلى الاستمتاع بحياته اليومية، في حين تشدد الإدارة الأمريكية على ضرورة توخي الحذر الشديد خوف وقوع عمل إرهابي جديد.
ومع الدعوة الرئاسية بالاستمتاع، يظل السؤال الأمريكي الصنع: كيف تعيش سعيدا رغم الجمرة؟!!..
|