|
| إنبهار بأمريكا لن يدوم |
عقب يوم الثلاثاء 11 سبتمبر، أو ما يُطلق عليه "اليوم الأسود" حسب التعبير الأمريكي، وما تلا ذلك من عدوان أمريكي غاشم على أفغانستان، وحملتها الدولية على ما تسميه "الإرهاب" - حدث بالقطع متغير جديد، ترك أثره على صورة الدولة العظمى "حامية الحقوق والحريات، وراعية التحرر والعدالة" تلك الصورة التي روّجت لها أمريكا، وكسبت بريقًا بلا شك.
والآن، ما هو مصير هذا النموذج الأمريكي؟ هل ما زال يحمل نفس المصداقية؟
ولا يخفى أن الولايات المتحدة الأمريكية بقدر سعيها إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية على العالم - سعت إلى ترويج "نموذج" يمكنها من السيطرة الاقتصادية والسياسية ضمن ما أُطلق عليه "العولمة" برفع شعارات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة، والتحرر، بينما يمارس في الواقع جميع الأساليب اللاإنسانية لطمس ثقافات الشعوب ومحْو هوياتها، والهيمنة عليها ضمن ثقافة "البيتزا" و"الهامبورجر"، وأفلام هوليود وما تبثه عبر آلتها الإعلامية العملاقة، وشبكات الإنترنت؛ لصياغة عقل الشعوب ومشاعرها بما يخدم مصالح أمريكا وأطماعها ونزوعها الدائم للهيمنة.
التقينا بمجموعة من طلبة وطالبات الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وناقشناهم حول مصير النموذج الأمريكي في ظل الأحداث الراهنة.. وكيف يرون مستقبل هذا النموذج؟
المفاجأة هنا التي لم نكن نتوقعها أن جميع الطلبة بدون استثناء رفضوا التصريح بأسمائهم ولو بالحروف الأولى حتى لا يؤثر ذلك عليهم داخل الجامعة.
بريق لن يدوم
أحد الطلبة يقول: قبل الْتحاقي بالجامعة الأمريكية كنت أتوقع مستوى وشكلا تعليميا آخر، وأن التعليم سيكون مثاليا، ولكني اكتشفت عيوبا في التعليم تماثل عيوب التعليم المصري؛ بل تزيد عنه في كثرة الامتحانات، وصعوبة الحصول على درجات عالية، أما الإيجابيات فأرى أن التعاون بين الطالب والأستاذ واضح هنا بشكل كبير.
ويضيف: النماذج الأمريكية في جميع مجالات الحياة كالأكل والتعليم والإعلام جذابة وبراقة جدًا، إلا أن هذا البريق لن يدوم طويلا، وسوف ينمحي أثره تدريجيًا، وستصبح الدول النامية أكثر قدرة على الثقة في النفس بعد القلاقل التي أصابت أمريكا.
فتأثير الهيمنة والسيطرة الأمريكية بدأ يهتز منذ فترة، وازداد اهتزازًا بعد أحداث واشنطن، وبعد ضربها لأفغانستان.. فأمريكا بكل التشبيهات فقدت توازنها، وأصبحت كالثور الهائج، وتحولت العملية إلى عملية بلطجة دولية في محاولة تسترد بها نفوذها بعد الضربات الموجعة، وستكون نتائجها مدمرة على أمريكا بالدرجة الأولى وعلى العالم كله. إن تصوُّرَ قدرتها على إخضاع الإرهاب في كل مكان نوع من جنون العظمة، الذي لا مبرر له ستلقى نتائجه تباعًا.
كما فقدت الشعوب الثقة في أمريكا باعتبارها مثالا للديمقراطية، وظهر أنها تكيل الأمور بمكيالين.. ولا شك أن نظرة العالم لأمريكا ستتغير، وبالتالي سيضعف تأثير النموذج الأمريكي الذي تروج له.
هل تتذكر دوربان؟!
|
|
|
ولكن تبقى الجذور
|
بينما يرى طالب آخر أن النموذج الأمريكي لم ينهَرْ؛ بدليل أنها تضرب أفغانستان، ولم يتدخل أحد.. وكذلك حددت الدول التي ستضربها في المرحلة التالية، ولم نرَ أي اعتراض على ذلك؛ فأمريكا ما زالت دولة قوية.
ويضيف: الأحداث الراهنة تأتي في صالح أمريكا في المرحلة الحالية، وفي تقديري أن ما يتم الآن هو محاولة من جانب أمريكا لاستعادة هيمنتها على العالم؛ فقبل حدث 11 سبتمبر عُقد المؤتمر الخاص بجنوب أفريقيا ضد التعصب والعدوان والاحتكار الرأسمالي، وقد انقسم لشقين: شق رسمي، أصدر تصريحات ضد العنصرية والتعصب، ولكنه لم يدِنْ أمريكا إدانة واضحة مباشرة؛ بل حاول أن يميِّع ذلك الاتهام.
وشق آخر شعبي يتمثل في المجتمعات المدنية التي أدانت أمريكا لتواطئها مع إسرائيل في نازيتها؛ ولأنها تلعب لعبة الهيمنة على استقلالية شعوب العالم من خلال تحويل العولمة إلى عولمة بشعة.
وقد كان ذلك المؤتمر تتويجًا لمؤتمرات أخرى عديدة بفرنسا وإيطاليا وغيرها ضد العولمة الرأسمالية المرفوضة؛ فقاعدة العالم الشعبية متمثلة في اتجاهات مختلفة تنادي بعولمة بديلة عن السيطرة الإعلامية الأمريكية؛ بحيث لا تلغي وجود الشعوب الأخرى.
من وحش إلى ضحية!!
ويستكمل طالبنا قائلاً: وهكذا، فإن صورة أمريكا قبل حادث 11 سبتمبر هي صورة مشوَّهة ومكروهة في العالم بصفتها تدافع عن العدوان، وتشيع الفقر حتى في داخل الدول الرأسمالية، لا همَّ لها إلا البحث عن الأرباح، حتى ولو داست على مصالح البشرية، فأصبحت الجرائم تُرتكب ضد الإنسانية من أجل المكاسب الأمريكية كانتشار الأمراض الفتاكة، وتشويه البشر من جراء الحروب التي تفتعلها أمريكا، وبيع السلاح من أجل مصلحتها.
ويستطرد: كل ذلك تغير إلى حد كبير بعد أحداث سبتمبر؛ فقد تحولت صورة أمريكا من الوحش الكاسر المرفوض من العالم حتى في الدول الرأسمالية إلى صورة ضحية معتدى عليها.
لقد كانت أمريكا متهمة مجرمة، أما الآن فقد استطاعت أن تكسب تعاطف العالم وتأييده، وجمعته حولها سواء عن طريق التهديدات، أو تخفيض ديون الدول، وإعطاء المعونات لدرجة أن بعض الدول الإسلامية أيضًا أيدت أمريكا في ضربتها ضد أفغانستان؛ لذلك فالأوضاع السيئة الظالمة ستستمر، والسياسية الوحشية الأمريكية ستستمر؛ بل وربما تزيد الأمور سوءًا.
لكنني متأكد أن هناك حقائق كثيرة ستنكشف شيئًا فشيئًا عندما تهدأ الأمور، وسيفيق العالم على أن كل ما حدث هو في صالح أمريكا وحدها، وساعتها فقط ستأتي مرحلة تحركات الشعوب؛ فتتفجر حركات جماهيرية شعبية واسعة في كل العالم، مطالبة بأن تكون للشعوب خصوصيتها واستقلالها وأحقيتها في عولمة تتشكل من تنوع التجارب والثقافات في العالم كله.
اهتزاز الثقة بدأ
إحدى الطالبات تقول: هنا داخل الجامعة نرى -وبصورة واضحة- تحيز الأساتذة للنموذج الغربي عامة والنموذج الأمريكي خاصة؛ فهم دائمًا يظهرون أن المجتمع العربي أدنى من المجتمع الأمريكي، فهم ينتقدون مجتمعنا العربي من أجل النقد فقط، ولا يقتصر ذلك على الأساتذة الأمريكان أو الإنجليز؛ بل وصل الأمر إلى الأساتذة المصريين الذين اصطبغوا بالصبغة الأمريكية، وتضيف: لقد بدأ اهتزاز الثقة في أمريكا مع التناقض بين أقوالها وأفعالها؛ فقد اهتزت ثقة العالم في أن تكون أمريكا نموذجًا للحرية والديمقراطية التي دائمًا ما تدَّعي أنها ترعاهما، وفي الواقع فإن أمريكا تحكمها إدارة مستبدة متمثلة في حكم الجمهوريين الذين يعنيهم: أولاً: أصحاب المصالح، وبالتالي فإن الحكم في أمريكا هو لصالح نخبة من أصحاب المصالح المالية التي تتحكم في مقاليد الأمور، وبالرغم من أن هناك حرية رأي للشعب الأمريكي، لكن أيضا هناك سيطرة غير مباشرة من وسائل الإعلام.
حقوق الإنسان أم نفوذ الأمريكان؟!
والنموذج الثاني الذي تدعي أمريكا رعايتها له هو حقوق الإنسان، ولكن لو نزلنا إلى أرض الواقع فسنجد أن حقوق الإنسان قد هُضمت في جميع المناطق التي كان لأمريكا نفوذ واسع فيها، بدءًا من أمريكا اللاتينية والحقد على كوبا بعد الثورة؛ لأنها استبعدت النموذج الأمريكي، فحاولت أمريكا استخدام أجهزتها السرية لإقامة الانقلابات، وكذلك الحال في شيلي أيضًا، وتوجد أمثلة كثيرة تبين أن هناك أمثلة حاكمة تتحدث عن حرية الرأي وحقوق الإنسان، في حين أنه لا توجد منطقة في العالم كان النفوذ الأمريكي فيها كبيرًا إلا وعانت منه شعوب هذه المنطقة، وخاصة في العالم الثالث.
حتى فيما يتعلق بموضوع العدالة، لم تستطع أمريكا أن تكون راعية له، وأبرز مثال على ذلك ما يحدث بفلسطين وأفغانستان؛ فكان من الطبيعي بعد كل ذلك أن تهتز الثقة في النموذج الذي تروج له أمريكا، وقد بدأت صور الاهتزاز باعتراض أوروبا على أشياء كثيرة في ذلك النموذج.
لن تكون الوحيدة
طالبة أخرى ترى أن النموذج الأمريكي بدأ في التخلخل منذ خمسة عشر عامًا؛ فقد ظهر له عدة منافسين متمثلين في التحالف الأوروبي والصين وثقافات الشرق الأقصى في الهند وفي اليابان وغيرهم، حتى روسيا برغم تفككها لا تزال منافسة للنموذج الأمريكي!
وليس معنى أنني أدرس في الجامعة الأمريكية أنني مع النموذج الأمريكي، وكذلك لسنا ضده، ولكنني ضد أن يكون هو النموذج الوحيد الذي يتسيد العالم.
وفي رأيي أن الحرب الحالية لن تقضي على أمريكا كقوة عظمى، ولكن ستجعلها قطبًا ضمن عدة أقطاب أخرى ونموذجًا بين عدة نماذج، ولن تكون المتسيدة الوحيدة؛ فهناك نماذج أخرى ستبرز لتتحاور مع بعضها، سواء النموذج الإسلامي، أم النموذج الأوروبي، أم غيرها، وسيستقر مفهوم المحاورة التاريخية العظمي.
وقد تدخل شعوب أخرى في هذا الحوار الحضاري لتصحيح صورتها؛ فصورة الأفريقي والآسيوي واللاتيني أيضًا قبيحة ومشوهة في العالم، وبحاجة إلى إعادة نظره، وستساعد هذه المحاورة على تصحيح صورة الإسلام؛ ليظهر بعد ذلك من هو الإرهابي الأكبر، وسيتضح أن أمريكا هي الراعية الأساسية للإرهاب بتحيزها ودفاعها عن أعمال إسرائيل الوحشية بفلسطين.
وقد تطول هذه المسائل الحضارية والثقافية بين شدٍّ وجذب إلى أن تظهر نتائجها، ومن المتوقع أن الكل سيخرج من هذه المعركة ضعيفًا، ولكن الضعف الأكبر والخسارة العظمى ستكون لأمريكا وإسرائيل.
نموذج يمتلئ هشاشة
أحد الطلبة المشتركين في الحوار يرى أن التداعيات الأخيرة لأحداث واشنطن لا بد أن تؤثر على النموذج الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية عبر سنوات طويلة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقيادتها للعالم الغربي أثناء الحرب الباردة حتى تم إعلان انتهاء هذه الحرب في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ثم انفراد أمريكا بقيادة العالم.
ولعل حرص الحكومة الأمريكية على استمرار هذا النموذج يبدو في الحملة المجنونة التي يقودها بوش الابن حتى لا ينهار ذلك النموذج، ورغبة في إعادة الثقة فيه عند العالم الذي كان يتأسى به في مجمل الاتجاهات، والتي كانت أمريكا حريصة على فرضه؛ ليساعد على الهيمنة الاقتصادية؛ لأن البلد الخاضع اقتصاديًا لها لا يشعر بتبعة خضوعه الاقتصادي ما دام أنه يتعاطى نموذجا واحدا، وهو النموذج الذي تروج له أمريكا.
ويضيف: من الأمور الواضحة الآن سخرية حلفاء أمريكا التقليديين من هذا النموذج الأمريكي الذي اتضحت لهم هشاشته وخواؤه، وعدم قدرته على الصمود أمام محاولة القضاء عليه.
صحفي مصري
|