English

 

الاثنين. أكتوبر. 22, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

في محاولة للفهم:

ضد الحرب.. تحالف غربي أيضا!!

داليا يوسف

في الغرب.. مشهد يتكرر كثيراً
في الغرب.. مشهد يتكرر كثيراً

آلاف من المتظاهرين يرفعون اللافتات احتجاجًا على العمليات العسكرية المرتقبة (الواقعة الآن) ضد أفغانستان، يشتبكون مع الشرطة، وهم يندِّدون بسياسة الولايات المتحدة الخارجية التي تسببت - في رأيهم - في كارثة 11 سبتمبر التي حلَّت بأمريكا، يدينون التحرشات التي تعرض لها العرب والمسلمون الأمريكيون، ويدعون واشنطن لمراجعة العقوبات المفروضة على العراق، وكذلك موقفها من الصراع العربي - الإسرائيلي، ويطالبون بسحب الأعداد الكبيرة من القوات الأمريكية من منطقة الخليج..

هؤلاء المتظاهرون لم يخرجوا من الأزهر الشريف بالقاهرة، أو من بغداد بالعراق، أو غزة بفلسطين، وإنما مواطنون أمريكيون تحدَّدت مواقفهم واتضحت، وصحَّحوا لأنفسهم السؤال الذي رأوا ضرورة تحوله من "مَن فَعَلها؟" إلى "لماذا؟".

ويبدو الأمر مُربكًا لنا إذا ما علمنا أن الأغلبية الساحقة من الأمريكيين ما زالت تؤيد الحل العسكري كما تُظهر استطلاعات، وإن كان عدد من بين أنصار الحل العسكري يرغبون في التريث حتى معرفة هوية الجناة، إلى جانب عدد من المستطلَعة آراؤهم يحثون الإدارة الأمريكية على تغيير سياساتها الخارجية في الشرق الأوسط.

ومن جانب آخر، ومع توالي بعض الأخبار عن تعرض العرب والمسلمين للتحرشات بالولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث سجَّل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR وقوع أكثر من 600 حادث عنصري تتراوح بين الاعتداءات الجسدية والشتائم منذ 11-9-2001م، كما وقعت ثلاث جرائم قتل راح ضحيتها قبطي مصري في لوس أنجلوس، وهندي من السيخ في أريزونا، وباكستاني مسلم في تكساس؛ فإن حيرتنا تزداد في تلقي مثل هذه الحوادث بين التهوين والتهويل، ومطالبتنا بتشكيل لموقف الجاليات العربية والإسلامية بين المبادرة والاندماج، أو الانعزال والانكماش.

إن المشهد المركَّب يحتاج منا لشيء من التأمل حتى نجيب عن تساؤلاتنا حول هؤلاء الأمريكيين المحتجين على نداءات الحرب، بل والذي يمتد احتجاجهم ليشمل نظم العولمة السياسية والاقتصادية. هل هم مجرد جزر منعزلة؟ وجوه صمَّاء تظهر على شاشات التلفزيون تحمل اللافتات، وتثير الشغب، ثم تعود لأدراجها؟ هل هم بقع ضوء في المشهد المُعتم تسهم في أن يتحرى الأمريكيون بما اشتهر عنهم من جهل أو تجاهل للشأن الخارجي لبلادهم لما يخرج عن دائرة متعتهم، وحياتهم الشخصية على العالم من جديد؟ أم أنها حركة أفرزتها الحضارة الرأسمالية بمنطقها القاتم على الصراع وتكتلات المصالح.. حركة لها منطقها ومنطلقاتها وأسباب احتجاجها التي تؤهلها لتشكل لنا قاعدة من النصراء المحتملين لقضايانا تشبه هؤلاء الذين أدهشنا وجودهم في مؤتمر دوربان بجنوب إفريقيا، أسئلة كثيرة ربما يحقق السعي في الإجابة عليها خطوة في طريق الفهم للمجتمع الأمريكي والنظام الدولي، ولا مناص لنا من محاولة الفهم كأبناء منطقة غارقة حتى أذنيها في لعبة تقاطع المصالح والتكتلات، ومستمرة في دفع ضرائب لصفقات لم تعقدها ولم تدخل طرفًا فيها، هذا إذا أردنا أن نتجاوز مرحلة الدهشة والارتباك.

لقطات تلفزيونية.. ونزيدكم علمًا

كتفاً بكتف من أجل السلام

لقد ذكر تقرير جريج باترفيليد من مركز النشاط العالمي IAC أن مشاعر الحزن والحداد قد تحولت إلى خطوة للفعل، ويطوف بنا عبر لقطات تلفزيونية لنتابع الاحتجاجات في المدن الأمريكية والأوروبية، وما صحبها من شعارات وتعليقات؛ حيث أقيمت فاعليات لمناهضة الحرب في مئات المواقع والمدن من نيويورك وواشنطن إلى لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو، تجمع المئات في لوس أنجلوس؛ ليعارضوا نغمة الحرب المعلنة، وصرَّح أحد المشاركين أن سياسات أمريكا هي سبب ما حدث.

وتجاوزت هذه الأنشطة أمريكا في كندا.. وألمانيا التي تجمهر فيها عدة آلاف، وهم يحملون لافتات تقول: "كفى قَتْلَى.. لا للانتقام".

وتظاهر آلاف في بريطانيا حيث تجمع حوالي 5000 شخص بجوار مقر رئيس الوزراء "توني بلير" المساند الرئيسي لبوش في حملته، وحملوا لافتات تقول: "كتفًا بكتف من أجل السلام والعدل"، كما أقيمت الاحتجاجات في مانشستر وجلاسكو وأسكتلندا.

كما تظاهر الآلاف في إيطاليا دعَّمهم اتحاد منتدى جنوا الاجتماعي الذي أظهر احتجاجاته ضد العولمة في يوليو الماضي، وتظاهر في بلجيكا 2000 شخص معظمهم من الشباب، وقد تظاهر 3000 شخص في أستراليا للمطالبة برد هادئ متوازن.

"لماذا…؟" بدلاً مِن "مَن…؟"

هؤلاء الذين طرحوا تلك الأسئلة وغيرهم من المشاركين في الاحتجاجات آمنوا بأن تغيير السؤال ضرورة، وكثير منهم استدعى ما يعينه على الإجابة على السؤال عن أسباب مشاعر العداء والكراهية تجاه أمريكا، وهم لم يعانوا كثيرًا؛ فالمشاهد كثيرة وواضحة كما ذكر"فريد جولد ستين" في تقريره على موقع مركز النشاط العالمي IAC: إن شعوب الشرق الأوسط تزداد عداء لأمريكا والدول الأوروبية والناتو التي تأتي للمنطقة؛ لتسبب مزيدًا من المعاناة والموت؛ فالقوى الكبرى سيطرت على بلادهم لأكثر من قرن.. إنهم يدركون وقوفهم وراء قتل آلاف الفلسطينيين، والمليون وأكثر من العراقيين الذين قُتلوا بسبب العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، وهم يدركون أن واشنطن دعمت إسرائيل في غزوها للبنان عام 1982م، والذي أسفر عن مقتل 17500 شخص في بيروت وحدها، ويتعمق الاستدعاء تاريخيًّا؛ ليقول: إن تاريخ الشرق الأوسط مليء بالمعاناة التي سبَّبتها القوى الغربية، وتعود لمنتصف القرن الـ 19؛ حيث مات 125000 عامل مصري، وهم يقومون بحفر قناة السويس تحت سياط الاستعمار الفرنسي.

إن شعوب الشرق الأوسط ربما لم تبارك اعتداءات سبتمبر، ولكنهم سيقاومون الموجة الجديدة من التدخل العسكري الذي يستهدف المنطقة، إن الأطماع هي مصدر أغلب هذه المواقف، ويستدل على ما ذكره قائلاً: "وفقًا لجريدة "ورلد أويل" فإن احتياطي البترول قد ثبت وصوله إلى تريليون برميل تقريبًا بخلاف الاكتشافات المستقبلية التي يتوقع تزايدها، كما ثبت أن من 630 إلى 635 بليون برميل منها في الخليج العربي، يضاف إليها 30 بليون في ليبيا. إن المخزون الاحتياطي من البترول في المنطقة التي أصبحت تسيطر عليها أمريكا سياسيًّا واقتصاديًّا يقارب 70% من مخزون العالم.

كما أن أعدادًا كبيرة من القوات الأمريكية كانت توجد في المنطقة قبل 11 سبتمبر -طبقًا لجريدة نيويورك تايمز - فإن هناك 5200 من القوات الأمريكية في السعودية أكثرهم من القوات الجوية المزوَّدة بصواريخ باتريوت، وطائرات مقاتلة "إف-16"، "إف-17". وفي الكويت 4800 من القوات العسكرية والجوية، بالإضافة إلى جسر إمداد عسكري به مئات من الدبابات، وكتيبة مشاه، وأخرى للمدفعية. وفي البحرين 1000 جندي أغلبهم من البحرية، وهم مركز قيادة الأسطول الخامس، وفي تركيا 2000 أغلبهم من القوات الجوية، وتستخدم قواعدها للطيران، وضرب العراق بمقاتلات "إف-15"، "إف-16".

كما توجد قوات أمريكية في الإمارات، وعمان، وقطر، والمحيط الهندي، وتشكل القوات الأمريكية 30000 مع قدر هائل من الطائرات والصواريخ.

هذه القوات موجودة بالفعل، وهم يهدِّدون أي أحد يفكر في معاداة المصالح البترولية الإستراتيجية العسكرية الواسعة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تنامت سريعًا مؤخرًا.

سلة واحدة.. منطق واحد

إن ما ذكره "جولد ستين" وغيره مما يتضمنه من خطاب تطرحه حركات مناهضة العولمة.. مناهضة الحروب وحماية البيئة، يبدو كحبات يمكن أن تنتظم في عقد واحد.. فلا تدري ما السابق للآخر منها ، وتتبلور الأدلة على ذلك؛ فمصالح البترول - كما ذكرنا - في الفقرة السابقة استدعت قوات الجيش، ودفعت بالآلة العسكرية، ونلاحظ أن البترول ليس مجرد شريان الحياة للمجتمع الصناعي، إنه مصدر الأرباح الهائلة والقوة العسكرية، كما أن مديري شركات البترول قد فرضوا هذا الموقف على المجتمع بمصادرة فرص استثمار كل مصادر الطاقة البديلة، ومن هنا تبدأ حبة حماية البيئة، وخطاب أحزاب الخضر في الظهور "إنهم لا يستطيعون امتلاك الشمس والرياح، أو حتى هيدروجين الجو، كل التكنولوجيا الممكنة البديلة لوقود الحفريات، ولكن أيًّا من هذه البدائل لن يحقق لهم الملكية الفردية والأرباح الضخمة، إنهم لن يتركوا الشرق الأوسط طالما أن وجودهم يعني إحكام قبضتهم على البترول".

أما الآلة العسكرية والسياسات الاقتصادية من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيره من هيئات مالية، فتجربة ميشيل كولين الذي قدم استغاثته العاجلة في رسالة الحركات مناهضة العولمة؛ لتتحول إلى حركات مناهضة للحرب، وذلك في رسالة له - في مايو 2001م - لتكشف لنا من الارتباطات ما يكمل الصورة.

وميشيل كولين هو بلجيكي نشط ضد الحرب وضد انتشار اليورانيوم المنضب، وهو صحفي في جريدة سولدير الأسبوعية weekly solidaire، وأجريت له عملية جراحية؛ حيث أصيب بسرطان في كلية، وكشفت الأشعة والتحاليل عن وجود مواد مشعة وعناصر سيزيوم 134، 137 وعنصر ثالث، وكلها عبارة عن منتجات لتحلل يوارنيوم 235، والمعروف أنه يُستخرج مباشرة من النفايات النووية.

وقد قرَّر ميشيل أن يستخدم خبرته الشخصية لمقاضاة الحكومة البلجيكية؛ لتتحمل نفقات رعايته الصحية وآخرين، وليتقدم الكفاح ضد اليورانيوم المنضب والحروب، وهو - كما يقول - ازداد غضبه على الناتو (حلف شمال الأطلنطي) الذي حوَّل مناطق كاملة إلى مخازن للنفايات المشعة النووية، ويصف قادة الناتو بأنهم وحوش كذبوا بشأن حروبهم، وادعوا أنهم حروب نظيفة ذات هدف إنساني، وهي في حقيقتها حروب اقتصادية وإستراتيجية، ولم يكتفوا بذلك، بل عاملوا البشر جميعهم في المنطقة كنفايات بشرية أيضًا.

لقد قرَّر "ميشيل كولين" عقد مؤتمرات حول العالم لوقف الحرب لصالح النظام العالمي الجديد للاحتكارات متعددة الجنسيات (وهو ينادي في ذلك بضرورة تكوين حركة عالمية للسلام).

وقد سُئِل عن الوعي لدى الشعوب والأفراد بحقيقة النظام العالمي الجديد، فقال: "إن الناس ليسوا بهذا القدر من السذاجة"، وأضاف: لقد ذكرت لي ممرضة من الكونغو أن القوى الكبرى لم تكن إنسانية على الإطلاق؛ فحينما قامت الإبادة الجماعية في رواندا، وهي بلد فقيرة تركوها، ولكنهم تدخلوا في الكونغو الغنية للتحكم في ثرواتها، وأجاب بأن مثل هذه المرأة من أصحاب الرؤية الواضحة رغم التضليل هي من الأمثلة التي يجب أن تعمم.

هذا النظام يتبنى حروبًا تخدم غرضًا واحدًا، وهو السماح للشركات متعددة الجنسيات للسيطرة على الموارد والأسواق الإستراتيجية في مارس 1999م، وبعد عدة أيام معدودة من حرب يوغسلافيا كتب توماس فريدمان في نيويورك تايمز: "لا يجب أن يتخوف الأمريكيون من التصرف كقوى كبرى وذلك لنجاح العولمة، إن اليد الخفية للسوق لا تعمل دون قبضة حقيقية، كما أن ماكدونالدز لم يكن ليزدهر دون ماكدونالدز دوجلاس مصمم "إف-15".

إن الأمور تبدو شديدة الترابط؛ لذلك طالب كولين - ضمن ما طالب به - بضرورة توحُّد حركات مناهضة العولمة، والدفاع عن البيئة، والتضامن مع الدول تحت الاعتداء، واكتساب هذه الحركات لبُعْد هام وهو مناهضة الحروب واستخدام اليورانيوم.

المجتمع الأمريكي.. اللحظة الكاشفة

إن ما ساقه ميشيل كولين من رؤيته للنظام العالمي الجديد وتشابكات المصالح التي تقوم على الصراع واستغلال الأضعف هو ما تناهضه هذه الحركات داخل المجتمع الأمريكي نفسه، والتي وجدت في الأحداث الأخيرة لحظة كاشفة لتوجهات الإدارة الأمريكية؛ وهو ما دفع بعض النشطين للقول بأن العاملين لو تابعوا ما يجري في واشنطن لا ما يقال؛ فسيشاهدون صورة صادقة عن إدارة الرؤساء للاضطراب الاقتصادي، والتي تتطابق مع أزمة الحرب الرأسمالية.

فعلى سبيل المثال أعلنت أغلب شركات صناعة الطيران تسريحها لأكثر من 100000 من العاملين بها؛ فماذا فعل الكونجرس حيال ذلك؟

لقد عُقدت جلسة في 18 سبتمبر إذا طالبت الشركات بـ 24 مليون دولار كمساعدات مباشرة، إن الكونجرس ساعد رؤساء الشركات لا العاملين المُسرَّحين، ولم توجَّه كلمة حول تحديد مَن سيساعد العاملين على دفع أجور منازلهم، وفروض ائتمانهم، والبقاء على بعض من مظاهر حياتهم الاقتصادية.

كثير من هذه التسريحات تم التخطيط لها قبل 11 سبتمبر، ولكن الكارثة عمَّقت الأزمة، لم يدعُ أحد في المؤسسات الرأسمالية للمساعدات الطارئة لمئات من المجهولين الذين تم تسريحهم من جراء الكارثة.

إن عدَّة مليارات من الدولارات أصبحت متاحة للمصرفيين، ولكن أكثر من 7 مليون شخص عاطلين رسميًّا من جرَّاء الركود الاقتصادي المتواجد بالفعل، والذي تزايد عقب الهجوم الأخير لا يستحقون - من وجهة نظر البعض - المساعدات العاجلة.

الآلة العسكرية.. الانتعاش وسط الخراب

طبقًا لجريدة نيويورك تايمز 22 سبتمبر، فإن الهجمات قد تسببت في هبوط سوق المال عموديًّا، وتسببت في خراب شديد لأغلب المشروعات الأمريكية، إلا أن آفاق الصناعة العسكرية المعقدة تبدو أقوى بكثير من ذي قبل.

لقد اختفت المعارضة السياسية في الكونجرس للزيادات الهائلة في مصروفات البنتاجون، ومعها احتفت المعارضة بشأن انخفاض الضمانات الاجتماعية.

لقد أعطى البنتاجون 23 مليون دولار مع وعد بالمزيد، ومن الواضح استهداف نزع تلك الموارد من منح الشعب إلى جيوب مقاولي السلاح.

إن النواب والمسؤولين لا بد أنهم يودون إنفاق هذه المبالغ لصالح برامج الحرب، مثل: بوينج "إف-18"، ومقاتلات "إف" والنظام الدفاعي الصليبي الموحَّد، ولن يختلف الأمر إذا ما كانت هذه الأنظمة ستستخدم في الحرب ضد الإرهاب.

الطريقة الواحدة.. ادعاء

ويعلق فريد جولدستين - الناشط في IAC - على مضمون إعلان بوش للحرب مشيرًا إلى أن بوش يقول: "إنه يشنُّ حربًا للمحافظة على طريقتنا في الحياة"، ولكن هذا المجتمع منقسم على نفسه إلى ظلمة ومظلومين، لا توجد طريقة واحدة كما يدَّعي بوش؛ فلو كنت أسود أو لاتينيًّا أو آسيويًّا، أو من الأهليين، أو من الشرق الأوسط، خاصة الآن فستعاني من العنصرية وتحرشات الشرطة والحجز والتمييز بكل أنواعه، وإن كنت واحدًا من 50 مليون شخص ممن يعيشون في الفقر، أو بالقرب من مستوياته؛ فإن طريقتك في الحياة تعني فقط محاولتك للاستمرار، ولكن إذا كنت واحدًا من الأقلية الضئيلة من مضاربي "وول ستريت"، أو مصرفيًّا مالكًا لأسهم في شركات عملاقة؛ فإن معاناتك ستختلف؛ فربما تؤجل التفكير في شراء مرسيدس جديدة، وتخفض نفقات تجديدك لقصرك، أو تضطر لبيع بعض من أسهمك لتغطية خسارتك.

إن هذه الكارثة قد أظهرت حقيقة الطبيعة الرأسمالية لهذا المجتمع، إنها أوضحت طبيعته المولعة بالحرب في الخارج ووحشيته في الداخل.

ماذا نفعل؟

إن مطالبة الحركات المناهضة للعولمة والنظم الرأسمالية والاحتكارية بتكوين رؤى بديلة تتزايد مع تصاعد الأحداث ومع حيرة وتساؤلات الأفراد التي بدت غير نهائية في ظل التراكبات الأخيرة. لقد أجرت مؤسسة جالوب اقتراعًا في 21 سبتمبر، ووجد فيه أن 46% لم يعارضوا، ولم يقرروا تأييد حل عسكري.

إن الحرب بالمعنى الذي طرحه بوش يمكن أن تكون ضد أي شخص، وأي مكان، وكل مكان على الأرض، إن ذلك أمر مُرْبك، وهو يدعو حركة مناهضة الحرب لملاقاة التحدي المتنامي الذي يواجهها، وهو دعوة الحلفاء لتبني إستراتيجيات مؤثرة، إنها تطلب ألا يقول الناشطون ما يودونه، ولكن - كما قال جوي بارين في مقاله على موقع Alternet - ما يودُّ الـ 46% وآخرون سماعه، لا مجرد اللوم على السياسة الخارجية، ولكن يشرح كيفية تبني اختيار سوى الاختيار العسكري.

لقد أجاب براين بيكر (مدير مساعد مركز النشاط العالمي) عن سؤال: "ما هو الرد؟"

"إن الولايات المتحدة عليها أن تفعل شيئًا إذا أرادت أن تقضي على العنف؛ فلا بد أن تسحب عشرات الآلاف من قواتها وقواعدها العسكرية وأسلحتها من الخليج والشرق الأوسط، وأن تنتهي معاناة العراق من العقوبات الاقتصادية، والتي أدت وفقًا للإحصاءات الأمريكية نفسها إلى وفاة ما يزيد عن 1.2 مليون شهريًّا، كما على أمريكا أن توقف دعمها للاحتلال والقمع الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والأراضي المحتلة.

فهل يمكن أن تتعرف إدارة الولايات المتحدة - كما ذُكر على موقع ملتقى مناهضة الرأسمالية - على الترابط بين استكمال العنف من تفجيرات وغيره وسياساتها الخارجية؟

وهل تترجم هذه الحركات من جانبها مطالبها ورؤاها؛ لتتحول من احتجاجات وشعارات إلى مشاريع عمل وترابطات؟ لا ندري هل نكتفي من جانبنا بالمتابعة والرصد، أم أننا يمكننا فعل المزيد؟!!

استنطاق الأغلبية الصامتة

"لو أن الشعوب تدري بالفعل، فستقف الحرب غدًا" هذا ما قاله رئيس الوزراء البريطاني في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، إن محاولات عديدة يجب أن تُبذل حتى ترتفع الحجب المُسدلة على الحقائق، وكشف محاولات التضليل، وكانت المهمة الأولى التي ذكرها كولين لحركة السلام أن تعمل على نشر المعلومات الحقيقية المضادة كما لو كنا في حرب معلومات، وبرَّر ذلك قائلاً: بأن الحروب تبدو مستحيلة دون حملة إعلامية كاذبة ومنظمة ومهيكلة، والبلاد التي تقاوم تبدو المعلومات عنها مُضلِّلة توضع لتربك الرأي العام الدولي.

لقد ذكر بعض الناشطين من مناهضي الحرب أن بعض وسائل الإعلام لعبت دورًا سلبيًّا في نشر جرائم الكراهية والتعصب، وكأن حرب المعلومات المضادة - أو لنقُل الإعلام البديل - أصبحت ضرورة في ظلِّ إعلام يرتبط باقتصاديات الرأسمال واتجاهات نفوذ البعض.

لقد ذكر "جويف باريش" - في مقال له عن الإعلام البديل أيضًا - أن لحظة كاشفة من نوع آخر بدت؛ فمنذ أحداث 11 سبتمبر التقت أعداد غفيرة من الناس لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض في 10 سبتمبر، كثير منهم لم يكونوا نشطاء سياسيين من قبل، بدءوا في التلاقي، وأوجدوا أرضية مشتركة غير متوقعة، إنهم أكدوا لبعضهم البعض أنهم ليسوا الوحيدين في رفضهم ومخاوفهم من حرب عالمية ثالثة، ليسوا الوحيدين في القلق من حرب غير معروفة ضد عدو غير معروف؛ فلا تعرف كيف يكون النصر إذا كنت لا تعرف كيف يمكن أن تتعرف عليه إذا حدث؟!

إنها ليست أسئلة سلمية، بل أسئلة عقلانية أفرزتها الحالة، وجعلت البعض من هؤلاء يخرج لأول مرة في مظاهر الاحتجاج على الحرب ربما رغبة منه في الفهم.

إن الشعوب إذا أدركت فعلت، ولم تكن استجاباتنا في العالم العربي والإسلامي - في جانب منها على الأقل - تنمُّ عن موقف المتفهم أو الراغب في الفهم، لم تخرج عن إطار المتوجِّس المنتظر دون محاولات جادة لمعرفة كيفية إدارة هذا العالم.

ربما كانت ساحة الإنترنت مجالاً لاختبار قدرة الأفراد على التواصل، ونقل المعلومات، وتبادل الخبرات، وتحويل المشاعر إلى فعل، ومن بين الاستجابات القليلة في ذلك ما نُشر على الموقع في "إسلام أون لاين.نت" بعنوان "مهام عاجلة ضد الحرب".

إن ضمن ما أثبتته هذه التفجيرات هي قدرة الفرد على تحويل عاصمة العالم إلى جحيم؛ فهل يمكن أن نكتشف ما بداخل هذا الفرد من طاقات لتصحيح مسار هذا العالم؟ ولم لا؟ فلنجرب.


مديرة تحرير نطاق مسلمو أوروبا بالموقع الإنجليزي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم