English

 

الاثنين. أكتوبر. 15, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

:بعد 11 سبتمبر 2001

صورة جانبية للحياة الأمريكية

محسن الصياد

Image

في مجتمع مثل المجتمع الأمريكي تبدو المتعة فيه هي الإله المقدس - كما ذكر لنا أحد المواطنين الأمريكيين، وكما يؤكد نمط الحياة الأمريكية - فإن تغيرات كثيرة طرأت على نمط الحياة الأمريكية، خاصة نيويورك التي حاول سكانها التأقلم مع الإجراءات الأمنية التي تتسم بالكآبة، وغالبًا ما تكون غير مريحة والتي تم اتخاذها في عاصمة العالم المالية عقب أسوأ هجوم إرهابي في التاريخ.  

الجلوس في البيت أفضل

الكثير من شوارع مدينة نيويورك التي كانت تعج الحياة الليلية فيها بالنشاط أصبحت خالية ليلاً، حيث يفضل الناس البقاء في منازلهم لقراءة الصحف أو مشاهدة التليفزيون، والمدينة التي تحتوي على بعض روائع الفن المعماري في العالم أصبحت شوارعها مليئة بما لا يروق للعين مثل الكتل الخرسانية الضخمة والحواجز المعدنية الثقيلة التي تحيط بالمباني الحكومية والبعثات الأجنبية والأمم المتحدة وغيرها من الأهداف المحتملة لهجمات أخرى. وفي مطاعم وسط المدينة، التي أصبح الإقبال عليها نادرًا، يقف النادلون الذين ملوا من طول الانتظار على أبواب المطاعم يترقبون قدوم الرواد.

وفي حي مانهاتن -موقع حطام مركز التجارة العالمي- يراقب رجال الأمن بدقة حركة مرور المشاة والسيارات.

ويتحتم على سكان المنطقة المرور باستمرار عبر الحواجز الكاشفة عن القطع المعدنية كما يتم فحص متعلقاتهم وأمتعتهم بأجهزة الأشعة السينية، كما يطلب رجال الشرطة عند الحواجز المقاومة على الطرق بطاقات الهوية للاطلاع عليها.

وكان المرور عبر النفقين الرئيسيين تحت نهر هادسون أو عبور جسر جورج واشنطن من نيوجيرسي للدخول إلى مانهاتن لا يستغرق سوى دقائق معدودة، ولكن الانتظار الآن قد يصل إلى الساعة في بعض الأحيان حيث تقوم الشرطة بتفتيش عشوائي للسيارات التي تدخل حي سوق المال، حيث تخشى السلطات الأمريكية أن تكون الجسور والأنفاق أهدافًا منتقاة للإرهابيين.

إنهم يلاحقوننا!!

ولكن رغم هذه الإجراءات المقلقة للراحة، فإن المسئولين يعتقدون أن الأمن ضروري وسط تحذيرات جديدة أعلنت عنها الحكومة الأمريكية بأنه من المحتمل تنفيذ هجمات أخرى ضد الولايات المتحدة.

ويقول السناتور "روي إم. جودمان" عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك، الرئيس المشارك لفريق حكومي للاستعداد لمواجهة التهديدات الإرهابية، يقول: "ليس من منطلق الخوف على الإطلاق التفكير في الاستعداد للهجوم التالي على مدينة نيويورك أو على الولاية؛ لأننا نعرف أن الإرهابيين يلاحقوننا"!

وتقطع الكتل الخرسانية وغيرها من الحواجز الأمنية الطرق المؤدية إلى المطارات، بينما يجوب رجال الأمن وبرفقتهم الكلاب البوليسية الردهات المنعزلة داخل المطارات على مدار الساعة!

حتى الأمم المتحدة، لم تعد تستقبل الزوار، كما لا يستطيع المشاة السير أمام مقار الشرطة، وحتى في المدارس ينبغي على المدرسين والمديرين وضع بطاقات على صدورهم توضح هويتهم.

وليس هناك إطار زمني يحدد إلى متى ستستمر هذه الإجراءات الأمنية أو الفترة المطلوبة حتى تستطيع المدينة التغلب على الآثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية الناجمة عن الهجمات الأخيرة.

كما لا تزال الأحياء السفلى بوسط مانهاتن القريبة من موقع مركز التجارة العالمي والمعروفة باسم "جراوند زيرو" مغلقة وهو ما يجعل من الصعب على الناس الذهاب إلى أعمالهم.

البطالة وأقنعة الغاز.. حديث اليوم

وهناك من فقد وظيفته وأصبح عاطلاً عن العمل، حيث يقول أحد سكان نيويورك الذي كان يعمل في كشك لبيع الصحف تحطم عندما انهار مركز التجارة العالمي: "لقد تقدمت لطلب معونة البطالة لأول مرة في حياتي"!

وأضاف في يأس "أن شيكًا بمبلغ 240 دولارا أسبوعيًا من الحكومة ليس كافيًا لتسديد إيجار السكن وتغطية النفقات".

ويقول مراقب حسابات مدينة نيويورك "آلان هيفيسي": إن "ستة آلاف شخص تقدموا بطلبات الحصول على مساعدات البطالة خلال الأسبوع الماضي فقط، وهو ما رفع عدد العاطلين عن العمل في المدينة إلى 16,747 شخصًا، وأتوقع أن يرتفع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من 110 آلاف شخص خلال السنة المالية التي تنتهي في يونيو المقبل، ومعظمهم من صناعة الخدمات مثل شركات الطيران".

من ناحية أخرى يشكو جمهور النقل العام من تغيير خطوط سير الحافلات، وهو ما أربك حركة الناس على غير ما اعتادوه من تنوع وسائل المواصلات داخل المدينة المترامية الأطراف.

ويعلق على ذلك مسئول فيؤكد أنه سوف تمر ثلاث سنوات على الأقل قبل الانتهاء من إعادة بناء خطين للمترو بالقرب من حطام مركز التجارة العالمي.

في نفس الوقت، يتم يوميًا تشييع جنازات لرجال إطفاء وضباط شرطة حتى أصبح هذا شيئًا مألوفًا بالنسبة لسكان المدينة، ويشارك عمدة نيويورك "رودلف جيولياني" في الكثير من هذه الجنازات قدر الإمكان.

وانعكس واقع الشارع الأمريكي على الصحافة الأمريكية، فتقول كاتبة في مقالها المنشور في صحيفة نيويورك تايمز: "أعرف سيدات في نيويورك وواشنطن يتناقشن الآن حول ما إذا كان عليهن اختيار أقنعة غاز البحرية الإسرائيلية أم الأمريكية، وإذا ما كانت أقنعة الغاز خفيفة الوزن التي تستخدم لنصف ساعة أوفر من أقنعة الغاز التي تستخدم لثمان ساعات وسعرها 400 دولار، وأقنعة الغاز للأطفال وأقنعة الغاز للحيوانات الأليفة، وذلك بنفس الاهتمام الذي اعتادوا أن يطلبوا به قهوة الحليب بدون رسم ولا رغوة ولا خفق في الأيام الأكثر براءة"!

ما بعد فقاعة الأمن

ورغم التأكيد الحكومي الأمريكي على الاستعداد التام للتعامل مع أي طارئ وأي مضاعفات، فإنه وطبقًا لاستبيان أجرته مجلة نيويزويك مؤخرًا فإن 46% من الأمريكيين لا يعتقدون أن حكومتهم قادرة على التعامل مع كارثة!

وتسيطر أفكار جديدة على أحاديث العشاء ونكات الإنترنت وأغلفة مجلات الأخبار تتحدث كلها عن "الخوف على الطريقة الأمريكية"! و"كيف تحمى أسرتك من الإرهاب البيولوجي"!

ولا ترن كلمتا "أمن الوطن" في الآذان باعتبارهما من التعبيرات الباليه التي عفا عليها الزمن من حقبة الحرب العالمية الثانية، بعد أن أعادهما للأذهان يوم الحادي من سبتمبر الماضي!

كما أن أحدًا لا يستهزأ بتحذيرات النائب العام "جون أشكروفت" من أن هناك "خطرًا واضحًا وقائما"، رغم أن تلك الكلمات كانت منذ أسابيع تثير الاستهزاء باعتبارهما مبالغات لفظية.!

هكذا وفجأة أصبح نفس المجتمع - الذي كان جُلُّ همِّه في وقت ما تناول مياه العيون المكررة واستخدام الصابون المضاد للبكتريا والتطلع إلى الآفاق اللامحدودة للتكنولوجيا في توفير حياة طويلة وسعيدة - هذا المجتمع أصبح يتنفس أتربة الحطام، ويتعثر في الحجارة - ليست فلسطينية -، بل ويخشى الغد، مثله في ذلك مثل الشعوب التي عانت أيضًا من إرهاب الدولة الصهيونية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم