|
مع تصاعد الأحداث الأخيرة في أعقاب الاعتداءات الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، أصبحت مناقشة أوضاع المسلمين في أنحاء العالم وفي أمريكا على وجه التحديد والمشكلات النفسية والاجتماعية التي تعترض طريقهم في الحصول على حياة سوية هناك مسألة ملحة. وقد باتت - منذ فترة - تؤرق الكثيرين وتحيرهم.
وتظهر هنا أهمية استدعاء تجارب المعايشة ومحاولات الفهم للمجتمع الأمريكي ووضعية المسلمين والعرب فيه. وفي محاولتنا لتحقيق ذلك جاء حوارنا مع الأستاذة "ناهد عبد الوهاب" خبيرة بمجال علم النفس والتربية، وقد ألقت محاضرات تربوية مكثفة بالمركز الإسلامي ببوسطن بأمريكا، لمدة شهرين العام الماضي، وهو ما كوّن لديها رؤية صادقة تنقلها إلينا.
حيرة اللغة الأم
"اللغة المشكلة الأساسية خاصة بالنسبة للأبناء".. هذا ما بدأتنا به أ. ناهد، وأضافت: يجب أن تتكون لدى الأبناء لغة أم يفكرون بها، ويحلمون ويتحدثون بها، وعندما تتلاشى هذه اللغة الأم يجد الفرد صعوبة في التعبير عن خياله ومشاعره.
أصبحت هنا اللغة الإنجليزية هي تلك اللغة الأم والتي حلت محل اللغة العربية؛ لأنهم يتعاملون بها في أمورهم الحياتية المختلفة بصورة يومية: في السوبر ماركت، في الشارع في المدرسة ومع الجيران... ويبدأ بالتالي التفكير في كيفية القضاء على هذه المشكلة ـ فيجد الأب والأم نفسيهما أمام محنة أخرى: المدارس.
وهناك نوعان من المدارس:
مدارس إسلامية خاصة بأبناء الجاليات هناك حيث يتبرع هؤلاء لإنشائها بموافقة الحكومة الأمريكية، وهي مدارس تدرس المناهج بالإنجليزية بالإضافة إلى اللغة العربية والدين، وقد يكون هذا المنهج الأخير غير كاف. وهي مدارس ذات تكاليف باهظة.
أما النوع الثاني من المدارس فهو المدارس الأمريكية المدعمة من الحكومة والتي لا تتضمن منهجًا للغة العربية ولكن ميزتها أنها تكاد تكون بدون مصاريف.
يجد الأب العربي أو المسلم بصفة عامة نفسه في مواجهة مشكلة هامة حيال أبنائه: أين يتشربون أصول الدين وأصول اللغة العربية التي يجب أن يجيدوها في وسط هذا المجتمع الغربي؛ فإما أن يضحي باللغة العربية أو أن يتحمل (في سبيلها) تكاليف التعليم الباهظة.
مشكلة ثانية تواجه المسلمين هناك ألا وهي الشعور بأنهم الأقلية، وينتج عنها إحساس بالنقص والضعف.
وتتضح مظاهرها كما يرويها أحد أبناء الجالية المصرية هناك على لسان السيدة "ناهد عبد الوهاب":
"إننا لا نستطيع مثلا الاحتفال بأعيادنا مثلما نفعل في بلادنا؛ لأن الجو العام مجتمع غربي تسوده تقاليده وثقافته الخاصة".
وفي ظل هذا المجتمع الغريب عنا تختفي معاني الأسرة والأدوار المختلفة فيها، حيث لا يوجد "جد أو خال أو عم" لأن هؤلاء جميعًا تُركوا في الموطن الأصلي، وهو ما زاد من الشعور بالانكماش والغربة.
وتضيف الأستاذة "ناهد عبد الوهاب" أن اختلاف الثقافات والعادات يجعل كذلك نوعية البرامج الإعلامية المقدمة مختلفة تمام الاختلاف عما هو سائد لدينا، فإن لم يكن الآباء على وعي شديد بذلك يضيع الأبناء في هذه البلاد؛ لذلك يفضل الكثيرون بعد أن يتموا الرسالة التي سافروا من أجلها، الرجوع للوطن للتخلص من خطورة التربية في مثل هذه المجتمعات المنفتحة.
غربة نفسية هنا وهناك
وعند العودة للوطن تظهر مشكلة جديدة تتركز في الغربة النفسية المستمرة، فهناك كان الفرد يشعر باغتراب وهنا أيضًا الشعور لم يزل لأنه فقد القدرة على التعبير عن نفسه بلغة أهل بلده؛ وبالتالي فقد القدرة على تكوين علاقات جديدة معهم، فهناك اضطراب نفسي دائم يلاحقه أينما كان، في الخارج كافح لتعلم لغة غربية عليه التعامل بها بصفة مستمرة وبعد أن أجادها وجد زملاءه يبتعدون عنه ويتهمونه بأنه "خواجة" فلا هو استطاع التأقلم هناك ولا هو نعم به هنا!!
كيف تسمح لوالدتك؟!
وتروي لنا أ. ناهد بعضا من المشاكل التي واجهها بها الآباء هناك فتقول: جاءتني أم يشتكي لسان حالها من ابن لها في سن المراهقة، يأتي دائمًا بصديق أمريكي إلى البيت ويغلقان على نفسيهما باب الحجرة ويبدأان في التدخين.
وعندما لفتت نظره وجدت أن تأثير الصديق الأجنبي قد تسرب بوضوح إلى معتقداته، حيث وجدته يقول له: "كيف تسمح لوالدتك بأن تحدثك بهذا الشكل؟!، من البدهيات في حقوقنا الحرية الشخصية والتدخين حرية شخصية بحتة"، فاختلط على الابن معنى الحرية، الأم تريد إعطاءه حرية مسئولة وهو يريد الحصول -بفضل هذا الصديق- على حرية غير مسئولة تصل لحد الفوضى.
وتستمر الأم في شكواها وتقول: إن الأمور قد تطورت بينها وبين ابنها لحد التطاول بالأيدي بينهما. ووصلت الأمور بين المراهق وصديقه لما هو أبعد من التدخين بسبب ما يجري وراء الباب المغلق.
ومشكلة أخرى تتعلق هذه المرة بالفتيات في سن المراهقة، حيث تروي لها أمّ ثانية عن ابنتها التي تخرج مع أصدقائها من الجنسين بعد المدرسة دون استئذان، ولا تأتي للبيت إلا حينما تشاء بحجة أن من حولها يفعلون الأمر نفسه، ولا تستأذنهم في الخروج أو تعلمهم بميعاد رجوعها أو حتى بأسماء أصدقائها، فهذا ليس من شأنهم!!
وتضيف أ." ناهد عبد الوهاب" أن الحدود ارتفعت بصورة سافرة ليس فقط بين الآباء والأبناء، ولكن أيضًا بين الطلبة والمدرسين؛ ففي زيارة لها لإحدى المدارس وجدت الطالب يتحدث لمدرسه وهو جالس وواضعًا حذاءه في وجه محدثه ويستخدم إشارات غير لائقة بيديه وبصورة مستمرة، في حين أن المدرس لا يعبأ بذلك على الإطلاق ولا يراه غير مقبول.
أما عن الأبناء أنفسهم فهم دائمو الشكوى من أن الأهل يقتحمون حريتهم الشخصية، فهم الذين أتوا بهم إلى هذا المجتمع حيث هذه الحياة التي يرفضون دمجهم فيها.
وترى السيدة "ناهد" أن الأم والأب هنا عليهما القيام بمجهود مكثف، فالتربية صعبة في مجتمعاتنا، فما بالنا لو انتقلنا بأبنائنا لمجتمع مخالف ومغاير لتعاليمنا فالتربية مسئولية وأمانة.
أيضيع الدين؟
*ماذا يفعل المقيمون في أمريكا أو حتى في الغرب إذن حتى يتكيفوا مع هذا المجتمع مع مراعاة المبادئ الإسلامية؟!
تجيب السيدة "ناهد" بأن الحل هو أن يلحق الآباء هناك أبناءهم بالمساجد لتكوين صحبة جيدة، بعيدًا عن أصدقاء السوء، فنحن أمام مرض هل نتركه يترعرع أم نعالجه ونقضي عليه؟!
هناك نموذج من الأسر تستسلم وأخرى تبحث وتنقب عن العلاج، فلماذا لا نحقق مبدأ "إنما المؤمنون أخوة" فيتحقق لهم النمو الاجتماعي من خلال الترابط داخل المسجد مع مجتمع قريب منهم دينيا ونفسيًا واجتماعيًا؟!
فالدين، كما تقول أ. ناهد محله القلب وليس الوطن، فماذا لو هاجرت من وطني أيضيع الدين؟
ومع كل هذه الصور السلبية، هناك أيضًا صورة معاكسة ومبشّرة ـ فهناك أناس نجحوا في هذه التجربة والتجئوا للمساجد ويقومون بإحياء ليالي رمضان، بأداء صلاة القيام والتجمع قدر الإمكان في صلوات الجماعة وعلى موائد الإفطار. ومن يرزق بطفل يحتفل بالعقيقة في المسجد بحضور الآخرين.
فنجد -سبحان الله- أن المسجد قد عاد لأداء رسالته من ناحية التآخي والتشاور في أمور المسلمين.
فإحساسهم بالأقلية نتج عنه -مع هذه الفئة- الإيجابية، التضامن، فنجدهم حين يقع أحدهم في ضائقة يتكاتف الجميع من أجله.
وتؤكد السيدة أ. ناهد عبد الوهاب على أنها شهدت بنفسها أسواقًا خيرية للجالية المصرية يبيعون بها الملابس وغيرها من المستلزمات الحيوية، ويتبرعون بحقها للمسلمين الذين يتعرضون للقهر في الخارج.
أشهر إسلامه بعد الاقتراب
المركز الإسلامي بأمريكا، كما عاصرت أعماله الأستاذة ناهد، يتركز دوره في الدعوة المستمرة ويضم أشخاصا على أعلى مستوى من الثقافة والإلمام باللغة الإنجليزية لترجمة الفكر الإسلامي الصحيح، وكذلك بالأمور الدينية المختلفة وبالقضايا والمستجدات على الساحة الدولية، ودائمًا ما يستضيف كبار علماء الدين لإلقاء الندوات هناك.
تكمل لنا السيدة "ناهد" تجربتها فتحدثنا عن المسلمين من أصل أمريكي فتقول: إن سكرتيرة سابقة للمركز الإسلامي بأمريكا كانت أمريكية وترتدي النقاب، نبذها جيرانها، وذات مرة تعرضت شقتها لحريق فتردد رجل الإطفاء في مساعدتها عندما رآها بالنقاب.
والكثيرات يخفين إيمانهن وإسلامهن، ولقد أخذن فتوى من رجال العلم بأن يطبقن أقل الضررين، فلا ضرر ولا ضرار في الدين الإسلامي السمح فإن أعلنّ إيمانهن فسيحرمن من العمل وإيجاد القوت، وإذا لم يجد المركز الإسلامي لهن عملا مناسبا فسيضعن في المجتمع.
وهي مشكلة تواجه السيدات المسلمات أكثر من الرجال؛ لأن السيدة تحتاج للحماية بصورة أكبر.
وتشهد ناهد الوهاب بأن هناك إقبالا للأمريكيين على اعتناق الإسلام عند معرفتهم للصورة الحقيقية لسماحة هذا الدين، ومن أجمل اللحظات التي شهدتها هي لحظة التلقين بالشهادة وإعلان أحدهم الإسلام. وقد شاهدت أحد الأمريكيين الذي ظل يأتي للمسجد مدة عشرين يومًا يرى كيف يصلي المسلمون وهو صامت لا يتحدث إلى أحد، فقط يستمع لما يدور من خطب ومن قراءة للقرآن ثم جاء لإشهار إسلامه بعد هذه الفترة من المتابعة عن قرب.
وعن الأحداث
وعن الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا وبالتالي الاعتداءات التي تعرض لها المسلمون في أعقابها، تقول السيدة "ناهد عبد الوهاب": إنه في بداية هذه الأزمة أخبرها أحد من حاضرتهم العام الماضي هناك أنهم قالوا له في الجامعة: "أنت جئت لتأخذ علمنا وأحسن ما عندنا واليد التي علمتك تضربها؟!!" وكأنه المسئول عما حدث.
حتى في محطات البنزين والمحلات العامة كانوا يشعرون بنظرات الازدراء من الجميع، ثم بدأ مجموعة من الدعاة يتوجهون من خلال المركز الإسلامي إلى الشعب الأمريكي ليوضحوا له الصورة السليمة لديننا، ومنهم من طلب مقابلة المحافظ في إحدى الولايات ليجتمع مع الأفراد في هذه الولاية، وحدثهم عن سماحة الإسلام وما إن حدث ذلك إلا وبكى الكثير من الحاضرين، وقام أحدهم وقبّل يد الداعي وقال له: " نحن من يجب أن يعتذر لكم، فقد أخطأنا في حقكم وفي حق أنفسنا"!
لكنه لا يعرف
فهناك أمور بدأت تتضح وتصحح، فالشعب الأمريكي، كما تصفه الأستاذة ناهد عبد الوهاب، شعب يحترم حرية الآخرين، ويؤمن بحقوق الإنسان ويجيد الاعتذار واحترام الرأي الآخر، ولكنه لا يعرف حقيقة الدين الإسلامي، فهو يستقي معلوماته من خلال وسائل إعلام هدفها تشويه صورتنا ولم يكن يجد من يصحح له هذه الصورة من الناحية المضادة.
وأخيرًا تختتم الأستاذة "ناهد عبد الوهاب" خبيرة علم النفس والتربية، حديثها بالإشارة إلى أن علينا كمسلمين دورًا هامًا لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن ديننا الحنيف، فلا يجب أن نجلس "كخشب مسندة" تاركين الساحة للصهاينة ليدمرونا، بل يجب أن نواجههم بدعاية مضادة.. يجب أن نتحرك!!
|