|
| الطالب الغرة حرم من العودة لمدرسته |
سجين كرسيه المتحرك، يتجول عليه في أركان المنزل لعلَّه ينسى أنه بدأ العام الدراسي، وأن أصدقاءه ذهبوا إلى المدرسة، بينما بقي هو قعيد هذا الكرسي، يدفع ثمن رصاصة الغدر الصهيوني التي حرمته الالتحاق بمدرسته".
هكذا هو حال الطالب ظريف عبد الفتاح الغرة (16 عامًا) مع بداية العام الدراسي الجديد كحال عشرات الطلبة الفلسطينيين الذين زُجّوا في قائمة المعوقين، من جرَّاء رصاص جيش الاحتلال الصهيوني، الذي حُرِموا على أثره من العودة إلى مدارسهم.
ولفتح ملف أبطال الانتفاضة الصغار الذين أصبحوا معوقين التقينا بالعديد منهم، وبالقائمين على المسيرة التعليمية.
ممرض.. ولكن
بين أركان منزل أسرته الصغير المتواضع كان الطالب الغرة يتجول، وهو يحاول أن يبدو قويًّا رغم إعاقته، ويؤدي معظم نشاطاته اليومية بمفرده، وبدون مساعدة ذويه، سعيد أنه حطَّم إعاقته داخل المنزل، ولكن سعادته سرعان ما انقلبت إلى حزن شديد مع بداية العام الدراسي؛ لأنه لم يلتحق بالمدرسة، التقينا به في منزله ليجسد لنا حزنه بقوله: "لم أكد أنسى حزني وأتجاوز إعاقتي داخل المنزل، أمارس معظم نشاطاتي اليومية بدون مساعدة أحد، حتى تجدَّد حزني من جديد مع بدء العام الدراسي؛ لأني لم أستطع أن أذهب إلى المدرسة، بل سأبقى قعيد هذا الكرسي الذي أودُّ أن أحطمه، وأذهب إلى مدرستي، فهي مستقبلي وأملى في هذه الحياة بعدما أصبحت معوقًا، ففي السابق كنت أتمنى أن أصبح ممرضًا (ملاك الرحمة)، أخفِّف الآلام عن المرضى والمصابين، وخاصة الذين لم يستطيعوا المكوث في المستشفى".
وأكمل الغرة: "لكن هذا الكرسي سيمنعني من الانتساب لكلية التمريض، كما حرمني من العودة إلى المدرسة، والمشاركة في إذاعة المدرسة الصباحية".
يذكر أن الغرة أصيب بعيار ناري بتاريخ 19-11-2000م في الجهة اليمنى من الصدر أسفل عظمة الترقوة بدون مخرج، حيث استقر بمستوى الفقرة الصدرية السابعة، وهو ما أدى إلى كسر الفقرة، واستئصال الصفائح الفقرية الصدرية من الفقرة الخامسة وحتى السابعة، ويعاني الآن من شلل في الطرفين السفليين، مع وجود شدٍّ وحركات لاإرادية أحيانًا على شكل ارتجاج.
المدارس غير مهيأة
العديد من المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم أو وكالة الغوث قديمة البناء، وتتكون في الغالب من طابقين أو ثلاثة، وتفتقد إلى المصاعد الكهربائية، وهو ما جعلها غير مهيأة لاستقبال الطلبة المعوقين حركيًّا، وحول ذلك يقول والد ظريف الغرة: "المدرسة هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن نخرج ظريف من حالة الوحدة والحزن، ونعيد دمجه في الحياة مرة أخرى؛ لينسى جراحه، ويصنع مستقبله من خلال التعليم الذي يعتبر السبيل الوحيد أمامه؛ لتحقيق ذاته بعد أن أصبح معوقًا، وخاصة أنه متفوق في المدرسة، ويشارك في معظم أنشطتها".
ويُشار إلى أن والد الغرة توجه إلى مدرسة النيل الثانوية للبنين القريبة من منزلهم قبل بدء العام الدراسي؛ ليتفق مع هيئتها التدريسية على كيفية إعادة التحاق ولده بها، لكنه فوجئ بأن فصل الصف الحادي عشر الذي سيلتحق به ظريف في الطابق الثاني، وأن جميع غرف الطابق الأرضي خصصت للإدارة المدرسية والأنشطة.
|
|
|
أسرة الغرة تتمنى أن يندمج مع زملائه
|
ويضيف والده: "حاولت بكل الطرق أن أقنع مدير المدرسة بضرورة إلحاق ولدي بالمدرسة، وأن يؤدي جميع نشاطاته بشكل طبيعي كسابق عهده بأن يغيِّر قليلاً في توزيع الغرف المدرسية، ولكني فوجئت بقوله لي: سأكلف ثلاثة طلاب لنقله يوميًّا إلى فصله، أو تنقله إلى مدرسة أخرى.
ثم تساءل بلهجة غاضبة: "لماذا يرهق زملاءه بنقله إذا كان باستطاعته أن يذهب إلى فصله بمفرده؟ ولماذا يحرمه من أداء النشاطات التي كان يحبها، ونجعل من المدرسة معول هدم لطموحاته وآماله، بدل دمجه في مجتمعه بصورة صحيحة، ودفعه ليتجاوز عقدة الإعاقة".
الشوارع ترابية!!
أما الطالب ياسر نصر صيام (16 عامًا) فليس بأحسن حالاً من الغرة، فهو ما زال طريح الفراش يعاني من شلل رخوي في الطرفين السفليين، وذلك بعد إصابته بعيار ناري من جيش الاحتلال بتاريخ 14-2-2001م، أدَّى إلى إصابة مباشرة في النخاع الشوكي، وعلى إثرها لم يستطع التقدم للامتحانات النهائية للعام الماضي، وبالتالي رسب في الصف الحادي عشر، وكان يأمل أن يلتحق بالمدرسة هذا العام، وحول ذلك تقول والدته: "قضى ياسر العام الدراسي الماضي في المستشفى، ومن ثَم سافر إلى مصر ليتلقى العلاج؛ لذلك لم يستطع أن يتقدم للامتحانات النهائية، وانقضى وقت إعادتها قبل أن يعود من رحلة العلاج، وبالتالي خسر العام الماضي"، وبيَّنت أنها مع بداية العام الجديد ذهبت إلى المدرسة لإكمال إجراءات إعادة تسجيله في مدرسه "تونس"، ولكنها فوجئت بأن المدرسة لا تستطيع استقبال أي طالب معوَّق، وأخذ أعضاء الهيئة التدريسية يضعون العراقيل أمامي، فأحدهم يقول لي: سجِّليه في مدرسة أخرى، وآخر يقول: الشوارع ترابية فكيف سيتنقل على الكرسي فيها؟ وهكذا…
فلم أجد وسيلة أمامي سوى أن أذرف الدموع على ولدي، ألا يكفي ما به من إعاقة، حتى يضعوا مزيدًا من العراقيل أمامي، لقد فقد أباه وهو صغير، وتجرَّع وإخوانه الفقر في سبيل أن يكمل دراسته؟!!
كومة لحم في الفصل
ولا يختلف الأمر كثيرًا لدى الطفل عمار سعيد أبو رياش من معسكر الشابورة في مدينة رفح، طالب الصف السابع الذي يعاني من شلل رباعي إثر إصابته برصاص جيش الاحتلال بتاريخ 24-11-2000م والذي حُرِم من إكمال مشواره التعليمي، وانعكس الأمر على سلوكه وتصرفاته، وترك آثارًا سيئة على نفسيته، وأصبح متقلب المزاج، شديد العصبية، سريع الغضب، وخاصة عندما يرى إخوانه الصغار يلعبون بالكرة ويصرخون، ويضيف والده: "عمَّار كثير الحركة واللعب، قوي الشخصية، يقود زملاءه وأقرانه في اللعب، ويسمُّونه قائد الفريق، أما الآن فهو متقلب المزاج، نادرًا ما تجد ابتسامته على شفتيه بعدما كانت لا تغيب، كنت أود أن يعود إلى مدرسته، ويكفي أنه خسر العام الماضي، ولكن للأسف إدارة المدرسة رفضت بذريعة أن حالته سيئة، ولن يستطيع أن يكون فاعلاً في الفصل، وسيبقى ككومة لحم بدون فائدة".
وأكمل وقد اختنقت عبراته: "لن يحتاج عمَّار أي مساعدة من مدرِّسيه سوى أن يتفهموا حالته ويقدروا مصابه؛ لأن أخاه سيرافقه في المدرسة".
المدارس مهيأة.. ولكن
دمج الطالب المعوَّق في الحياة المدرسية هو أسهل الطرق لكي يجتاز الطفل إعاقته، لقد سعت وزارة التربية والتعليم في العام الدراسي المنصرم إلى تشكيل لجان طوارئ بالتعاون مع "اليونسيف"؛ لمساعدة هؤلاء الطلبة المصابين عبر الدروس المنزلية؛ لتعويضهم ما فاتهم، ومن ثَم تم عقد امتحانات لهم في أماكن تواجدهم على سرير العلاج.
أكَّدت زينت الوزير مديرة الأنشطة التربوية بوزارة التربية والتعليم أن الوزارة منذ نشأتها اتبعت سياسة دمج الطلبة المعوقين، حيث تم بناء جميع المدارس الجديدة بصورة مهيأة لاستقبالهم، كما تم تهيئة عدد آخر من المدارس القديمة البناء.
وقالت الوزير: "لا يوجد أدنى مبرر أمام الهيئة التدريسية لتمنع أطفالنا أبطال الانتفاضة الذين دفعوا ضريبة التحرر من أجسادهم الصغيرة من الالتحاق بمدارسهم، بل على الجميع أن يشجعهم ويأخذ بأيديهم، ما دامت عقولهم سليمة وناضجة، وقد وزّعت تعليمات مع المدارس لاستيعابهم من جديد".
وأشارت الوزير إلى أن بعض المؤسسات الأهلية قدَّمت مشاريع جديدة للوزارة؛ لإعادة تأهيل بعض المدارس الحكومية لاستيعاب معاقي الانتفاضة وغيرهم، أما البيئة الخارجية، فالوزارة غير مسؤولة عنها، وإن كانت تسعى مع البلديات لتعبيد الطرق المؤدية إلى المدارس.
ولكن عيون الطلبة المعوقين ما زالت تتوسل.. ألا يكفي الطفل المعوق أنه دفع ثمن الغدر الصهيوني من جسده، ليدفع به المجتمع إلى الجهل والحرمان من الالتحاق بقافلة العلم التي أصبحت السبيل الوحيد أمامه ليرسم مستقبله، خاصة أنه في حاجة مُلِحَّة إلى من يأخذ بيده ليجتاز إعاقته، بعد أن حُوِّل من "بطل الحجر والمقلاع" إلى "قعيد كرسي متحرك".
|