English

 

الاثنين. يونيو. 4, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

حماية أطفال إفريقيا وما وراءها

منى درويش

حماية أطفال أفريقيا.. مسئولية المجتمع الدولي
حماية أطفال أفريقيا.. مسئولية المجتمع الدولي

لم تكن مشاركة الأطفال في المؤتمر الإفريقي "مستقبل الطفولة" الذي عُقد بالقاهرة مجرد مشاركة بالحضور أو التصفيق، بل شارك الأطفال كمتحدثين رئيسيين في كل جلسة من جلسات المؤتمر منذ كلمات الافتتاح وحتى كلمات الختام، ولم تخل أية منصة من طفل أو طفلة يمثل الأطفال في كل مرة، وكذلك لم تخل التعقيبات التي تمت خلال الجلسات من كلمات للأطفال.

ولم يكن الطفل يتحدث عن تجربة شخصية فقط بقدر ما تكون هذه التجربة هي مشكلة عدد كبير من أطفال القارة، كمشكلات الإيدز، والاتجار بالأطفال، والحق في التعليم المجاني وتكنولوجيا المعلومات، والغذاء والصحة، وأوضاع الأطفال في معسكرات اللاجئين، وحق الأطفال في المشاركة في السياسات العامة للحكومات والمشاركة في أخذ القرار، وإنشاء برلمانات خاصة بالأطفال والشباب لا يتحكم الكبار في قراراتها.

وقد وجدت هذه المشاركة أيضا طريقها في الوثيقة النهائية للمؤتمر في الفقرة(30) وما بعدها، والتي نصت على أن حق الشباب والأطفال في المشاركة وكفالة احترام حقوقهم المدنية منصوص عليه في الميثاق الإفريقي واتفاقية حقوق الطفل ويجب تنفيذه دون تأخير، وأن هذا يتطلب أن تتخذ الحكومات بوصفها المتحملة لهذه الواجبات عددا من الإجراءات، منها سن التدابير القانونية اللازمة لضمان أن تؤخذ وجهات نظر الأطفال في الحسبان في الحالات التي تخصهم، ودعم المجموعات التي تمثل الشباب والأطفال، وتسهيل حرية الانضمام والتعبير للشباب والأطفال، بما في ذلك توسيع وتعزيز برلمانات الأطفال، وغير ذلك (راجع الفقرات: 30-33) وكذلك حق الأطفال في معرفة هذه الوثيقة ومتابعة تنفيذها ومراقبة ذلك (الفقرة 56) من الوثيقة.

وقد شارك في أعمال المؤتمر أكثر من 60 طفلا من 22 دولة إفريقية بمشاركة وفود 53 دولة إفريقية، منهم 17 سيدة أولى وثلاثة رؤساء سابقين لكل من غانا ومالي ونيجيريا.

وقد التقت مطالب الأطفال والشباب في كثير من النقاط مع مطالب الكبار، والتي أخذت طريقها أيضا في الوثيقة النهائية للمؤتمر الذي سيعبر عن الموقف الإفريقي الموحد لمستقبل الطفولة، والذي سيعرض أمام المؤتمر الدولي الذي نظمته الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر القادم لبحث مستقبل الطفولة في العالم خلال القرن الحالي.

الأسر ومسئوليتها

ومن أهم هذه النقاط الجديرة بالملاحظة والاهتمام القضية الخاصة بالأسرة ومسئوليتها ودورها الذي فقدته بسبب أشياء كثيرة في رعاية أطفالها، وأفقد هؤلاء الأطفال الدفء الأسري والأخلاق، وأوقعهم في فخ الإيدز والعمل في سن صغيرة والاتجار بهم واختطافهم، وتعرضهم للإيذاء الجسدي والجنسي، وتعرضهم أيضا للأمراض بشتى أنواعها وللتجنيد في الحروب وللتهميش في معسكرات اللاجئين وغير ذلك.

وقد أكد الأطفال الذين شاركوا كمتحدثين رسميين ضمن جلسات المؤتمر على معاناة الأطفال الذين يتعرضون لمشكلات الإصابة بالإيدز وافتقادهم للرعاية الأسرية، وتأثير برامج الإعلام الداعية للممارسة الجنس وشرب الخمر عليهم، وأشاروا إلى المعاناة التي يعانيها الأطفال الذين يعانون الفقر ويضطرون للعمل في سن صغيرة أو البقاء في الشوارع بعد أن تطردهم الأسر لعدم استطاعتها إعالتهم، وافتقادهم للحنان ولدفء الأسرة.

وكذلك الأطفال في معسكرات اللاجئين الذين تتركهم عائلاتهم ولا تهتم بهم ويتعرضون للاغتصاب، هذا غير اضطرار الفتيات للعمل بالدعارة تحت ضغط طلب أهلهم لهن بذلك بسبب الفقر.

فهذه المعاناة هي في الأساس معاناة لعدم الرعاية الأسرية، وافتقاد الدفء الأسري وهو ما عبّر عنه رئيس غانا السابق في كلمته حين اعترف أنه كان مخطئا عندما كان لا يقول لكل من يقدم له شيئا أو يفعل له أي شيء كلمة شكرا.

واعترف بأنه وأغلب الآباء لا يعاملون أطفالهم بالحنان والرعاية المطلوبة، ودعا إلى العودة لنظام الأسرة الممتدة التي يمكن أن يحمي أفرادها كالجد أو الجدة أو بقية الأقارب أبناءها إذا غاب أحد الوالدين أو تُوفي أو عجز عن رعاية أبنائه، وهو ما عبّرت عنه كلمة السيدة "سوزان مبارك" في كلمتها الختامة حين عبّرت عن أهمية دور الأسرة وأهمية العمل على تدعيم النسيج الاجتماعي الذي أصابه الكثير من التفسخ، وأن للعائلات دورا كبيرا في ذلك، وحذرت كلمات الأديب العالمي "نجيب محفوظ" أمام المؤتمر أيضا من افتقاد أطفال إفريقيا لمشاعر الطفولة، وما يمكن أن يكون عليه عالم يحكمه من سرقت منهم طفولتهم.

وتحدث أيضًا ممثل "اليونيسيف" في الجلسة الخاصة بالإيدز عن أنه إذا لم يمكننا أن نطلب من الآباء عدم ممارسة الجنس، فلنطلب منهم ألا ينجبوا المزيد من الأطفال طالما أنهم مصابون بالإيدز، ويعرفون أن الإيدز سينتقل إلى هؤلاء الأطفال الذين سيتركونهم أيتامًا بعد سنوات ويتركونهم وهم أيضاً يعانون الإيدز.

ودعا الدكتور "دوكي أمبوبو" من منظمة الوحدة الإفريقية إلى العودة لنظام الأسرة الممتدة في إفريقيا، الذي يمكن أن يكون بديلا للرعاية والتوعية المفتقدة في التعليم غير المتوافر للجميع، وداخل الأسرة أيضا التي يتغيب الآباء والأمهات فيها، ولا يقومون بالاهتمام بأطفالهم.

وأوضحت السيدة "آدامي باكوناري" السيدة الأولى لمالي أن دور الأسرة في إفريقيا قد تأثر بالاستعمار وهجرة العمالة والنزاع والتشرد والتمدن، وعوامل أخرى مثل دخول الإسلام والمسيحية واللاجئين؛ مما أثّر في أنظمة الزواج ودور الأسرة؛ فأصبح الطفل الذي يفقد والديه الآن أو أحدهما بسبب الفقر أو الإيدز لا يجد من يعوله، وبالتالي يلجأ إلى العمل أو الشارع.

ولذا يجب البحث عن وسائل أخرى لرعاية هؤلاء الأطفال، ولا يعني هذا أن النظم التقليدية للأسرة تحترم حقوق الطفل؛ فهناك سلبيات كثيرة تعمل ضد مصالح الأطفال كتفضيل الذكور على الإناث، وتأثير ذلك على فرص التعليم والصحة، ولهذا لا بد من التركيز على الجوانب الإيجابية في النظم الاجتماعية الإفريقية للمساعدة في أعمال حقوق الطفل في إفريقيا.

وقد عبّرت الوثيقة النهائية أيضا عن ذلك في الفقرات (24، 29)، والتي تنص على وجوب اتخاذ الحكومات التدابير اللازمة لضمان أن تكون لكل طفل في إفريقيا بداية جيدة في الحياة والنماء، في بيئة يسودها الحب والقبول والسلام والأمن والكرامة، عن طريق توفير المساعدة والحماية للوحدات الأسرية ولنظام الأسرة الممتدة، وتوفير التعليم والإعلام للأسر والقائمين بتوفير الرعاية والمجتمع المحلي بشأن الصحة ورعاية الطفل وتغذية وتوسيع نطاق الأيام الوطنية التي تمكن الأمهات من العناية بصحتهن وصحة أطفالهن.

الحماية والمراقبة

وكانت أهم النقاط الأخرى التي لفتت انتباه المشاركين تلك الرسالة الخاصة بمسئولية حماية الأطفال، وكيف أنها ليست مسئولية المجتمع الإفريقي فقط، ولكنها مهمة المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية الإقليمية وكذلك المجتمع الدولي بشكل عام.

وهي رسالة بدت من أول الجلسة الافتتاحية للمؤتمر في كلمة السيدة "كارول بيلامي" المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة "اليونيسيف" التي أضحت فيها أن على المجتمع الدولي أن يعالج معاناة الأطفال والنساء بصورة عاجلة، استنادًا إلى القانون الدولي الإنساني، واتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري المكلف بشأن النزاع المسلح والميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته.

وهي دعوة يبدو في ظاهرها الرحمة وفي باطنها الكثير؛ مما قد يخفى على الكثيرين، فالرحمة هنا تحتمل في مشاركة الجميع في إنقاذ هؤلاء الأطفال بتوفير المنح والمعونات لهم، وتقديم الأدوية التي لا يستطيعون دفع ثمنها مع تطبيق قواعد حقوق الملكية الفكرية - أو حتى بدونها - وغير ذلك.

أما باطنها فهو ما تنبه إليه الدكتور "علي الدين هلال" وزير الشباب المصري، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حين ذكر أنه لن تستطيع دولة بمفردها مواجهة مشكلات العولمة وسلبياتها، وأن على الجميع التكاتف حتى لا ندفع جميعًا الثمن، فنحن مسئولون أمام شعوبنا، ولا نريد من أحد أن يتدخل في سياساتنا أو سيادتنا، وليست هناك حلول جاهزة للمواجهة، بل يجب الاستفادة من تجارب الشعوب المختلفة في ذلك.

وقد ظهر هذا الاتجاه أيضا في الوثيقة النهائية للمؤتمر في الفقرات الخاصة بتفعيل الحق في الحماية (27-33)، والفقرات الخاصة بأعمال المتابعة والمراقبة (من 46-53)، والتي تشجع على مشاركة المجتمع في رصد أوجه انتهاكات حقوق الطفل، وإصلاح عمليات الإبلاغ من مثل هذه الانتهاكات، وأن تقوم الدول بإقامة آليات للمراقبة قائمة على المشاركة والسماح للمجتمعات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، بمراقبة البرامج المخصصة للأطفال.

وتراقب منظمة الوحدة الإفريقية تنفيذ خطط العمل من قبل الدول الأعضاء، وهذه (الشراكات) في المراقبة استنادًا إلى حق الحماية - حماية الأطفال - تتيح لهذه الجهات التدخل في توزيع ميزانيات الدولة وتغيير تشريعاتها بضمان حقوق الأطفال!!.

بقي أن نذكر أن أطفال الانتفاضة وأطفال العراق لم يكونوا غائبين عن هذا المؤتمر ونداءاته بحماية الأطفال في أوضاع الحصار والنزاعات والحروب، وسيكون هناك مؤتمر خاص بالطفل العربي في يوليو القادم، استعدادًا أيضا لمؤتمر الأمم المتحدة نيويورك 2001.


صحفية مصرية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم