|
| إحدى تظاهرات المسيرة أمام قصر ثقافة العريش |
قطار بدون ركاب، خرج من القاهرة ليقف في محطات القرى والمدن المصرية، يخرج له الأهالي من البسطاء والقادرين على السواء؛ ليضعوا فيه قدر ما يستطيعون من مواد غذائية ومساعدات عينية؛ آملين أن يصل إلى أهليهم وإخوانهم.. أين؟.
في غزة، كان ذلك في أواخر عام 1948 - كما حكى لنا من عاصروا تلك الفترة - لاحت ظلال هذه الصورة في مخيلتنا، ونحن نستقل إحدى حافلات القافلة التي انطلقت من أمام نقابة المحامين المصرية صباح الجمعة الموافق 30/6/2001، وقد نظمتها اللجان المصرية الشعبية لدعم الانتفاضة بمشاركة الأحزاب السياسية والنقابات والمهنية وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات، إلى جانب العديد من الإعلاميين والفنانين، كما انضم إلى القافلة بعض العائلات المصرية والأطفال الذين أصرُّوا على المشاركة.
خرج هؤلاء جميعهم في مسيرة الخير التي ضمت ما يزيد على 15 شاحنة، حملت معها أكثر من 500 طن من الأدوية والأغذية والملابس والاحتياجات الضرورية لإخواننا في فلسطين المحتلة؛ لتترسخ - بعد ما يزيد على 50 عامًا من مقاومة الكيان الصهيوني - حقيقة أن الرهان على العمل الشعبي والأهلي هو الأكثر جدوى، بعيدًا عن حسابات اللعبة السياسية ومقتضياتها.
كان الأمل معقودًا على أن يؤدي الجميع صلاة الجمعة بمدينة "رفح"، وبعد تسليم المعونات تعود القافلة للعريش؛ حيث ينعقد مؤتمر شعبي، يُلقي فيه عدد من ممثلي الهيئات والقيادات السياسية كلماتهم، إلا أن الأمن المصري لم يسمح إلا بالوصول إلى مدينة العريش؛ حيث تمّ تسليم القافلة لممثلي السلطة والقيادات الفلسطينية.
عاصمة لمصر في دعم الانتفاضة
|
|
|
شاحنات القافلة عند مدخل مدينة العريش
|
"كان يجمع التبرعات من الجالسين على المقاهي في المدينة - رغم رقة حاله وحالهم - ويعود إلينا حيث وقفت سياراتنا التي تطوف القرى بالمكبر؛ ليضع المواطنون تبرعاتهم فيها، وقد أخذ يعيد الكَرّة، إلا أنه - وفي المرة الأخيرة - عاد ليجد السيارات قد رحلت، فوقف ساخطًا مناديًا عليها، ومطالبًا إياها بالعودة".
هذه لقطة من مشاهد عديدة ذكرها لنا د. عادل المشد (رئيس اللجنة الشعبية المصرية للتضامن مع الانتفاضة)؛ لتؤكد الرغبة الشديدة لدى الجميع في المشاركة بما لديهم، فقط يحتاجون لمن يدلهم على طريقة للفعل والمشاركة.
كانت هذه المشاهد بمدن وقرى محافظة الدقهلية (بمصر) من حيث خرجت هذه القافلة، والتي تُعَدُّ الثالثة، بل إن مدينة "ميت غمر" وحدها قد قدمت 350 طنًّا من المواد الغذائية، وما قيمته 750 ألف جنيه أدوية؛ لتعلن نفسها - على حد تعبير حمدين صباحي (عضو مجلس الشعب المصري) - عاصمة لمصر في دعم الانتفاضة، فالبسطاء هم من أخرجوا ما لديهم، حتى أن بعض الفلاحات المصريات قد خرجن للتبرع بطيورهن، وكذلك الأطفال الذين فتح بعضهم حصالته لأول مرة لإخراج قروشه القليلة التي ادخرها للتبرع بها - هؤلاء جميعًا قد أخذوا قرارهم، معلنين أنهم على استعداد لدعم الانتفاضة مدة عام أو عامين أو...
لقد خرجت هذه القافلة بعد يومين، استمر خلالها عدد من الفاعليات في مصر، حيث قررت اللجنة المصرية الشعبية لدعم الانتفاضة والدوائر النشطة، وفي هذا الإطار اعتبار يوم 28 يونيو يومًا للقدس والتضامن مع الشعب الفلسطيني؛ حيث تأتي الذكرى الرابعة والثلاثين لقيام الصهاينة بإعلان ضم القدس، كما جاوزت انتفاضة الأقصى شهرها التاسع؛ لتخرج قافلة الخير من رحم تاريخ حافل بالمقاومة.
المؤاخاة بين.. و..
تعود حافلات القافلة التي ضمَّت ما يزيد عن 500 فرد من مختلف الأعمار والتيارات الفكرية والسياسية، بل إن من بينهم من لا ينتمي لأي من هذه التيارات.. داخل الحافلات كانت الفرصة مواتية لعرض عدد من الأنماط والأفكار في دعم الشعوب، كان أولها وأجداها فكرة "المؤاخاة بين الأسر الفلسطينية والعربية" لنستلهم من المجتمع النبوي قيمة عطرة أرساها (صلى الله عليه وسلم) حينما آخى بين المهاجرين والأنصار.
جاءت هذه الفكرة لتوازن بين أشكال الدعم والتأييد المعنوي والمادي؛ إذ دعت إلى تشجيع الصداقة والتآخي بين أسرة فلسطينية وأسرة عربية بحيث يتم التواصل بين الأسرتين بالمراسلات والاتصال التليفوني وبإرسال المساعدات المادية لزيادة القدرة على المشاركة في أعمال الانتفاضة.
لقد حث من أطلقوا تلك الفكرة من "الملتقى العربي لمواجهة الصهيونية" على أن يتخذ هذا التآخي كل الأشكال الممكنة من إرسال مبلغ شهري إلى إهداء الأسرة المصرية أو العربية التهاني لنظيرتها الفلسطينية في الإذاعة والقنوات الفضائية، "ولتكن البداية بأسر الشهداء والمصابين ومن تهدمت بيوتهم" هذا ما قاله لى أحد أعضاء اللجنة، وهو يخرج قائمة ببعض الأسماء والعناوين وأرقام الهواتف لأبناء الأسر الفلسطينية.
حاكموهم بدساتيرهم
"في صدر كل دستور عربي نص واضح وصريح عن الوحدة العربية".. هذا ما أكده أمين اللجنة التي أطلقت على نفسها "اللجنة المصرية لتوحيد الأمة العربية"، وليستند عليه أعضاء هذه اللجنة في رفع دعوة على الحكام والرؤساء العرب؛ بسبب تغييبهم للوحدة العربية، فالممارسات مغايرة تمامًا لما تنص عليه هذه الدساتير.
كما تجتهد اللجنة بالوسائل القانونية التي تتبناها في نشاطها العمل على ملاحقة وكشف الاعتداءات الصهيونية التي قامت بها إسرائيل ضد الأسرى العرب. وأشار أعضاء اللجنة إلى أنهم قطعوا مشوارا طويلا في هذين الملفين، وهم على أمل بعرضه على الشعوب العربية لمعرفة ما توصلوا إليه.
ثمار إسرائيل المرة
كان للحديث عن التطبيع مكانه طوال المسيرة: داخل الحافلة.. داخل قاعة الندوات بقصر ثقافة العريش، حينما وقف النائب المخضرم "أحمد طه" ليذكر أنه كان ضمن 13 نائبا في مجلس الشعب المصري رفضوا معاهدة كامب ديفيد ليتحملوا بعدها الكثير، وليؤكد أن هذه المسألة أصبحت قضية حياته.
أما داخل الحافلة فكانت الفرصة المتاحة لأعضاء لجنة "مقاومة التطبيع الزراعي" للحديث عن اللجنة ونشاطها؛ حيث أصدرت اللجنة قائمة سوداء بأسماء عدد المطبعين مع الكيان الصهيوني في المجال الزراعي، كما أصدرت بيانا تم توزيعه على المهندسين الزراعيين في عدد من محافظات مصر وفروع النقابة يحثهم على دعم الانتفاضة ومقاطعة المنتجات الصهيونية والأمريكية: مثل البذور، والأسمدة، والشتلات، والمبيدات، والمخصبات والآلات الزراعية.
كما أكد هذا البيان الذي أصدرته اللجنة على ضرورة التزام الزراعيين في أنحاء مصر ومن كافة التخصصات والمؤسسات بعدم السفر إلى فلسطين أو التعاون مع مؤسسات أو هيئات نظيرة لها تابعة للكيان الصهيوني في فلسطين أو أي مكان في العالم، كما كان للتنديد بالتطبيع ومعاداته نصيب وافر من هتافات التظاهرات التي تخللت المسيرة، والتي أخذت مكانها في ثلاث محطات خلال رحلتنا ونصفها فيما بعد.
المقاطعة والمليون توقيع
|
|
|
المشاركين اصطفوا للتظاهر بجوار شاحنات القافلة
|
مارسنا المقاطعة في رحلتنا حينما وقفنا في الاستراحات أثناء الذهاب والعودة؛ فالكل أخذ يتواصى بعدم شراء البيبسي أو الكولا، وتحدث عنها كثيرون في كلماتهم أمام المؤتمر، فكان لأحد النشطاء في حركة المقاطعة المصرية للسلع الأمريكية والإسرائيلية تعليق حينما أكد أن الشعوب هي خط الدفاع الأول، وقد اعتبر- على حد قوله- خروج سينسبري من مصر هو نجاح لحركة المقاطعة، واعتبر أن نجاحًا ما تحقق في مقاطعة الكولا والكنتاكي والماكدونالدز.
أما نقابة الصيادلة المصرية، فقد عرضت تجربتها المنظمة في مسألة المقاطعة والتي لم تتم - كما ذكر ممثل النقابة - إلا للشركات التي لها دور في دعم إسرائيل والمستوطنات، وضرب مثالا بإحدى الشركات الأمريكية. وأضاف أن النقابة قامت بدور تعبوي ضد هذه الشركات حتى تفاعلت كل من ماليزيا وسوريا ودول الخليج والسعودية، ونجحوا في مقاطعة منتجات هذه الشركة.
ومن النقابات إلى ربات البيوت؛ حيث علّق كثيرون على عدم حاجتنا لوزراء الاقتصاد أو غيرهم لنجاح المقاطعة؛ فالمرأة هي وزيرة بيتها، ومن تستطيع خلق البدائل.
وكما كانت الاستراحات فرصة لممارسة جزئية للمقاطعة كانت فرصة لبعض الشباب ليملأ بالتوقيعات أوراقا حملها معه في إطار حملة المليون توقيع التي بدأتها "اللجنة المصرية الشعبية، كنوع من الدعم السياسي والمعنوي للانتفاضة، وهي تهدف لجمع مليون توقيع على عريضتين: إحداهما توجه لأمين عام الأمم المتحدة، وأما الثانية فهي لرئيس جمهورية مصر العربية.
التفاعل صنوف وأشكال
|
|
|
أعلام ..شعارات ..هتافات طوال مسيرة القافلة
|
كانت الحافلات التي تقلنا قد عُلقت عليها لافتات تحمل شعارات التضامن مع الانتفاضة وأسماء الأحزاب المشاركة في القافلة، أما العلم الفلسطيني والذي كتب عليه عبارة "فلسطين عربية"، فقد كان وسيلتنا للتفاعل مع بعض السيارات المسافرة على طول الطريق التي استلفت نظرها سير القافلة، حتى شعرنا وكأن بعضًا منهم يود أن يقفز من سيارته ليركب معنا ويشاركنا رحلتنا.
كما كانت هذه الأعلام الصغيرة هديتنا للأطفال الذين تجمّعوا حولنا حينما وقفنا للصلاة في أحد المساجد الصغيرة قبل مدخل العريش بحوالي 100 كيلومتر؛ حيث تجمع ذووهم يسألوننا عن سر هذه القافلة الطويلة.
وحينما فرغنا من الصلاة واستوعب بعض الأهالي طبيعة رحلتنا، سأل بعضهم عن طريقة للتواصل والتعاون مع اللجان المشاركة، ووقفوا على أبواب بيوتهم البسيطة يتابعون مسيرتنا، ونحن لا ندري كيف انتشر أمرنا بينهم بهذه السرعة.. إنه فعل شعبي!!.
ثقافة "الكلام الكبير"
محطات ثلاث شهدت تظاهرات ومسيرات جماعية للمشاركين في القافلة، أولها كان عند القنطرة شرق بمدينة السويس؛ حيث غادر الجميع الحافلات مستقلين العبارة فوجا وراء فوج؛ ليلتقي الجميع في الجانب الآخر، ولتبدأ المسيرة وتنطلق الهتافات وترتفع اللافتات والأعلام الفلسطينية والصور التي تحمل شعارات تأييد ودعم الانتفاضة.
ثم جاءت المحطة الثانية قرب مدخل مدينة العريش؛ حيث وقفت حافلات المشاركين إلى جوار الشاحنات التي حملت المعونات، فكان مشهدا ثريا مليئا بانفعالات ترجمها كثيرون في مسيرة أخرى.
ثم بلغ الانفعال ذروته في المحطة الثالثة والأخيرة أمام قصر ثقافة العريش؛ إذ تكررت الصورة ولكن بانفعال أشد وفرصة أكبر للقنوات التلفزيونية لنقل الظاهرة، وسؤال المشاركين عن شعورهم نحو هذا العمل.
لقد كان مشهد حرق العلم الإسرائيلي ومجسم شارون هو قمة هذا الانفعال الذي مثّل آخر نقطة تصل لها شحنة الغضب لدى من شارك في هذه المسيرة، والتي واكبها تواجد أمني مكثفا أمام قصر الثقافة بالعريش بما حال دون مشاركة أهالي المدينة.
مشهد التظاهرات في المحطات الثلاث كان مفعما بالانفعال والغضب، وقد تعددت الشعارات التي أكد بعضها على خيار المقاومة، وندد الكثير منها بالأنظمة والحكومات العربية وطرق إداراتها للصراع بل وللشئون الداخلية، طالب بعضها بحمل السلاح وفتح باب المقاومة الشعبية وبغلق السفارة الإسرائيلية، كما استهزأ بعضها بالشخصيات الصهيونية، وندد الآخر بمواقف البيت الأبيض، أخيرًا صاحت بثورة حتى النصر في فلسطين ومصر..
كلمات كثيرة خلق الانطلاق بها حالة من التعاطف مع كل ما يقال ويحدث، ولكن بجانب هذا استطعت أن ألتقط بعض التعليقات: "إننا نهتف لأنفسنا.. لنفعل شيئا أفضل، لننظم عملا موجها بحق، لندخل معارك حقيقية، لنصل للرأي العام العالمي...".
لم أستطع منع نفسي من مشاركة هؤلاء القلق، فقد عانينا كثيرا من ثقافة "الكلام الكبير"، وقد كانت مشاهد حرق العلم الإسرائيلي ومجسم شارون وسيلتنا في إفراغ شحنة الغضب المعروفة لدى المواطن العربي الذي يعلن عبرها سخطه على أشياء كثيرة، وعلى هذا يصبح الخوف من تبديد هذه الفيوضات خوفا مشروعا.
ولذلك كنت أسارع بتذكير نفسي بشاحنات المعونة.. واللجان المشاركة وأفكارها: المؤاخاة.. وقوائم المقاطعة.. وحملة المليون توقيع.. لأطمئن أننا قد زدنا القول فعلا، وأن منا من يدرك ضرورة الالتفات إلى معارك "النفس الطويل"، وعدم الانتظار طويلاً في محطات تفريغ الغضب على طريق حل أزماتنا.
لقد كانت مطالب التيارات واللجان داخل قاعة الندوات بقصر ثقافة العريش يتلخص أغلبها في:
رفض التطبيع وغلق السفارة الإسرائيلية، وفتح باب المقاومة الشعبية، ودعم الانتفاضة بكل السبل، وإنشاء نقطة للصليب الأحمر على الحدود المصرية الفلسطينية، وعودة الجيش المصري لسيناء، وإلغاء العمل بمعاهدة كامب ديفيد، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية.
لم تكن هذه المطالب وهذه المسيرة إلا إجلاء لحقيقة مهمة، وهي أنه لم يعد أمامنا إلا خيار الانتفاضة ودعمها.. إنها الورقة الأخيرة التي نملكها، ونرجو ألا تسقط عنا.
لقد أجبت حينما سألني الأصدقاء عن إحساس هذا اليوم أنني عشت أياما كثيرة في ساعات قليلة.. ربما بهذا تصنع أيام الشعوب والأمم.
كاتبة فلسطينية، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@islam-online.net
مديرة تحرير نطاق مسلمو أوروبا بالموقع الإنجليزي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com
|