English

 

الأربعاء. يونيو. 20, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

مع شهداء الانتفاضة وجها لوجه

الجيل للصحافة

مقتنيات الشهداء وقد وضعت خلف زجاج شفاف
مقتنيات الشهداء وقد وضعت خلف زجاج شفاف

الفكرة أن نضيء شمعة الحياة وسط الموت الذي يحيط بنا، أن نحارب الحذر المتسلل إلى داخلنا نتيجة إحصائيات الموت اليومية، وأن نكرم الأسر التي تواصل حياة يملؤها فراغ خلّفه غيابُ الأحباب، وشعور بجور الرحيل".

بهذه العبارات أجملت "عادلة العايدي" مسؤولة متحف "مائة شهيد ومائة حياة". وتؤكد العايدي أن هذا المشروع يحاول أن يسهم في تقديم إجابة على التساؤل الذي يفرضه سقوط الشهداء منذ التاسع والعشرين من أيلول 2000، حول الطريقة التي يُعطى بها الشهيد حقه من الوفاء والتقدير.

تكريم الأكرمين

إن أجمل مظهر لتكريم الشهداء هو الاحتفال بحياتهم. أن نحتفل بتذكر الطفل، والفتى، والشاب، والأب، والجد أو الجدة. أن نجرب التفاعل مع تفاصيل حياة كل منهم: الأحلام والوقائع، الفرح والحزن، القلم والبيت، الحكايات والنوادر، جنبا إلى جنب مع الاحتلال والآلام. فلكل تفصيل- مهما بدا صغيرًا وعاديا- ما يقربنا من الإنسان الذي رحل.

وتعود عادلة لتؤكد لنا أن الشهيد انطبع في أذهان الناس بالدماء والبارود والرصاص، وتقول: "أردنا أن نخرج من هذا المشهد لنكرم الشهداء بطريقة مخالفة للمألوف على شاشات التلفزيون، أحببنا أن نكرم الشهداء وموتهم تقديرًا منا للحياة في فلسطين".

عندما ننظر إلى المعرض الذي أقيم في مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله في شهر مارس، والذي يحمل اسم "مائة شهيد ومائة حياة"، نرى فيه عظمة الإبداع، وكسر الرتابة التي اعتاد الإنسان على رؤيتها يوميا. فمنذ اللحظة الأولى لدخول قاعة المعرض يشعر الزائر برهبة، وعلى الفور يستحضر هذه الشخوص، التي أخذت الحياة منا بموتها "عفوا" بحياتها. نعم نشعر أننا نحن الأموات وهم الأحياء.

لا يستطيع زائر المعرض إلا تحضير نفسه للدخول في طقس المثول أمام الشهداء. هذا الصمت المطبق، والحزن العميق، وقطرات تلمع في العيون، تنسجم مع اللون الشفاف. هكذا كان لا بد من التعامل الشفاف الرقيق مع حياة هؤلاء الأعزاء الأبرياء، الذين غيبتهم رصاصات الاحتلال، ولم تتركهم ليفتحوا أشياءهم ويكملوا عباراتهم التي بدأت.

مقابلة الشهداء

s

متعلقات المسعف الشهيد البلبيسي الذي حاول إنقاذ الدرة

هذه ليست أقوالنا، بل هذا شعور وانطباع "تحسين يقين" بعد أن دخل قاعة المعرض، ويضيف يقين: أشياؤهم البسيطة دلالات البراءة، تثير حزنا من الداخل وليس من السطح، كانت الفكرة موفقة في الانتصار للجانب العادي والإنساني جدا والحميم في حياة 100 من شهداء فلسطين في انتفاضة الحرم، فكل شهيد له قصة وآثار وحاجات أحبها وتعامل معها. إنهم بشر من لحم ودم، ولهم مشاعر وأشواق.

نعود مرة أخرى إلى عادلة العايدي لنسألها: ما السبب في وضع متعلقات ومقتنيات كل شهيد داخل حوض زجاجي؟ ولماذا الزجاجي دون غيره؟

تقول: أردنا أن نضع الزائر مع الشهيد هكذا مباشرة، دون حواجز، وبشفافية كبيرة؛ لتحلق لحظات خشوع في نفس كل زائر ومشاهد للمعرض؛ ليخرج بعد ذلك ممنوحًا الحياة من موت الشهيد، وليرى فن الشهيد الإنسان، الحلم، الحياة، لا الدم والبارود.

وتضيف: نعم، كل صندوق زجاجي بداخله حكاية يرويها الشهيد بنفسه، وإن كانت بغير صوت، علّنا نصور ما يعنيه أن يكون الإنسان فلسطينيا، فلكل منهم حكاياته وأحلامه، ولكل موته أيضا.

وتوضح عادلة قائلة: إن فكرة المعرض بدأت مع الأيام الأولى للانتفاضة، ومع سقوط أول شهيد. بدأت بجمع السير الذاتية، وبعض أغراض الشهداء من ذويهم، وإن كانت عزيزة عليهم: فهذا يأتي بدراجة الشهيد، وآخر يأتي بنبيضته، وثالث يُحضر صورته، ومنهم من يأتي بقميصه وحذائه.

وتضيف: لم يكن من السهل أن نجمع هذه الأشياء، ولكنها مهمة قام بها مركز السكاكيني، وها هو يقدمها في صورة إنسانية عصرية.

الشهيد والزائر وفقط

وتشير عادلة إلى أن بعض المقتنيات للشهداء وُضعت في شكل هدية. وهذا يعني أن الشهيد قدم نفسه هدية للوطن، لمكانه، لأهله، لمحبيه. ولما كانت الهدية عادة ما يلفها صاحبها ويربطها ويجهزها بشكل يليق بصاحبها، فهذه كانت فكرة الفنان "سمير سلامة" حين استخدم فكرة ربط الغرض ليبدو كهدية، انسجامًا مع هدية الشهيد "روحه".

الزائر للمعرض يرى أن شخصية الفنان سلامة اختفت في طريقة عرضه لقاعدة المعرض، وإظهار شخصية الشهيد للتحدث عن نفسها، دون أن يتدخل فنان أو غيره ليشرحها للزائر، بل ترك الأمر وكأن الشهيد يتحدث مع كل زائر على حدة، وبلغة يفهمها الزائر وحده.

وتضيف مديرة المعرض قائلة: إن ترتيب المعرض كان بشكل تسلسلي من كبار السن من الشهداء، ثم الأصغر، فالأصغر، وتمنيت أن يتحول هذا المعرض في المستقبل إلى متحف؛ ليضم كل شهداء انتفاضة الأقصى، ولكن استمرار سقوط الشهداء دفع إلى حصر مجاله ليشمل فقط مائة شهيد، على أمل أن نكمل مسيرة المعرض ليضم في المستقبل كل شهداء فلسطين.

حصار بعد الموت أيضًا!

أشارت عادلة أن المعرض كان مقررًا له أن يتجول في سبع مدن فلسطينية، ولكن الطوق الأمني حال دون ذلك. كنا نهدف إلى أن يمر المعرض في كل من غزة وبيت لحم والخليل والقدس ونابلس والناصرة، ولكن بصمات الاحتلال تلاحقنا، بل تلاحق الشهداء بعد موتهم.

والآن تقول عادلة: إن المعرض موجود في "عمّان" العاصمة الأردنية، وإنه يلقى استحسانا كبيرا من الجمهور، وهذا ما لاحظناه من تعليقات الزوار، خاصة أن المعرض يعرض بشكل نظيف، وبشكل إنساني مجرد، وبلا دماء أو دمار، أو ما شابه ذلك.

هل بمقدورنا استقبالهم

s

دراجة أحد الشهداء

شمل المعرض، إلى جانب مقتنيات الشهداء، صورة لكل شهيد، وسيرة حياته، ونبذة بسيطة تُسلّط على إنسانية الإنسان، على أحلامه وأفكاره، وتحكي عنه ما كان يريد أن يحكيه لزائره.

فهذا "فارس عودة" ابن خمسة عشر ربيعا، وهذه مقتنياته، وتلك صوره وهو يواجه دبابة الاحتلال، وهذه والدته تحكي لنا عن فارس الأمل والشهيد.

وذاك البطل "بسام البلبيسي" بلباسه الأخضر، وهو يحكي لنا قصة عن محاولة إنقاذ الشهيد "محمد الدرة"، وكيف أنه استشهد. نرى فيه صورة الأب والأخ، والشهيد، وقد كان ينتظر توقف الرصاص؛ حتى يتقدم لإنقاذ الدرة، الذي يعتبره ابنه، ولكن سيل الرصاص كان جارفا، ولا ينفع معه انتظار.

ونرى العريس "محمود العمواسي" ابن عمواس، الذي استشهد بعد أيام من زواجه، وتُركت صورته وعروسه تحكي لنا حياة الشهيد وأحلامه.

مائة شهيد كل منهم يروي لنا جزءاً من حياته وأحلامه وآماله، ولكن كل ذلك هان من أجل الوطن. ويبقى وجع رحيلهم ليس الأول في تاريخنا، فما بين النكبة والاقتلاع من الأرض، وحتى انتفاضتنا الأخيرة، سلسلة طويلة من الظلم والمعاناة: الإبعاد، وحياة المنفى، وهدم المنازل، والتشريد، والاعتقال، حياة يملؤها القهر والقسوة، طفولة محرومة، شباب يتهور، إنسانية متهتكة… كلها رسمت حياتنا، وخطّت لكل منهم طريقة موته.

مائة شهيد، مائة حياة انتصر المعرض لحياتهم؛ لأنهم أحياء في الذاكرة. فحضور الشهداء دائم، وذكرهم يثير فينا الاحترام إلى حد كبير.

عاد الشهداء، ونظموا معرضا في فلسطين. فهم الفنانون العظماء الذين سطروا فنهم وإبداعهم بدمائهم؛ ليذكّروا العالم بنبل قضيتهم، وحقهم في الحياة. فهؤلاء لم يعتدوا على أحد، ولم يزعجوا غير المحتل.

"الشهداء يعودون ليؤكدوا لنا أن نظل أوفياء لِمَا ماتوا من أجله؛ فكيف سنقابل الشهداء إن فرطنا بعدهم ونسيناهم؟ هل سيكون بمقدورنا استقبالهم؟".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم