|
دخلنا إلى منطقة أريحا، على اليمين كازينو أريحا؛ حيث تلفه الصحراء من كل جانب، وعلى الجهة اليسرى يبدأ مخيم عقبة جبر بالظهور، الكآبة والحزن والقدم تبدو عليه، أكواخ متلاصقة، وغبار يكاد يخفي الجبال من خلفه، فلونه كلون الأرض بين البني والأصفر، من بعيد يشبه المقبرة، ولكن كلما اقتربت شاحنتنا ازداد عمق الكآبة والحزن والضيق.
محمد رضوان صاحب شاحنة صغيرة والذي قرر القيام بزيارة إلى "مخيم عقبة جبر" يوم الأحد الماضي، في الطريق توقف محمد رضوان، وأخرج من جيبه أربعة آلاف "شيكل" واشترى أكياسًا من الخبز والسكر والطحين والدواء، يقول: "أوصاني إخوتي وجيراني وبعض الأصدقاء بتوزيع هذه الأغراض إلى المحتاجين، وسمعت أن مخيم عقبة جبر يعاني الكثير؛ لذلك قررت أن أذهب إلى هناك"..
باب بلا قفل
أربعة آلاف لاجئ يعيشون في مخيم عقبة جبر الواقع في منطقة أريحا والذي أنشأته "وكالة الغوث" عام 1949، وعلى بعد كيلومترات يقع المخيم الثاني للاجئين في أريحا، مخيم عين السلطان ويسكنه حوالي ألف وخمسمائة لاجئ. ويعاني المخيم من الأوضاع الصعبة خاصة في ظل الحصار المفروض على المخيم منذ بداية انتفاضة الأقصى.
ويشرح السيد سامي مشعشع، الناطق الإعلامي لوكالة غوث (أونروا) بأن "خصوصية مخيم عقبة جبر تكمن بالحصار المشدد وعدم قدرة موظفي الوكالة من التواجد بأماكن عملهم في المخيم، سواء بالأقسام الصحية أو التعليمية أو الاجتماعية، ومشكلة المشاكل هي قضية الدخول إلى المخيم نتيجة الحصار".
قصص من المخيم
نساء لطيفات ودودات طيبات ويتبادلن أطراف الحديث بكل أدب وإحترام، إحداهن تحدثت عن مشاكل زوجها الصحية وأنه لا يستطيع التحرك وبالتالي لا يعمل، أخرى تحدثت عن أبنائها الصغار، وكيف تعيش حالة صعبة وأخرى عن ديون كثيرة وأخرى وأخرى... قصص لا أملك أن أرويها بقدر ما أتذكر مأساتها، فالقصة هي أكبر قصة.. هي قصة مخيم عقبة جبر.
وقف السيد محمد رضوان واتجه إلى الشاحنة فتبعه الجميع. عندما فتح محمد باب الشاحنة كانت عيون النسوة والأطفال وآخرين انضموا إلى المجموعة تتلهف، أحاطوا بمحمد من كل جانب، وعندها بدأ محمد بإخراج أكياس السكر والطحين وتوزيعها إلى كل من وصلت يده إليها أولاً.
الجوع كافر
في البداية كان البعض به من الكبرياء ما يمنعه، ولكن الجوع كافر كما يقال. ارتفعت الأيدي تحاول أخذ ما يمكن وزاد الضغط على محمد، وبعد لحظات شعرت أنني في أوغندا أو جنوب السودان؛ حيث المجاعة وإغاثات الأمم المتحدة توزع الطعام على أناس يمتازون بالنحف والضعف وقلة الحيلة، وازداد الموقف حدة عندما بدأ بعض النسوة بشبه سرقة لما تحمله أخريات. في وسط ذلك وجدت امرأة تحاول حمل الأغراض التي نجحت في الحصول عليها، فساعدتها وحملت بعضها وتبعتها إلى بيتها، لم يكن لباب بيتها قفل ربما لأنه لا يوجد شيء يسرق أو لا يتوفر لتلك المرأة مال كاف لشراء ذلك القفل. دخلت إلى البيت وكان مظلمًا وتعرقلت بأطفالها الذين لم أستطع عدهم.
طاولة قديمة وفراش على الأرض وخزانة شبه فارغة، كان كل شيء موجود في هذه الغرفة القاتمة. أما المطبخ الذي وضعت به الأغراض التي كنت أحملها فكان خاويًا تقريبًا من أي شيء يؤكل. بدأت أم عامر تتحدث عن صعوبة الحياة هنا، وأنها لا تعمل وزوجها تُوفي قبل ثلاث سنوات، وقالت: إنه لا يوجد شيء عندها للأكل، ثم سكتت، وقالت: "لا يوجد شيء إلا في هذه الثلاجة" فتحت الثلاجة فوجدت حبتين من الباذنجان، تلفهما طبقة زرقاء من العفن. طبعًا الثلاجة لم تكن تعمل، ليس فقط لأنها فارغة بل لعدم توفر الكهرباء في البيت.
هذه حصتكم اليوم
أغلق محمد رضوان باب الشاحنة، وقال بصوت عال موجهًا كلامه للجميع: "هذه حصتكم اليوم، يوجد آخرون في المخيم يجب أن أعطيهم حصتهم". حملت كل امرأة ما استطاعت، وبدأ النسوة يغادرن المكان، وحتى تلك اللحظة لم أكن لأرى رجلاً واحداً في هذا المخيم، ركبنا الشاحنة وتوغلنا في هذا المخيم الحزين، أطفال كثيرون، يلعبون بكل ما يمكن أن يتوفر بأيديهم ليحولوه إلى لعبة مستحدثة، ورجال وجدناهم يتجمعون في مكان يشبه المقهى، ووجوههم حزينة توحي بالضعف وقلة الحيلة.
المرض والجوع معا
وقفت الشاحنة مرة أخرى ودخلنا إلى بيت به أطفال مرضى لا أعرف اسم المرض، ولكنه بشع، يظهر على أجسادهم كوحش يأكل لحمهم الرقيق. أعطى محمد الدواء إلى أمهم التي أخذتني بجولة في البيت الذي يُرثى لحاله، الجدران تكاد تنهار والمطبخ فارغ إلا من أواني الطبخ وبرميل كبير مليء بالماء.
خرجت من هذا البيت المخيف الذي يسكنه المرض والفقر جنبًا إلى جنب مع أطفال أبرياء يقاسمهم الحياة أو شبه الحياة، في الخارج تتكرر الصورة الصعبة لنسوة وهن يأخذن الطعام والدواء من محمد رضوان، وبعدما فرغت الشاحنة شكرنا الأهالي بشدة، وقال أحد الأشخاص: "إنكم لا تعلمون مدى أهمية ما تصنعون" ربما كلماته كانت بسيطة لوهلة، لكن المعنى لا يمكن وصفه بالمفردات، واغرورقت عيون محمد رضوان فأخفاها كطفل يهرب من وجه أبيه.
ودعنا الأهالي وبدأنا بالرحيل عن هذا المكان الذي لا يتصل بالإنسانية بشيء. أناس لطفاء في أحقر مكان في العالم، أناس أبرياء في أبشع مكان في العالم. هذا المكان بكل ما به من كآبة وحزن يلفانه إلا أن الأمل كان موجودًا في عيون كل من قابلت، يا لغرابة هذا العالم!.
|