|
تجربة لا مثيل لها في عالمنا العربي والإسلامي إذا أحدثت نتائج مذهلة في علاج الإدمان من خلال نظرية إيمانية وقف أمامها جمع كبير من خيرة أطباء الطب النفسي وعلاج الإدمان مباركين ومساندين بعد أن كانوا معادين ومتحفظين ويرددون: ما شأن الدين بعلاج الإدمان؟!دشنت تلك التجربة لجنة بشائر الخير بالكويت، والتي أثبتت ممارستها بشهادة خبراء الطب النفسي وعلاج الإدمان تفوقها على كثير من النظريات النفسية الغربية، وأن العلاج النفسي المبني على الزاد الروحي من القرآن الكريم وتعاليم الإسلام قد أثبت فاعلية ونجاحًا.
علاج الإدمان.. عودة الغائب
مؤسس هذه اللجنة ورئيس مجلس إدراتها هو الشيخ الداعية عبد الحميد البلالي الكاتب والداعية الإسلامي، والذي إذا جلست إليه وجدت فيه الطبيب النفسي والداعية والمصلح الاجتماعي والأب الحاني ـ يحدثنا في هذه السطور عن تجربته مع علاج الإدمان.
*رسالتكم في مجال مواجهة الإدمان لها خصوصية أشاد بها المتخصصون في مجال الطب النفسي نود في البداية أن تلقي لنا الضوء على أبعادها..
بسبب اتساع دائرة تعاطي المخدرات إلى درجة الإدمان أخذنا على عاتقنا مواجهة الإدمان بالعلاج الإيماني لإدخال السرور على نفس أمٍّ غابت عنها الابتسامة لسنوات طويلة في غيبة الوعي لولدها المدمن ولإعادة الفرصة لزوجة وأبناء حضر أبوهم معهم بجسده وغاب عنهم بعقله وروحه عندما كان مفقودا في عالم المخدرات؛ ولنكشف كربة الأمهات والآباء والزوجات الذين يعانون كربًا كثيرة بسبب إدمان ولدهم أو عائلهم ليعود لهم لمّ الشمل والفرح وغير ذلك من الصور المختلفة.من أجل ذلك قامت لجنة بشائر الخير منذ تأسيسها في عام 1993 بتبني هذا الدور في إطار معالجتها لموضوع إدمان المخدرات والمسكرات؛ حرصا على تنقية المجتمع من هذه الآفة الخطيرة ومعالجة الراغبين وتأهيلهم إلى التوبة من هذه الآفة المدمرة ورعاية أسر التائبين وسد حاجاتهم المعيشية.واللجنة تنطلق من نظرية الإيمان؛ للقضاء على الإدمان، وتقدم نموذجا علاجيا متكاملا لهذه المشكلة يقوم على الأساس الإيماني النابع من ديننا الإسلامي الحنيف، ويعتمد على تقوية الجانب الإيماني عند المدمن بعد الإقلاع عن المخدرات والمسكرات والتوبة إلى الله من هذه المعصية.
*وهل نجحت نظرية العلاج الإيماني في الأخذ بأيدي المدمنين بعيدا عن المخدرات؟
بفضل الله لقد استطاعت اللجنة في غضون سنوات أن تنجح في إنجاز أهدافها بصورة متكاملة، وأن تستقطب عشرات من التائبين الذين عجز الطب النفسي عن إقصائهم عن المخدرات، واستطاعت أن تقدم العلاج الناجح لهؤلاء التائبين وأن تحل مشاكلهم، بل قامت على رعاية أسر كثير من التائبين، وقدمت لهم المعونات المادية والمعنوية، وانبثق عن اللجنة فرع نسائي للقيام على شئون أهالي التائبين وذويهم وتأهيلهم اجتماعيًّا ونفسيًّا؛ لتقبل هذا التائب والاستمرار معه في حياته بعد التوبة من الإدمان.
من هو المدمن؟
*وأنتم من المتمرسين على مواجهة الإدمان بجميع أشكاله، وقد وصفكم أحد أطباء الطب النفسي بأنك إلى جانب كونك داعية فأنت طبيب نفسي ومصلح اجتماعي في تقديركم ما تعريف الإدمان؟ وما تأثيرات المخدرات على متعاطيها؟ وكيف نقول: إن هذا الإنسان أصبح مدمنا؟
للإجابة عن هذه الأسئلة نجمل في الآتي: إن الإدمان هو حالة الاعتماد الكيميائية، ومعنى الاعتماد عدم القدرة على ترك المخدر والعيش من غيره، وعندما يتركه يترتب على تركه أعراض انسحابية تنقسم إلى قسمين:
1-أعراض جسدية: قد تستمر من ثلاثة إلى سبعة أيام، وذلك حسب مادة التعاطي، وكمية التعاطي، وكذلك فترة التعاطي، وهي عبارة عن آلام مبرحة في الظهر والمفاصل والمعدة والصداع الشديد.
2-أعراض نفسية: وتستمر من ثلاثة إلى سبعة أشهر تقريبًا، وقد تزيد على هذه المدة، وهي عبارة عن كآبة شديدة واشتياق إلى تعاطي المادة المخدرة.
والمخدرات عبارة عن مادة تحدث تخدرًا وكسلا في الجسم حين تناولها، وفي حين تناولها تحدث المسكرات نشوة وانفعالا وجرأة وميلا إلى البطش والانتقام، وهناك نوع آخر هو المنشطات، وهو نوع يحدث نشاطًا غير طبيعي للجسم، وكذلك المهلوسات، وهي مادة تصيب متعاطيها بالهلوسة.
النزول للميدان
*ما الأسس التي ترتكزون عليها في نظرة العلاج الإيماني حتى تؤدي ثمارها؟
- التعاون مع الجميع؛ إذ لا يمكن أن ينجح منهج ما لم يكن من أبجدياته التعاون مع الجميع للوصول إلى الهدف.
- النزول للميدان وعدم الاكتفاء بالتنظير من طبيعة المنهج الإيماني في علاج النفوس؛ لأنه لا يقبل القول دون العلم، ولن تجد آية في القرآن الكريم ذكّرت بالإيمان إلا وقرنها الله تعالى بالعمل، فلا إيمان دون عمل ولا قول من غير فعل؛ ومن ثم كان النزول للميدان والاحتكاك المباشر بالمدنيين عن طريق مستشفى الطب النفسي.
- التعامل الإنساني مع المدمن: المدمن بطبيعته يشعر باحتقار المجتمع له وقسوته عليه ورفضه له حتى من أقرب الناس؛ لذا ينبغي أن نعامله معاملة إنسانية، فيها الكثير من العطف والحنان والرعاية والرحمة، وأن نشعره باهتمامنا وحرصنا عليه ورغبتنا في شفائه.
- لا نطرح أنفسنا كبديل بل كمكمل للجهود الموجودة من غيرنا.
- العمل على تقوية الجانب الإيماني، فالمدمن لا يمكن أن يقلع عن المخدرات ما لم تتكوّن لديه قدرة على صناعة القرار، ولا يمكن أن تتكون هذه القدرّة من غير إرادة، ولا يمكن بناء إرادته من غير تقوية إيمانية، وتقوية الثقة بالنفس، وهذا ما يحرص عليه المنهج الإيماني الذي يعمل على إعادة ثقته بنفسه، وإشعاره بثقة الآخرين نحوه عن طريق تكليفه بأداء بعض الواجبات.
- بث روح الأمل؛ إذ لا يوجد شيء في المنهج الإيماني اسمه اليأس، فهو يعتمد على تأصيل واستمرارية بث روح الأمل؛ لقبول التوبة والتعافي من هذا الداء.
- إيجاد البيئة البديلة؛ إذ لا يمكن للمنهج الإيماني أن يؤثر في صياغة المدمن ما لم يعزل تماما عن البيئة الفاسدة التي يتعاطى من خلالها المخدر إلى بيئة بديلة صالحة.
- حل مشاكل المدمن؛ إذ لا يمكن أن يتأثر إيجابيًّا ما لم ير احتواء كاملا، ومن ثم يسعى المنهج الإيماني إلى رعاية المدمن رعاية كاملة تشمل جميع معاناته واحتياجاته المالية والأسرية والاجتماعية.
- ملء وقت فراغه.
- إشباع حاجة التقدير لديه أي الثناء عليه كلما برزت منه إيجابية.
رحلة إقناع المدمن
*هذه المقاصد النبيلة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال وسائل وآليات في تقديركم: ما هي وسائلكم في إنجاز مستهدفاتكم؟
هناك وسائل كثيرة نحرص على تفعيلها والإلحاح من خلالها لإقناع المدمنين بخطورة المخدرات ووجوب الابتعاد عنها مع مساعدته على ذلك، ومن بين هذه الوسائل:
-ترتيب ندوات ومحاضرات وأسابيع ثقافية للتوعية في مجال المخدرات
-طباعة مطويات شهرية وكتيبات مع توعية في مجال المخدرات
-التنسيق مع الجهات المختلفة لتحقيق الأهداف
-القيام بزيارات أسبوعية ميدانية للمدمنين في مستشفى الطب النفسي والمنازل والسجن المركزي.
-تنظيم محاضرات في المدارس الثانوية
-توزيع أشرطة كاسيت فيديو تتعلق بقضية المخدرات
-عمل مسرحيات تعالج هذه القضية
-إعداد معارض متنقلة في جميع أنحاء الكويت
-القيام بدراسات متخصصة للمساهمة في علاج هذه القضية
-تنظيم دورات توعية لأسر المدمنين
-زيارات مفتوحة لجميع الديوانيات الشعبية لزيادة الوعي
-متابعة المدمنين التائبين بعد خروجهم من المستشفى وحل مشكلاتهم المالية والاجتماعية والنفسية
-عمل ديوانية أسبوعية للتائبين
-عمل إفطار جماعي كل خميس يعقبه مسابقة
-القيام بعمرة سنوية
-القيام برحلة الحج
-القيام برحلات بحرية وبرية
-تكريم من مضى عليهم عام
-اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
خطوات عملية.. منهج حياة
*ما الخطوات العملية التي تتشكل منها نظرية العلاج الإيماني؟ وما مدى أثرها في إقصاء المدمن عن تعاطي المخدرات؟
نحرص على تنفيذ العلاج الإيماني الذي ثبت أنه من أنجح الأساليب في مواجهة الإدمان؛ ولذلك نحرص على القيام بخطوات عدة منها:
-العلاج الطبي والنفسي: فلا بد من تنقية جسم المدمن في البداية من جميع الآثار السلبية التي سببها المخدر، خاصة أن المواد المخدرة تسبب الكثير من الأمراض النفسية مثل الفصام والكآبة وغيرهما من الأمراض.
-ترك رفقاء السوء: أكبر مشكلة يعاني منها المدمن وتسبب الانتكاسة تلو الأخرى، أصدقاء السوء الذين يترقبون خروجه من السجن وانتهاء فترة معالجته في المستشفى؛ ليعود إلى انتكاسة مرة أخرى، فكان أهم خطوة هي هجرانه لهؤلاء، وقطع الصلة بهم وتغيير أرقام هواتفه ومكان إقامته.
-مصاحبة الأخيار: من الأهمية أن يستبدل المدمن أصدقاء جددًا صالحين بأصدقائه القدامى حتى يتأثر بخصالهم الخيرة، ويقتدي بسلوكهم السوي.
-الابتعاد عن بيئة الإدمان: لا يكفي أن يبدل المدمن أصدقاء صالحين بأصحابه السيئين، ولكن لا بد أن يعتزل كل مكان يذكره بالماضي؛ حتى لا يسبب له تحديث نفسه بالعودة.
-القيام بالفرائض الدينية: لا يمكن أن تقوى هذه النفس على ترك المخدر، وتقوى الإرادة إلا بالاستعانة بما هو أقوى منه، وهو الله، وهذا لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال القيام بما أمرنا به من الفرائض والابتعاد عما نهانا عنه من الذنوب، يقول الله تعالى: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي" وهذا لا يخص الصلاة فحسب، بل باقي الفرائض أيضا كالقيام والزكاة والحج وبر الوالدين وغيرها.
-تقوية الجوانب الإيمانية: لا بد من تقوية النفس بالنوافل والقربات، كقراءة القرآن وحفظه وقيام الليل وصلاة الضحى والصدقات وحضور دروس العلم والمداومة على أذكار الصباح والمساء والعمرة وغيرها من الطاعات.
-شغل وقت الفراغ: الفراغ هو أحد أكبر الأعداء للمدمن أي الحرص على ربط المدمن بالرياضة والرحلات البرية والبحرية، وتدريس الأطفال واللعب معهم وزيارة الأرحام والقراءة والاشتراك في دور القرآن الكريم والنوادي الصحية وحضور مجالس العلم وغيرها.
-مراجعة الطبيب: لا بد للمدمن من مراجعة الطبيب بين فترة وأخرى، ليس لهدف الحصول على المزيد من الجرعات والحبوب المجانية بل لمتابعة الحالة الصحية، وتطورها وأخذ المزيد من التوجيهات والنصائح الطبية والنفسية، وللحصول على إجابة بعض التساؤلات مما يجده المريض من تبدلات صحية ونفسية تطرأ عليه بين الفينة والأخرى.
-التفكر: التفكر أسلوب فعال في معالجة النفس والارتقاء بها إلى الأفضل، كما أنه يقوي جانب الإصرار والثبات على التوبة، والتفكر الإيجابي ينحصر فيما يلي:
- يجب أن يتفكر فيما تكبده من خسائر منذ بداية الإدمان وحتى هذه الساعة.
- لا بد أن يتفكر في الموت وهو نهاية كل حي، وماذا سيقول لله تعالى بعد موته.
- عليه أن يسأل نفسه: هل هو سعيد أم تعيس؟ وما أسباب التعاسة؟
* ماذا أعد للآخرة من أعمال صالحة وسلوكيات حميدة؟
-الحذر من تزيين الشيطان : فقد يزين الشيطان للتائب العودة مرة ثانية إلى هذه المهالك كأن يقول له: اترك الخمر؛ لأن فيه التحريم، واذهب إلى مخدر آخر ليس فيه نص أو يقول لك: اترك الهيروين واذهب إلى ما هو أخف منه كالحشيش؛ حتى تسهل عليك التوبة أو يوهمك بالتدرج في الترك - كل ذلك وأمثاله من مداخل الشيطان التي لا ينتبه إليها الكثير من المدمنين ولا سبيل للوقاية إلا بالإكثار من الاستعاذة منه ومرافقة الشباب الصالح.
-المحاسبة: قبل أن يخلد التائب إلى النوم عليه أن يحاسب نفسه على ما قام به من الخطوات العشر السابقة، فإذا كان قد وفق للقيام بها جميعًا فهو على خير كبير، وهو على طريق الثبات والهداية والأمان من السقوط، والإخلال ببعضها يشير إلى خطر عظيم، وربما كان ذلك سببا في العودة إلى الإدمان والسقوط مرة أخرى
|