English

 

الثلاثاء. يناير. 2, 2001

حواء و آدم » بين الناس

 

حكايات المسنين.. حديث الزمن

عبير صلاح الدين

Image

هل تخيلت نفسك وأنت في سن السبعين؟ فقد تضطرك الظروف لأن تجلس وحيدًا بعد أن تخرج من عجلة الحياة الدائرة، أردنا الاقتراب من هذا العالم-عالم المسنين- الذي ربما يحرم كثيرًا من أهله من الاهتمام الذي تعودوه، وبقدر ما قد يعاني هؤلاء من الفراغ بقدر ما يحملون خبرة وتجارب سنين مديدة نستثيرها في حوارنا معهم؛ إذ آثرت أن أقضي هذا اليوم العزيز آخر أيام شهر رمضان وصبيحة يوم العيد في دار المسنين في إحدى ضواحي القاهرة.

الدار تتكون من مبنيين: الأول مخصص للأصحاء، والثاني للمرضى من كبار السن. صفوف من الممرضات والعاملات يقمن بتوزيع علب الكعك والبسكويت ـ التي تعوّد المصريون جميعًا أن يستقبلوا بها العيد ـ على غرف المقيمين، وعلى وجوههن ابتسامة.

الدار جمعت الابنة والأم

بدأت رحلتي من حجرة ماما زهرة (65 سنة)، الغريب أنها تعيش في الدار مع أمها (87 سنة)، قالت لي وهي تستعد للخروج؛ لقضاء العيد مع أبنائها: لي ثلاث بنات متزوجات وابن متزوج أيضاً، تزوجت البنات ثم مات زوجي، وكانت أمي قد كبرت في السن، فلم تستطع خدمة نفسها؛ فطلبت منها أن تعيش معي، لكن ابني تزوج معي في (الشقة) الصغيرة نفسها، وتعبت من المسئولية الكبيرة خاصة بعد أن أنجبت زوجته، وأصبحت تترك لي الطفل لتذهب إلى عملها، وكان علي رعاية أمي المريضة وعمل المنزل والطعام ورعاية الطفل؛ ففكرت في أن أترك لابني وزوجته المنزل، وأعيش مع أمي في الدار، وبالفعل نفذت ما قررته رغم اعتراض ابني وبناتي، لكني أشعر براحة كبيرة هنا، وأمارس العمل في جمعية أهلية، وأخرج لزيارة أقاربي وأولادي، وأذهب أيضاً إلى النادي، وأترك أمي وأنا مطمئنة عليها؛ لأنها في رعاية الدار حتى أعود، وسأقضي العيد مع أبنائي وأعود إلى الدار.

البني آدم ثقيل

هكذا لخصت ماما فهيمة (75 سنة) رؤيتها في عبارة وأضافت: لو عشت مع ابنتي فزوجها ليس ابني، ولو عشت مع ابني فزوجته ليست ابنتي، ومن يتحملك شهرًا لن يتحملك الشهر الثاني؛ ولهذا قررت أن أترك شقتي بعد أن ضعف بصري، ولم أعد أقوى على خدمة نفسي، أما العيد فأقضيه بأكمله معهم وأعود ثانية إلى الدار.

لم يحتملوها

ولفت نظري صوت سيدة كانت تصرخ في الممرضات دون سبب، فعرفت من ماما فهيمة أن لها ثلاث فتيات متزوجات، وتبلغ (76 عامًا) وفُوجئت بإحدى بناتها تقدم بها في الدار دون أن تعرف، ولم تكن ترغب في ترك بيتها، لكنها كانت في حاجة إلى من يخدمها بعد أن كسرت ساقها، وتنقلت بين بيوت بناتها الثلاث ولم تتحملها أي واحدة منهن، ولا يزورها إلا إحدى حفيداتها؛ ولهذا فهي غريبة الأطوار، تصرخ أحيانًا، وتنتابها حالات اكتئاب شديدة في أحيان أخرى، وتذهب لتتمشى بمفردها في الشارع ثم تعود.

بابا حسين كاراتيه

وفي الدار المخصصة للمرضى أو المحتاجين إلى رعاية خاصة، كان يجلس في الفناء أو (النادي) بابا حسين علي إبراهيم على أحد المقاعد وبجانبه عصاه، ملامحه تدل على بقايا وسامة رغم تجاعيد الزمن، سلم علي وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، لم أتوقع قط أن يخبرني أنه يبلغ واحدا وتسعين عامًا لشدة تركيزه وذكائه خلال حديثه معي، لكنني دهشت عندما أخبرني أنه لم يتزوج طوال حياته رغم أنه مهندس زراعي وعمل في أكثر من مجال وكثير السفر.

قال لي بابا حسين: منذ أكثر من خمسين عامًا وأنا عضو بالنادي الأهلي، أشارك في كل الألعاب والرياضات كالسباحة والتنس والرماية، وكنت أول من أدخل لعبة الكاراتيه لكبار السن عام 1970، ويعرفني كل من بالنادي الأهلي حتى الآن بحسن كاراتيه، وكنت أمارس هذه اللعبة حتى 1994 إلى أن أصبت في حادث سيارة عندما كنت أعبر الطريق وكسرت ساقي ولم أعد أقوى على الحركة دون استخدام العصا بعد مرور 6 سنوات من العلاج الطبيعي، لكن التئام العظام وعودتها كما كانت شبه مستحيل في هذه السن.

سألته: ولماذا لم تتزوج؟

قال لي بابتسامة: لأني أدركت أن الزواج وتكوين الأسرة مسئولية كبيرة جدًّا ولم أكن أقوى على تحملها.

وخلاصة تجربتي في الحياة أن راحتي تعب وتعبي راحة، وأن الحياة عمل والأمل حياة.

عجلة الزمن تتباطأ

ثم قال لي: هل ستأتين لزيارتنا مرة أخرى؟

قلت له: نعم، فقال: ليتك تأتين؛ فالوقت هنا يمر ببطء، وكل نزيل له غرفة لا يريد أو لا يستطيع أن يرتكها، وتسليتي الوحيدة هي التليفزيون في الصباح، وبعد ذلك أنتقل لسماع محطات الراديو المختلفة، يزورني ابن أخي كل فترة، وأحيانًا يزوروني أصدقاء من النادي وربما أخذوني معهم لساعات أقضيها معهم في النادي، ثم يعيدوني إلى هنا، وفيما عدا ذلك فلا يزورونا إلا شيخ مرة كل أسبوع؛ ليعطينا دروسًا في الدين ونسأله نحن بعض الأسئلة، وفي الإثنين الأول من كل شهر تقيم الدار حفلة لمواليد هذا الشهر، وتقدم لهم الهدايا والحلوى، وأحيانًا يزورنا طلاب من الجامعة الأمريكية من المتطوعين.

وامتد حديثي مع بابا حسين لأكثر من ساعتين تكلمنا عن الانتفاضة والسد العالي والبطالة، وتكاليف الزواج الآن وأشياء أخرى كثيرة، وكأنه يريد أن يقول لي كل شيء، وبعدها أوصلني إلى أخته فاطمة في غرفتها.

أسرار جمال عبد الناصر

قالت لي ماما فاطمة التي لا يخلو وجهها من وسامة رغم تجاعيد الزمن وخلو فمها من الأسنان تمامًا: كنت أعمل في دار أخبار اليوم الصحفية، وكنت أكتب المقالات والموضوعات التي يكتبها المحررون على الآلة الكاتبة؛ لأن خطوطهم كانت رديئة جدًّا، ثم يقرءونها مرة أخرى ثم يرسلونها إلى المطبعة، وفي أيام الرئيس جمال عبد الناصر كانت هناك قضايا سرية لا يريدون لأحد الاطلاع عليها، وكانوا يعزلونني في غرفة بمفردي لأكتبها وأطبع لهم نسخًا كربونية منها، ثم أقطع كل الأدوات التي أستخدمها مثل الكربون وغيره، وأنسى كل ما كتبته بعد خروجي من الغرفة تمامًا، ولا أذكر ذلك أمام أي أحد.

لماذا لم تتزوج؟

تركت ماما فاطمة، وانتقلت إلى غرفة ماما حكمت محمد حسين (94 سنة)، التي لم أشعر ناحيتها مثلما شعرت تجاه (ماما فاطمة وأخيها) رغم أنني أشفقت عليها كثيرًا.

قالت لي: لم أتزوج طوال حياتي والحمد لله، وقد طلبت ذلك من الله حتى لا يتحكم فيَّ أي رجل، ولا أندم على أنني لم أتزوج، زمان كان الرجال يقهرون النساء، أما الآن فالوضع تغير بعد أن تعلمت الفتيات، وأصبح لهن مكانة وعمل ووظيفة مثل الرجال.

وأكملت: منذ أكثر من سبع سنوات وأنا مقيمة في الدار، في العيد يزورنا الأهل، وبعض الأيام يزورنا ممرضات من معهد التمريض، وطالبات من معهد الخدمة الاجتماعية، ويسألوننا بعض الأسئلة ويقضون معنا اليوم، ويساعدن العاملات هنا في تقديم الطعام إلينا، وفكرة إنشاء دور للمسنين فكرة عظيمة ساعدت الكثيرين والكثيرات، والكثيرون يريدون الإقامة هنا لكن يقولون لهم عندما يكون لدينا غرف شاغرة، والغرفة الشاغرة هنا معناها موت أحد المقيمين أو المقيمات بالدار، وكم توفيت لي زميلات كن معي في الدار، وكم أتى بعدهن!!

زجاجة عطر من بريطانيا

ثم اصطحبتني ماما حكمت إلى صديقتها (أم فتحي) وغرفتها بعد غرفتين من غرفة ماما حكمت، وتقيم منذ 12 سنة بالدار، وتبلغ من العمر (85 سنة) ولا ترى بعينيها إلا قليلاً جدًّا، قالت لي (أم فتحي): لي ابن واحد هو فتحي. ثم سافر فتحي بعد أن تزوج إلى بريطانيا، وفي إحدى زياراته لمصر كان زوجي قد توفي وعشت ثمانية أعوام بمفردي، لكن فتحي كان يبعث لي بالمال، ولاحظ أن البيت الذي أعيش فيه آيل للسقوط، فأتى بي إلى هنا منذ عام 88 وعلمت بعدها أن بيتي قد وقع في الزلزال عام 1992، ولا يأتي فتحي لزيارتي إلا مرة كل عام؛ لأنه مقيم ببريطانيا منذ 25 عامًا مع زوجته وأولاده، لكن صديقه وزوجته يقومان بزيارتي دائمًا كل شهر ويدفعان لي أجرة الغرفة ويأتيان لي بكل ما أطلبه، زارني فتحي بالأمس ولم أكن قد رأيته منذ ثلاث سنوات حتى ظننت أنه توفي، ولا يريد صديقه إخباري بذلك، وهو موجود بمصر لمدة شهر ووعدني بالزيارة أكثر من مرة، لكنه أتى لي بزجاجة عطر (عادية) وأخرجت أم فتحي من تحت البطانية التي تتغطى بها زجاجة عطر محلية، وقالت لي: سأطلب منه أن يأتي لي بزجاجة عطر من بريطانيا، فأنا أحب العطر ولا أستغني عنه أبدًا، لفت نظري ثلاث زجاجات عطر فارغة بجانب سرير أم فتحي.

رفض الحديث معي

كان هذا هو الأستاذ فايز، بل قد أمر جليسته التي تقوم بخدمته بألا تتحدث معي أيضاً، وعرفت بعد ذلك أنه مصاب بشلل رباعي ويبلغ (65 عامًا) ولم يتزوج، ويتناول بعض الأدوية التي تصيبه بالعصبية، ويأتي إخوته لزيارته يوميًا.

مضى أول أيام العيد بين هؤلاء الأصدقاء الجدد بالنسبة لي الذين أحببت بعضهم بالفعل ولم يزد شعوري نحو البعض الآخر عن مجرد الشفقة، لكني صممت على العودة إليهم قريبًا وزيارتهم، ولن أنسى أن آخذ معي زجاجة عطر لأم فتحي، تركت الدار.. لكني ما زلت أفكر في معنى دعوة: أطال الله عمرك(!!)


  صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم