English

 

الخميس. سبتمبر. 28, 2000

حواء و آدم » بين الناس

 

الانتفاضة..كيف تبني وعي الصغار؟

حواء وآدم

سالت الدموع منهمرة من أعين الكثير؛ كبيرًا كان أو صغيرًا، من مختلف الجنسيات والاتجاهات عندما غنى جمع من 38 فنانًا من مصر وبعض الدول العربية "القدس هترجع لنا". الأغنية جسدت بصدق مشاعر ملايين المصريين وملايين العرب والمسلمين؛ قالت إحدى الفنانات: ما زلت في حالة ذهول لما حدث..وقبل أن تكمل حديثها الكلمات الحزينة تتداخل، وكان من الصعب فهم ما تقول، إلا أن إحدى الفنانات ردت قائلة في حسم لا ينقصه الصدق أو الإخلاص: "لا تخافي سوف نبني وعي أولادنا سوف نربيهم على معرفة حقيقة ما يحدث ولمَ حدث".

دور الأم في بناء الوعي

استوقفتني الكلمة "وعي أولادنا" نعم إنه دور الأم كل أم بدون استثناء الآن. بناء الوعي: "ماذا حدث؟.. لمَ حدث؟.. أين وكيف كانت البداية؟.. هل هي يوم أن زار شارون ساحة المسجد الأقصى أم هي أقدم وجذورها أعمق من ذلك؟.. لماذا مات الطفل محمد؟.. لماذا يموت غيره وغيره؟.. وكيف الخلاص من كل هذا؟ لماذا؟.. وكيف ندعم الانتفاضة؟ وما الهدف من الصمود والمقاومة؟.. وفي النهاية كيف سينتصر العرب والمسلمون؟.. وكيف ننجو نحن من "المهالك"؟.

من أين نبدأ؟

كيف نبني الوعي؟ كيف نبدأ؟ وما هي الخطوات العملية في سبيل ذلك؟.

كيف نبدأ؟ الآن .. الآن، علينا -كأمهات- أن نستغل الأحداث الجارية في بناء وعي الأطفال بالقضية الفلسطينية وبقضايا الأمة، دونما تسويف أو تأخير.

أما كيف يكون ذلك، فيقول أ. تامر جمال حسني أخصائي التوجيه والإرشاد النفسي: إن الشرط الأساسي لأي كلام يدور حول هذا الموضوع مع الصغار هو "الهدوء والطمأنينة والثقة بالله، واليقين بنصر الله؛ "لأن هذه الثقة وهذا اليقين هما اللذان يولدان نوعًا من الاتزان الانفعالي والطمأنينة النفسية، فإن هذا الإحساس يسري وينتقل للطفل سواء استطاع أن يفهم معني كلام الأم أو لا؛ فالإحساس ينتقل لو لم ننطق بكلمة واحدة.

ربط الأسباب بالنتائج

أما الأستاذ محمد حسين -المستشار التربوي بوزارة التربية والتعليم المصرية سابقاً- فكان رأيه أن الأطفال من سن السادسة يستطيعون أن يدركوا، وأن يربطوا بعض الأسباب بالنتائج، ولكن في حالة الانتفاضة علينا القيام بالشرح والتفسير والمناقشة لكل ما يشاهدونه؛ فالأطفال الصغار يميلون إلى الاستماع إلى قصص البطولة والواقع، وأي واقع وبطولة أسمى  من بطولة أطفال الحجارة، كما يمكن استغلال رغبة الطفل الشديدة في الاستطلاع والكشف عما حوله، فالطفل دائم السؤال كثير الإلحاح، يظهر رغبة ملحة في الحصول على الإجابات؛ وهذه فرصة عظيمة للتوعية بتاريخ القضية.

اليقين والثقة بالله

اليقين والثقة بالله هما عاملان أساسيان بدونهما يمكن أن تسبب مناظر الانتفاضة قلق وتوتر نفسي، وأحلام مفزعة ليلاً. هناك ميزان حساس لضبط انفعالات الأطفال ميزان في إحدى كفتية الواقع المرير ومناظر القتل والدمار والتشريد وفي كفته الأخرى الإيجابيات المعنوية وراء الانتفاضة كوحدة العرب (حتى ولو كانت شكلية)، عودة إحساس الأخوة إلى قلوب الشباب والأطفال والكهول.

الفرصة سانحة الآن لمعايشة الأطفال للأحداث خاصة في ظل الإنترنت الفضائيات.

"المشاركة الوجدانية"

بناء الوعي عملية لا تنتهي بمجرد سرد لقصة أو غناء أغنية، أنها عملية تحتاج إلى استمرار، فالوعي هو جزء من شخصية الإنسان، وإذا كان هدفنا بناء جيل واعٍ فاهم مدرك للقضية بكافة أبعدها؛ علينا إذاً أن نعد أنفسنا كأمهات وآباء إلى مهمة صعبة طويلة المد، علينا أن نعيش مع القضية في كل لحظة من لحظات حياتنا:

- إذا جاء موعد الإفطار نقوم الأم بالتذكير أن نعمة الطعام الوفير محروم منها إخوة لكم هناك في فلسطين على بعد مئات الكيلومترات.

- إذا انقطعت الكهرباء أو الماء تقوم الأم بطمأنة الأطفال وتقول لهم أنه أمر طارئ، ولكن هناك في فلسطين هو أمر قد اعتادوا عليه.

- إذا أراد الطفل الاحتفال بيوم ميلاده مثلاً تذكره إنه لا يمكن لنا أن نحتفل الآن احتراماً وإجلالاً لموت شهداء الانتفاضة.

- إذا رأى الطفل فيلمًا كرتونيًا فيه عنف وقتل توضح الأم الفارق الهائل بين الموت بسبب مشادة دموية وبين الشهداء في سبيل الله …

- عند رؤية هدم المنازل تشرح الأم بهدوء وثقة أن الله لن يضيع هذه الأسرة.

- إذا أرادت أن تثيبه تقول له: "يا بطل"، وإذا بكي بسبب تافه تقول له: "هل يبكي بطل الغد، المجاهد في سبيل الله؟‍".

- إذا أرادت الفتاة شراء دمية باربي تشرح لها بهدوء وطمأنينة أهمية المقاطعة.

- الاستفادة من مواهب الأطفال بهدف تعميق الوعي، فالرسم والغناء لفلسطين وأطفال فلسطين يمكن أن يعلبا دوراً مهماً في هذا الصدد.

- حضور المناقشات الهادئة حول القضية يمكن أن يساعد بطريقة غير مباشرة في بناء الوعي.

- المشاركة في المقاطعة والإثابة عندما يثبت الطفل قدرته على الاستغناء عن منتجات أو مطاعم كان قد اعتاد عليها من قبل.

أسلوب قديم يمكن الاستفادة منه

وفي النهاية نذكر كافة الأمهات بهذه الاستراتيجية:

كان الشيوعيون في بداية القرن بداية عهد الشيوعية يهتمون ببناء "الشخصية السوفيتية الإلحادية" فكانوا يأخذون الأطفال في دور للتنشئة ويسمعونهم كل يوم عن طريق الشرائط المسجلة مبادئ الشيوعية، وحتى يتشربوها يهضموها، وتتشكل بها شخصية ووعي الأطفال، هكذا أرادوا بناء جيل شيوعي يؤمن بمبادئ ماركس حتى النخاع.

ألا يدلنا ذلك على أهمية قصص ما قبل النوم؟‍‍! لماذا لا نحكي لهم بطولات: صلاح الدين الأيوبي، عز الدين القسام، عبد القادر الحسيني؟، كيف أعدوا، وكيف جاهدوا ولم يستكينوا؟ أين قطز وبيبرس في قصصنا؟ أين الصحابة في قاموس حياتنا اليومية.

إن خلت معاجمنا اليومية من هذه الكلمات فلنأخذ بالمثل الإنجليزي القائل:

It’s never too late

ليس هناك توقيت متأخر عندما نبدأ

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم