|
أطفال أفريقيا الذين لا يراهم أغلبنا إلا على شاشات التليفزيون يعانون الفقر بسبب المجاعات أو لأنهم لاجئون بسبب الحروب والنزاعات المختلفة، وتصورهم شاشات التلفاز بثياب رثة، ينتظرون الطعام من المعونات التي تصل إليهم، وقد أصاب أغلبهم سوء التغذية الذي لم يترك في أجسادهم سوى العظام والجلود وكأنهم هياكل عظمية تعاني من انتشار الأوبئة والأمراض، بل أية حيلة للمقاومة أو الأمل…
هذه الصورة مختلفة تمامًا عما رأيناه في مؤتمر "أطفال أفريقيا" ، فقد وجدناهم أصحاء.. يرتدون ثيابًا تشبه ما يرتديه أطفالنا، مرحين، لديهم أمل كبير في تغيير أوضاعهم التي يعرفونها جيدًا، خاصة بعد أن بدا العالم يستمع لصوت الأطفال ويشركهم في مناقشة أوضاعهم، ولكن ما سمعناه منهم عن هموم القارة السمراء جعلنا نشفق عليهم من ضآلة احتمالات التغيير، ونتمنى أن تناقش قضايا القارة مناقشة تأخذ في الاعتبار خصوصية الوضع الإفريقي بدلاً من فرض أجندة تدويل للقضايا والمعالجات دون التفات لأية خصوصية.
ففي تجربة تُعد الأولى من نوعها- وإن كانت تجاري اتجاها دوليا ظهر في الدورات التحضيرية لقمة الأمم المتحدة للطفل بنيويورك - تجمع أكثر من 60 طفلاً (سنهم دون الثامنة عشرة) من أكثر من 22 دولة أفريقية قبل يومين من انعقاد المؤتمر الأفريقي الأول للطفولة ومستقبلها الذي يُعقَد في القاهرة من 28 إلى 31 مايو، وتشارك فيه وفود 53 دولة أفريقية من أجل تبني موقف أفريقي موحد لتهيئة حياة أفضل للأطفال في القرن الحالي، والذي يُمهّد للمؤتمر الذي ستعقده الأمم المتحدة في سبتمبر من هذا العام تحت عنوان "مستقبل الطفولة في القرن الحالي".
تجمع الأطفال من أجل طرح ما يعانونه في بلادهم من مشكلات وتصوراتهم لحلها خاصة، وأنه سيكون ضمن المتحدثين في جميع محاور المؤتمر أحد الأطفال يمثل أطفال أفريقيا في جميع المناقشات ويشارك الآخرين في التعقيبات وطرح التوصيات؛ لهذا فضلنا أن نكون معهم ونستمع من خلالهم إلى صوت أفريقيا.
أيتام الإيدز ثمرة الدعارة
كانت البداية مع (كارديج ـ 18 عامًا من زيمبابوي) الذي قال لنا: اشتركت في عدة مؤتمرات عن حقوق الطفل كان آخرها الذي عُقد في جنوب أفريقيا، لكن هذه المرة الأولى التي أشارك فيها في مؤتمر يحضره ممثلو اليونيسيف ومنظمة الوحدة الأفريقية والسيدات الأول للدولة المشاركة، والمرة الأولى التي التقي فيها بأطفال من جميع أنحاء قارة أفريقيا.
وأضاف: أن هناك بعض المشكلات التي يُعاني منها الأطفال في بعض الدول والأخرى يعانيها الأطفال في جميع أنحاء القارة، لكن أهم مشكلة تواجه الأطفال في زيمبابوي هي مشكلة مرض الإيدز الذي يخلف وراءه العديد من الأطفال الأيتام؛ بسبب موت الأب والأم بهذا المرض، ويبقى هؤلاء الأطفال في الكثير من الأحيان في الشوارع بلا مأوى وبلا قلب يحبهم ويعطف عليهم، ويموت أكثر من 4 ملايين طفل بسبب الإيدز في زيمبابوي، والمشكلة ما زالت مستمرة؛ فالإيدز ينتقل من الأم إلى الطفل، والفقر يدفع الكثيرين إلى أن يسمحوا للفتيات والسيدات بممارسة الدعارة!!.
وحل هذه المشكلة من وجهة نظر (كارديج ) هو توفير فرص العمل لمن لا يجدها حتى لا يضطر لممارسة الدعارة، أما بقية المشكلات التي يعاني منها الأطفال في زيمبابوي؛ فأهمها عدم الحصول على الطعام الجيد بسبب الفقر.
ورغم هذا- والكلام مازال لكارديج – "فلدينا الكثير من وسائل التكنولوجيا الحديثة في التعليم والاتصال بشبكة الإنترنت، لكن في المدارس ذات المصروفات العالية التي لا تُتاح لجميع الأطفال"، وهنا تقول إيفون ماينجي ـ 13 عاما ـ كينيا ـ والتي تمثل منظمة "الحق" في الحياة للطفل بكينيا: الإيدز ليس المشكلة الأولى لدى أطفال كينيا، لكن الأهم هو ظاهرة أطفال الشوارع والأطفال المشردين الذين تركوا بيوتهم بسبب الفقر؛ لأن والديهم لا يستطيعون توفير المأكل أو الملبس لهم ويعيش أغلب هؤلاء في الشوارع.
وتضيف: "لقد بدأ الاهتمام الآن بأخذ رأي الأطفال ومشاركتهم عند مناقشة العديد من الموضوعات، خاصة في مجال البيئة؛ حيث يشارك الأطفال أنفسهم في حمايتها، وما أريد أن أقوله لحكومات الدول الأفريقية هو: استمعوا إلى صوت الأطفال".
اغتصاب الرضع.. غياب الدين والردع
أما صوفيا – 15 سنة - من أثيوبيا فتقول: إن الحكومات تصدق على اتفاقيات حقوق الطفل فيما يتعلق بحقه في التعليم والرعاية الصحية، لكن الكثير منها لا ينفذ، ولدينا في أثيوبيا مشكلة كبيرة جدًا هي مشكلة اغتصاب الأطفال، وتعتبر المشكلة الأولى في أثيوبيا؛ لدرجة أن هناك اغتصابا للرضع، وهذه المشكلة تتفاقم لعدم وجود أساليب قانونية رادعة لمثل هذا الفعل، بالإضافة لقلة الوازع الديني، وتحاول الحكومة مقاومتها بزيادة الوعي خاصة لدى الذكور بخطأ هذه الجريمة.
حركات التمرد وتجنيد الأطفال
أما علاء محمد عثمان الأرباب ـ 14 سنة ـ من مدينة القضارف بالسودان، فيقول: إن الطفل السوداني يعاني بسبب الحرب الكثير من المشاكل، فرغم ما توفره الحكومة من مدارس ومستشفيات نجد أن حركة التمرد تدمر الكثير منها وتحرم الأطفال من حقهم في التعليم، وتقوم حركة التمرد أيضًا بتجنيد الأطفال دون سن 18 عامًا رغم مخالفة هذا للقانون السوداني، وبعض الدول أو الجهات تستغل ظروف الحرب لنقل بعض الأطفال من السودان إلى دول أخرى، وكان آخر هذه الحوادث ما أثارته وسائل الإعلام في السودان، تلك القضية التي أشارها أهل طفل سوداني تم نقله لأمريكا.
ويتابع علاء: أوضاع الأطفال في السودان جيدة في كثير من النواحي الأخرى؛ فيكفي أن لدينا تعليما مجانيا بحيث يمكن للأطفال الفقراء تلقي تعليمهم، وقد دخلت التكنولوجيا الحديثة إلى أغلب المدارس، ولدينا احتفال سنوي يقام للطفل بالسودان، كان آخره ما عُقد بمدينة "تسله"؛ حيث عقد الأطفال ما يشبه البرلمان ورفعوا مطالبهم لمستشار رئيس الجمهورية لشئون الطفل والمرأة.
مشاكل التعليم.. المشترك الأعظم
ويأخذ الكلمة جوزيه من أنجولا – 16 – قائلا: مشاكل أطفال أفريقيا قريبة من بعضها، والكثير منها حول حق التعليم، فالمدارس غير كافية ووسائل المواصلات إليها غير متوافرة، والنظافة أقل مما يجب، والبنات لا يحصلن على فرص التعليم نفسها، خاصة في المدن الصغيرة البعيدة عن العاصمة، ولذلك نطالب الحكومات بزيادة وعي الأسر بهذه القضية وأن يشجعوا بناتهن على التعليم.
وهنا تصف إيفون ماينجي ـ 13 عاما ـ كينيا ـ المشكلة الثانية لبلادها بأنها حرمان الكثير من الأطفال في كينيا من حقهم في التعليم بسبب الفقر أيضًا، فلا يوجد تعليم مجاني، والمدارس الحكومية مرتفعة التكاليف والمصروفات، ولا يخصص للأطفال ميزانية كبيرة على مستوى ميزانية الدولة.
ومن مصر تقول دينا عبد الحميد – 16 سنة – نحن الآن نطالب بنوعية تعليم متميزة، فلم يعد التعليم بشكله التقليدي هو ما يرغب فيه أطفال مصر، ولهذا يسافر الطلاب القادرون (الأغنياء) لتلقي تعليمهم في الدول المتقدمة، وأهم ما يميز هذا التجمع هو أن الأطفال يتحدثون بصراحة دون خوف حتى في تلك الأشياء التي يخشون من الحديث فيها داخل البيت أو داخل المدرسة، فالفرصة متاحة هنا للحديث فيها بشجاعة ودون خجل.
أما هاجر أمين – 13 سنة – تونس – فترى أن الأطفال عليهم مسئولية يجب أن يقوموا بها، وهي مناقشة مشاكلهم دون خجل أو قيود، وطرح الحلول لها، وهذا هو طريقهم للقيادة في المستقبل، والتي يجب أن تقوم على الاستماع لكل الأصوات في المجتمع بما فيها صوت الأطفال، وتوفير الكثير من الميزانيات والأموال التي تنفق على شراء الأسلحة من أجل أن توفر للأطفال تعليما أفضل يمكنهم من البحث العلمي والتحكم في التكنولوجيا؛ لنستطيع مزاحمة البلدان المتقدمة، ففي الجزائر تكتظ الفصول الدراسية بالأطفال بحيث لا يستطيعون الحصول على المستوى العالي المطلوب من التعليم، والمعلمون ينجذبون إلى المدارس الخاصة التي تدفع أكثر، ولذلك نطالب بلجنة خاصة من الأطفال تحضر جميع اجتماعات منظمة الوحدة الإفريقية.
طالب في مجلس الإدارة
هذه هي التجربة التي عرضها أنور العيفي – تونس – 17 سنة – فقد كان يعرض التجربة التونسية في تطوير المؤسسة التعليمية والتي بدأت تحت "مشروع المؤسسة"؛ حيث وجدوا أن بعض المدارس لها مشكلات محلية لا يعرفها من يقومون بتسطير السياسات العامة للتعليم، فكان الاقتراح هو بمشاركة الطلاب بالمدارس مع الأساتذة وأولياء الأمور في مجالس إدارة هذه المؤسسة، بهدف تطوير وتحسين ظروف المؤسسات ومردودها التعليمي، وقد وجدت هذه التجربة نجاحًا كبيرًا؛ لأنها أشركت الطلاب لأول مرة في اتخاذ القرارات الخاصة بمدارسهم.
وفي الإطار نفسه يعرض محمد كمال الزهيري – 18 سنة - مصر- الحاصل على المركز الثالث على العالم في مسابقة think weast الدولية، فيعرض تجربة مصر في إدخال تكنولوجيا المعلومات، ودور تكنولوجيا المعلومات في حياة الطفل في أفريقيا، واعتبار تكنولوجيا المعلومات حق من حقوق الطفل التي يجب أن يحصل عليها.
وأخيرًا قال لنا "عصام علي" منسق ورشة عمل الأطفال: إنه تم تقسيم الأطفال المشاركين بالمؤتمر إلى ست مجموعات عمل قبل المؤتمر بيومين لتجميع أفكار كل مجموعة؛ حتى يتسنى لها اختيار ممثل عنها يتحدث عن كل أوضاع ومتطلبات الطفل الأفريقي بشكل عام، حيث لن يتحدث أي طفل عن مشكلة خاصة في بلد معين، وذلك من خلال ستة محاور هي: التعليم، والإيدز، والصراعات المسلحة، ودور الشباب والأطفال في تغيير المجتمعات، ونمو الأطفال ومشاكلهم الصحية، وتكنولوجيا المعلومات ودورها في حياة الأطفال.
وهذه هي المرة الأولى التي يشكل فيها الأطفال وفودا رسمية لبلادهم في مؤتمر أفريقي، للخروج بموقف واحد لأفريقيا كلها تجاه الأطفال، وعبّر أغلب الأطفال عن أملهم في التقليل من الإنفاق على التسليح وتوجيه هذه الميزانيات إلى الإنفاق على التعليم والصحة، وطالبوا بوجود هيئة دائمة أو برلمان للأطفال يندرج تحت منظمة الوحدة الأفريقية، هكذا يدق أطفال القارة السمراء ناقوس الخطر ليلتفت لهم الكبار قبل أن يجبروا على إدارة أزماتهم بشكل لا يخدم مصالح القارة وأبنائها صغاراً كانوا أم كباراً .
صحفية مصرية
|