English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 6, 2005

حواء و آدم » أب وأم » عالم الدراسة » فنون المذاكرة

 

مناورات عائلية لحرب دراسية جديدة

عزة تهامي

Image

قمت صباح هذا اليوم وأنا في حالة مزاجية سيئة، ولولا أنني وعدت صديقاتي للقائهن ما تحركت من البيت، ولكن قررت الذهاب لما قطعته على من وعد وأملا في أن يعتدل مزاجي، ذهبت أنا وأولادي إلى النادي والتقيت بصديقاتي، وانطلق - كالمعتاد - أبناؤنا للعب، وجلسنا نحن لنتجاذب أطراف الحديث، ولما لم تتحسن حالتي صرحت لهن بما يكدرني هذه الأيام، وتعجبت من أنهن يجدن ما أجد ويعانين ما أعاني -فيما عدا واحدة منا- فلم يتبق سوى أيام معدودة ويبدأ العام الدراسي بما يحمله من خبرات سيئة لنا ولأولادنا.

بدأت كل واحدة تعبر عن قلقها واستيائها بدءا من معركة الاستيقاظ مبكرا إلى حرب الجلوس للمذاكرة، إلى أعباء الواجبات المدرسية، إلى مفاوضات تحضير وتجهيز حقيبة المدرسة إلى مشاجرات النوم المبكر...

أسباب مريرة

طاحونة ندور فيها نحن وهم، تطحن كل شيء، الوقت والجهد والأعصاب فضلا عن العلاقة التي تسوء بيننا وتكاد تقتصر على كلمات معدودة: قم.. أسرع.. انته من الواجبات أولا ثم افعل ما تريد... اذهب للنوم حالا.

وكانت التعليقات على هذا الموضوع ساخرة أو مريرة، وبعضنا أرجع ذلك للنظام التعليمي وأنه يكبل الأطفال ولا يدع لهم فرصة للترويح أو حتى للتنفس، والبعض أرجعه إلى تكاسل الأبناء وعدم رغبتهم في تحمل المسئولية وانتشار ظاهرة الاستهتار واللامبالاة بين أبناء هذا الجيل، الكل أدلى بدلوه في هذا الأمر، الخلاصة أننا -وإزاء هذه الأمور الخارجة عن إرادتنا- أصبحنا لا حول لنا ولا قوة.

وتحولت الأنظار إلى الصديقة التي لم تنبس ببنت شفة وكانت تستمع إلينا في صمت حتى تعجبنا من أمرها وهي التي كانت تشاركنا هذا الرأي من عدة سنوات ولديها أطفال في أعمار أطفالنا.. فما بالها تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها؟!.

البحث عن مخرج

لكنها كسرت حاجز الصمت بعد أن تعلقت بها الأنظار قائلة: لما استفحل الأمر وساءت علاقتي بأبنائي وتوترت أعصابنا أنا وزوجي طوال العام الدراسي أخذنا نفكر بطريقة مختلفة، وكيف نستعد لعام دراسي دون متاعب وتوتر عصبي؛ فمنذ ثلاث سنوات تقريبا قررت أنا وزوجي أن نكف عن الشكوى وأن نبحث عن حلول عملية لمواجهة هذه المشكلة التي كدرت حياتنا، فاتفقنا أن حل المشكلة لا بد أن يكون في خطوات، كان أولها أن أصطحب أبنائي إلى مدرستهم قبل بدء العام الدراسي بأسبوع تقريبا لمعرفة ما استجد في المدرسة ولاستلام الكتب ولتحية المدرسين القدامى ممن درّسوا لهم وللتعرف على المدرسين الجدد و....

فقاطعتها إحدانا سائلة: وهل رضي أبناؤك بزيارة المدرسة قبل بدء العام الدراسي؟.

أجابت الصديقة: لضمان عدم اعتراض أبنائي على هذه الزيارة اتفقت مع بعض أمهات أصدقاء أبنائي أن نلتقي جميعا بالمدرسة ذلك اليوم، وبعدها نقوم برحلة أو نزهة أو نتناول الغداء في أحد المطاعم، وبهذا ارتبطت زيارة المدرسة بأمور يحبها الأطفال لدرجة أنهم هم الذين كانوا ينتظرون هذه الزيارة في نهاية الإجازة الصيفية بعد ذلك ويدخرون من مصروفهم تكاليف هذا اليوم.

استطردت الصديقة: وكان لهذه الزيارة فعل السحر فهي لم تمهد أبنائي نفسيا لاستقبال العام الدراسي فحسب بل جعلتني أتعرف على المدرسين الجدد لأبنائي في جو هادئ بعيدا عن توتر اليوم الدراسي؛ مما سهل علي مهمة لقائهم والتعرف على مشكلات أبنائي أولا فأولا، أو الاطمئنان على أحوالهم حتى إذا لم يكن هناك مشكلات بل إنني اشتركت في مجلس الآباء، ولأن علاقتي كانت طيبة معهم فكانت معظم اقتراحاتي موضع نظر وتقدير بل نفذت كلما أتيحت الفرصة، والأجمل أننا -أنا ومجموعة من الأمهات - عرضنا بعض الخدمات التي نستطيع أداءها مع المدرسة مثل الإشراف على بعض الحفلات أو اليوم المفتوح، ومنا من كانت تتبرع بعمل الحلويات في المناسبات المختلفة، كما أسهم بعضنا في حياكة بعض الملابس اللازمة للمسرحية التي تقدم آخر العام، بل قمنا بتفعيل بعض الأنشطة التي لم يكن موجودا إلا اسمها فقط مثل الصحافة والنادي العلمي، وهناك العديد من المشروعات التي نأمل أن نحققها في يوم من الأيام.. فطموحاتنا كبيرة.

أخلص للفكرة تحققها

كانت عيوننا معلقة بهذه الصديقة نستمع إليها وكأن على رءوسنا الطير، وبرغم الأسئلة الكثيرة التي كانت تدور في أذهاننا فإننا كنا نلتزم الصمت حتى تنتهي أو تتوقف قليلا لاحتساء قهوتها فننهال بالأسئلة.. فبادرت إحدانا قائلة: هذا الأمر يحتاج إلى تفرغ وليس لدينا وقت فهناك "مليون حاجة" لأدائها في اليوم الواحد.

ابتسمت الصديقة قائلة: ظننت ذلك في بادئ الأمر وأنت محقة تماما إذا كنت بمفردك في هذا الميدان؛ ولذا بدأت بدعوة بعض الأمهات في جلسة ودية في بيتي وكنا يومئذ أكثر من 20 أما ولم يستجب ويتحمس لفكرتي في تفعيل دور مجلس الآباء سوى اثنتين من الأمهات، وبعد عامين بدأ العدد يتزايد وخاصة أنهن وجدن ثمار هذا المجهود في الأنشطة المختلفة التي دعمتها الأمهات، لم يكن الأمر سهلا أو يسيرا بل كان هناك -وما زال- عقبات كثيرة أمامنا، لكن تعلمت أنه من أخلص لفكرة فاز بتحقيقها.

معارك يومية

سألتها قبل أن تسرع غيري: وماذا عن مشكلات الاستيقاظ والواجبات والنوم مبكرا؟.

أجابت الصديقة: كان الأمر في بدايته مرهقا متعبا لدرجة كبيرة وذلك لتعود أبنائي على عادات سيئة..

قاطعتها قائلة: ليس المهم أن نتعب في البداية، المهم أن يكون لهذا التعب ولهذا التوتر نهاية..

تابعت الصديقة: سأحكي لكم تجربتي عندما حاولت تبديل العادات السيئة التي نمارسها جميعا مع أبنائنا من معارك الاستيقاظ والمذاكرة والنوم بعادات أخرى أفضل، ناقشنا - أنا وزوجي - هذه المشكلة مع الأبناء قبل بدء العام الدراسي، فبدأنا بمشكلة الاستيقاظ وبعد أن تبادلنا الاقتراحات توصلنا إلى أن كلا منهم مسئول مسئولية تامة عن الاستيقاظ بمفرده، وأن يستخدم في ذلك إما منبها خاصا به أو يوقظه من استيقظ من إخوته قبله، وأن "بابا وماما" لن يوقظا أحدا منهم، على أن ينتهي كل منهم من غسل الأسنان والوضوء والصلاة وارتداء ملابس المدرسة قبل موعد سيارة المدرسة ما بين ثلث ونصف الساعة ليجلس الجميع إلى مائدة الإفطار لنستمتع جميعا بتناول الفطور معا.

أسرعت: وهل تم تنفيذ الاتفاق؟.

الصديقة: في بادئ الأمر لم يلتزموا، بل منهم من كان يتأخر عن الموعد ولا يذهب للمدرسة، وبالطبع قد التزمنا أنا ووالدهم بما اتفقنا عليه فلم نوقظهم ولم نصحح أخطاءهم، بل تركنا كلا منهم يتحمل نتيجة سلوكه واختياره، وكان هذا الأمر يبدو صعبا علينا في البداية، لكننا صبرنا قليلا وخاصة في بداية العام الدراسي فلم يفوتهم الكثير.

لكني بادرتها قائلة: هذا بالضبط ما يريده أبناؤنا أن يتأخروا عن المدرسة فلا يذهبون إليها فهذه جائزة وليس عقابا..

مناورات تأديبية

الصديقة: هذا صحيح إذا كان الأولاد لا يحبون المدرسة وكان هذا دأبهم قبل تفعيل الأنشطة بالمدرسة، أما الآن وبعد اشتراك أبنائي في أكثر من نشاط فالأمر اختلف تماما، فيمكن أن يُحرموا من النادي الآن ولا يحرموا من دوري كرة القدم والمباراة التي تنظم يوميا بين الفصول أو النادي العلمي ودخول المعمل، أو بروفات المسرحية التي ستعرض في حفل آخر العام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن المقصود من عدم الذهاب إلى المدرسة هو العقاب ولكن كان الهدف أن يتحمل عاقبة الاختيار، وخاصة أنه غير مسموح له مشاهدة التلفاز أو اللعب على الكمبيوتر أو حتى اللهو باللُّعب في اليوم الذي لم يلحق بسيارة المدرسة، وهذا أيضا ليس على سبيل العقاب ولكن لأنه من المفترض أن يكون هذا وقت المدرسة.

سألتها أخرى: وماذا عن الواجبات؟.

الصديقة: وكما تم الاتفاق على الاستيقاظ كان الاتفاق على أداء الواجبات فهي مسئولية كل منهم، واتفقنا أنا ووالدهم على عدم الجلوس بجوار أحدهم أثناء المذاكرة بل كل يقوم بأداء واجباته وفقا لجدول أسبوعي أو يومي ينظمه بنفسه بعد تدريبه على ذلك، وأثناء مذاكرتهم أقوم أنا إما بكي بعض الملابس أو بقراءة بعض الكتب على أن تتم متابعة ما أنجزوا بعد الانتهاء من المذاكرة والواجبات، وبالطبع كما عانينا معهم في الاستيقاظ عانينا أكثر في المذاكرة، لكن حينما وجدوا منا (أنا وزوجي) عدم الرضوخ لضغوطهم والإصرار على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه لم يجدوا فائدة من عدم الالتزام.. والذي ساعد على ذلك هو الاتصال الدائم بيننا وبين المدرسة.

رقابة الذات

تابعت الصديقة وكأنها قد تذكرت شيئا مهما: وهناك أمر في غاية الغرابة قد حدث لابني الأصغر، فكنت أشكو من قلة كلامه معي بعد عودته من المدرسة وأنه لا يحكي عن أي شيء يحدث، وكان يزداد تمسكا بموقفه كلما حاولت استجوابه وحثه على الحديث، ولكن فوجئت بعد أن كففت عن ملاحقته بالأسئلة وإلحاحي عليه بأن يشترك في أحد الأنشطة، وبعد تفعيل دوري في مجلس الآباء -فوجئنا بأنه اشترك في فريق كرة القدم، وأنه أخذ يتحدث معنا عند تناول العشاء عما يحدث في المدرسة وبين زملائه.

اختلف رد فعلنا بعد هذا اللقاء، فمنا من اعتبر أن صديقتنا بالغت فيما تم إنجازه مع أبنائها، ومنا من سألت بين الإقدام والإحجام: وما الضير.. فقد جربنا طريقتنا ولم تفلح فلم لا نجرب طريقتها؟، ومنا من تحمس في أن يبدأ تنفيذ ما قامت به الصديقة، وخاصة أننا لمسنا ذلك في هدوء أعصابها وتحسن سلوكيات أبنائها.


  مستشارة صفحة معا نربي أبناءنا، يمكنكم التواصل معها عبر بريد الصفحة tarbia@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم