|
| عربة فول
|
عربة الفول المنتشرة في الطرقات.. هل تملك الشجاعة لتندس -بملابسك النظيفة- وسط البسطاء والعمال لتطلب (واحد فول متوضَّب)؟.
مبدئيًّا يجب عليك أن تعرف أن هذا الفول الذي ستأكله تمّت معاملته بعشق وليس بمهنية فقط.. إنه لم ينضج على البوتاجاز ولا حتى على السخان الكهربائي، وإنما نضج بالعشق والتقاليد القديمة.. بحميمية رجال شرقيين يجيدون الحب..
هذا الرجل العجوز صاحب العربة الخشبية لم ينم -لعلمك- دقيقة واحدة طيلة الليل.. يأخذ (القدرة) المتوارثة عبر الأجداد إلى خارج المدينة، حيث يتم إنضاج الفول في بطء على حرق مخلفات المدينة.. لذلك يكتسب تلك النكهة المختلفة.
طبق فول بالحب
كل ثمرة فول تحمل سحر الليالي الشرقية.. وترتدي عمائم الفاطميين الذين احتلوا وجدان الشعب المصري بالفرح والأنس والليالي الملاح.. حاولوا إخضاعهم بالقوة فلم يفلحوا.. ثم اكتشفوا أن المصري لا يعنيه عناء اليوم إذا ضمنت له سهرة طرب وفانوسًا ملونًا.
ولذلك فحينما يغرف لك البائع العجوز ذو الملامح القديمة تلك الحفنة من الفول فإنه يمنحك تاريخًا في نفس اللحظة.. تاريخًا يستحق أن يحتفى به..
وبينما يُعَدّ لك البائع العجوز طبق الفول تبدأ لعبة الألوان.. في خفة ومهارة يلتقط البائع ثمرة طماطم حمراء ليقطعها شرائح رقيقة جدًّا، ثم شرائح الفلفل الأخضر تضاف في رشاقة وشياكة.. مع بعض البقدونس..
ليمونة صفراء تحمل شذا الربيع تظهر من مكان ما ليتم عصرها على طبق الفول الذي يتم هرسه باحتراف يد ثابتة تعرف ما تفعله وتمارسه من بدء الخليقة..
عربة البائع الخشبية (التي كان يجرها جده وجد جده من العصر المملوكي.. ويضربه المملوك الفظ لغير سبب سوى أنه فلاح يجيد الحب مع الأرض السمراء) تشتمل على أشياء لا تخطر ببالك، كأنها سرداب علي بابا المليء بالمخابئ السرية والفتحات الغامضة والجواهر المخبأة.. يمد يده المعروقة الشريفة في فتحة مستديرة فيخرج ثمرة بصل خضراء.. يضعها على الرف الخشبي ثم يقطعها.
وبعد رش الكثير جدًّا من الزيت والطحينة والسوائل الغامضة من زجاجات فلكلورية ملونة يمنحك الطبق الأسطوري مع عدد وفير من أرغفة العيش الأسمر؛ لتعيش مع هؤلاء البسطاء لحظات سعادة حقيقية.
الطعمية الراقصة
 |
|
الطعمية الراقصة
|
محيرة حقًّا هذه البلد بنكهتها وخصوصيتها وقدرتها المدهشة على استخلاص الفرح رغم حرقة القلب.
أذكر أنني يومًا كنت في طريقي للمستشفى حينما فاح عبير الطعمية فتوقفت قدماي دون استئذان.. مبهورًا وقفت بجوار البائع أراقب عملية صنع الطعمية..
إناء مليء بعجين أخضر يتناوله البائع في رشاقة ليقذف بكرات صغيرة زاهية اللون في إناء الزيت المغلي.. تسبح الطعمية الخضراء في رشاقة في الإناء المتسع المليء بالزيت الأصفر كطيور البجع أو كراقصات باليه.. وعلى خلفية من أزيز الموقد رحت أراقبها وهي تكتسب اللون الذهبي المحبب للنفس.
 |
|
بالهنا والشفا
|
لحظات مدهشة قضيتها في انتظار نضج الكرات الذهبية الساخنة.. تتبدل الألوان إلى اللون البني الناضج في مشهد يذكرك بمهرجان الألوان الحافل على صفحة السماء في شروق الشمس وغروبها، وتتصاعد رائحة شهية نفاذة وتفتنني شخصيًّا فكرة الطزاجة وأن هذه التفاصيل الحميمة رتبت من أجلي.. وينتابني شعور غامض أن المأكولات الشرقية لا تأكل إلا مغموسة بالعيش الأسمر ولا تنسجم مع الساندويتش المصنوع من الدقيق الأبيض.. اختراع الغاصب الذي جاءنا بالقهر والبارود.
ولا تنس أيضًا الباذنجان المقلي الساخن، وتذكر.. لقد زرعه الفلاح بحب في الأرض السمراء التي دوخت عاشقيها وغزاتها.. رواها بالعرق في الظهيرة الساخنة على خلفية من أغاني عبد المطلب ومحمد رشدي وقنديل.. أغان كلها تذوب في عشق المحروسة السمراء يذيعها مذياع قديم مربوط بالحبال ليطيل عمر بطاريته.. ينضج الباذنجان على موّال حراق فتخرج الثمرة سوداء براقة عاشقة.. تحصدها صبية سمراء خرطها خراط البنات تشبه عدوية تلك التي جن بها (الواد) الصياد فأقسم على رفاقه أن يحلوا المراكب؛ لأنه ببساطة لن يضع قدمه في الماء ولن يرمي شباكه إلا والحسناء معه!!!.
وهكذا من الحقل إليك -في رحلة عشق مدهشة- تتحول إلى شرائح ذهبية ساخنة مع طبقي الفول والطعمية والعيش الأسمر.
أيام التوت
وإذا كان حظك ممتازًا وصادفت امرأة ريفية تفترش الطريق بسلة مليئة بالتوت الأسود والأخضر.. ووجدت الربيع يُصِرّ على إعلان حضوره ببهاء اللون وعبير الرائحة، وتذكرت أيامك الجميلة وشجرة توت عتيقة كانت -يومًا ما- في عالمك الطفولي الساحر هنا أو هناك.. وتذكرت الطفل القديم الذي كنته فلا تتردد في شراء قرطاس ورقي مليء بالثمرات الشهية الملوَّنة رغم الشيب الذي اجتاح رأسك.. وقتها ستتذكر أيام زمان وتذكر أمك التي طلبت منك أن تعاونها بـ(لمّ الغسيل) من الشرفة، واستمتاعك برائحة الثياب التي هي رائحة الشمس نفسها حتى لو تظاهرت بالضجر..
سيذكرك قرطاس التوت بالتفاف العائلة حول المذياع لسماع تمثيلية الساعة الخامسة، ببرامج الصباح التي سمعتها في يوم تخلفت فيه عن المدرسة، وتحاول إقناع نفسك أنك سعيد بالفراغ رغم إحساس الحنين الذي يراودك وتفكيرك في مباراة الكرة المرتقبة في الفسحة، ثم تقرر بعدها أنك نادم لأنك لم تذهب..
ما يصنع المواطنة ليست الخطب الرنانة ولا الاحتفالات العسكرية ولا صورة الرئيس المعلقة في إصرار فوق كل المكاتب الرسمية.. بل هي رائحة الهواء في شهور الربيع. صوت محمد رفعت الشجي يرتفع قبل الإفطار في رمضان.. وجه بائعة الذرة المستدير الطيب في ليالي الصيف.. تلك الأغاني التي سمعناها من المذياع ونحن نمارس طقوس حياتنا اليومية دون قصد فعلقت بذاكرتنا دون أن ندري.. مئات التفاصيل الدقيقة تتجمع سويًّا لتغزل ثوب المواطنة على مقاسك بالضبط..
وإذا نلت هذا كله فلا تتردد في إعلان الرضا مهما كانت همومك الشخصية.. مهما كان خجلك من فرحتك بتلك الأمور الصغيرة الطفولية.. وتذكر معي أن الذرات المتناهية في الصغر هي التي صنعت ذلك الكون الشاسع، وهذا المخلوق المحير -الذي يُدعى الإنسان- يعرف الحب ويمتلئ بالرضا ويعشق الوطن مهما كان جائرًا وقاسيًا.
طبيب وكاتب من زوار "إسلام أون لاين.نت"، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@iolteam.com.
*إلى متابعي مقالات د. أيمن الجندي، انتظرونا كل أربعاء على صفحات حواء وآدم.
|