|
"وقبل استشهاده بأسبوع اشترى لجميع أطفاله ملابس العيد وفوانيس شهر رمضان؛ ليفرحوا بالعيد من بعده؛ لأنه يتوقع أنه لن يقضي شهر رمضان بيننا؛ حيث كان ينوي القيام بعملية تفجير كبيرة".
هكذا وصفت آخر ما قدمه زوجها الشهيد لأسرته، زوجة عاشت حياة زوجية غير عادية؛ إذ الحياة الزوجية حياة استقرار، ولكن كيف بها مع زوج مطارَد من قبل جيش لاحتلال الصهيوني وحياته مهددة بالموت، وتتوقع زوجته في كل لحظة أن يُؤتى به أشلاء متناثرة، وجيش الاحتلال لا ينفك عن ممارسة ضغوطاته عليها ليحصل على معلومات حول زوجها الذي تلتقي به سرًّا، وتحمل رسائله إلى قياديّيه وأعضاء تنظيمه وتُؤوي في منزلها عددًا من المطاردين، وتعتم أخبارهم، فلا أحد يدري ما تقوم به من دور بارز في حماية المجاهدين.
للوقوف على أبعاد هذه الحياة الزوجية المحفوفة بالمخاطر التقينا بهناء أبو دية (28 عامًا) زوجة الشهيد عوض سلمي أحد قادة الجناح العسكري لحركة حماس "كتائب عزِّ الدِّين القسَّام" والذي استشهد بـ 3/12/2000 أثناء محاولته زرع عبوة ناسفة على طريق دوريات الاحتلال الإسرائيلي شرقي مدينة غزة، وبعد سبع سنوات حافلة بالعطاء ومطاردة جيش الاحتلال له.
بداية المطاردة
قالت "أبو دية": حاصرت مجموعة كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني المنزل للقبض على عوض بعدما تأكدت المخابرات الصهيونية من انتمائه إلى الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وذلك في 13/10/1993، وبعد مرور عام واحد على زواجي منه، وبمجرد أن سمعت طرق الباب أسرعت إليه، وفتحت له نافذة المنزل الصغيرة التي تطل على مسجد صلاح الدين ليهرب، وأحكمت إغلاقها، واستطاع أن يهرب منهم ونجحت بتضليلهم عنه؛ حيث مكث عوض فترة غير قصيرة مختبئًا منهم بين الحائطين، وفي الصباح الباكر عاد إلى المنزل، وكنت قلقة جدًّا عليه، ولا أخفي أنه انتابني خوف شديد عليه مثل كل النساء التي ترغب أن تشعر بالأمان على مستقبل زوجها؛ لذلك طلبت منه أن يسلم نفسه للمخابرات الإسرائيلية بدل أن يحيا خارج السجن طريدًا خائفًا، ولكن كلماتي وقعت عليه أقوى من الصاعقة، ولم يتصور يومًا من زوجته أن تثبطه؛ فصفعني على وجهي، وكانت المرة الوحيدة الذي يلجأ فيها إلى العنف معي وصرخ في وجهي: "أتريدين أن يقضي زوجك حياته في السجن؟"، وودعني وخرج بسرعة، ومكثت ما يزيد عن سبعة أشهر دون أن أراه، ولكنه كان دائمًا يرسل إليّ مع أصدقائه الرسائل ليطمئنني على أخباره.
أحرقت سفني
وأكملت "أبو دية" وبعدها أيقنت أن حياة زوجي في خطر، وأن عليّ أن أتوقع في كل لحظة أن يؤتى إليّ بزوجي أشلاء، فأعددت نفسي لذلك وعلَّمتها الصبر والجلد وأحرقت سفني؛ لأنه لا يوجد خيار أمامي سوى مساعدة زوجي على الوصول إلى هدفه الذي نشأ من أجله وهو مقارعة جيش الصهاينة وقتالهم.
أضافت "أبو دية" وقد اعتلت على وجهها ابتسامة رغم آلامها وجراحها "رغم أن سنوات ملاحقة جيش الاحتلال له صعبة جدًّا؛ فإنها كانت جميلة وشعرت فيها بأني لست مجرد زوجة لعوض، بل مساعدة له وحافظة سره، وكان لديّ استعداد لأن أقدم نفسي في سبيل الحفاظ عليه هو وإخوانه المجاهدين الذين لم ينقطعوا عن المنزل أقدم لهم كل ما يحتاجونه من مأكل ومشرب ومأوى دون أن يعلم بخبرهم أحد حتى أهل زوجي، وعندما يشتد الحصار والمراقبة على المنزل من جيش الاحتلال كنت أغادره وأخفي كل ما يدل على زوجي في المنزل حتى صوره، وكم تحملت إهانات قائد منطقة غزة الصهيوني الذي كان يتفنن في إيذائي؛ ليحصل على أدنى معلومات عن زوجي بعدما ينقب المنزل دون أن يحصل منه على شيء، وكان يقول لي: "سآتي بزوجك ولو كنت في وسط تل أبيب سأحضره لك قطعًا"، وكان عليّ أن أتحمل وأظهر الصبر والجلد والقوة له، ولأبين له أن زوجة عوض لن تكون في يوم من الأيام أقل من زوجها.
أدفن سرَّ مجيئه
حول كيفية اتصالها به خلال هذه الفترة قالت "أبو دية" وهي تشير إلى شباك صغير حديد وعليه أربعة أقفال كبيرة يطل على مسجد صلاح الدين "لقد اتفقت مع عوض على علامة معينة أعرف منها قرب مجيئه إلى المنزل، فأفتح له النافذة ومجرد أن يدخل أحكم إغلاقها وإغلاق جميع منافذ المنزل، وأبقى مستيقظة طوال الليل أحرسه خوفًا من أن يحاصر جيش الاحتلال المنزل فجأة، وأدفن سر مجيئه في صدري، فلا أحد يدري به حتى أهلي وأهله، وأحيانًا أضطر إلى الذهاب إليه، فكنت أتلقى منه رسالة صغيرة يخبرني فيها بموعد ذهابي إليه ولون وشكل السيارة التي ستحملني إليه؛ حيث كنت أنتقل في المشوار الواحد بين ما يزيد على أربع سيارات، خوفًا من أن أكون خاضعة لمراقبة المخابرات الإسرائيلية، وأقضي معه أسبوعًا تقريبًا دون أن يعلم بأمري أهلي الذين يعتقدون أني في منزلي أو أهل زوجي وأعود بنفس الطريقة، وأنا أحمل بعض الرسائل لقيادة الحركة.
بارع في التنكر
لقد تعلمت في سنوات مطاردته الكثير من الأمور الأمنية للحفاظ على حياة زوجي، فلا أحتفظ بأي ورقة تأتيني منه، ولا أسأل كثيرًا عن الأمور التي كان يفعلها زوجي؛ لأن معرفتي بها حتمًا ستجلب الضرر لزوجي، وأن الرسائل يجب أن أوصلها إلى أهلها بأكبر سرعة ممكنة حتى لا يتمكن جيش الاحتلال من الحصول عليها.
لقد كان عوض بارع في التنكر، ففي كل مرة أراه بصورة مختلفة مثل صورة شاب مستهتر يشرب الدخان، وأنجبت خلال هذه الفترة طفلتي إسلام وإسراء.
بجوار شجرة الشهداء
أكملت زوجة الشهيد عوض سلمي "ومع قدوم السلطة الوطنية وجلاء جيش الاحتلال الصهيوني عن مدينة غزة بدأت أتنفس الصعداء وأزيح الخوف على زوجي عن صدري، ودبَّ الأمان في عروقي وعدت لمنزلي الجديد لأعيش مع زوجي مثل كافة نساء العالم، وأخرجت ما دفنته من صور لعوض واحتياجاته، وخاصة صورته التي طالما أوصاني عليها وهو في الجامعة الإسلامية بجانب نخلة صغيرة أطلق عليها اسم شجرة الشهداء؛ لأن عددًا كبيرًا من الشهداء تصوروا بجوارها، لعله يحقق أمنيته بالشهادة، والتحق بجهاز المخابرات الفلسطينية وظل محتفظًا بسلاحه الذي احتفظ به طوال سنوات مطاردته لجيش الاحتلال؛ ليحمي به نفسه من أي عملية اغتيال يمكن أن يتعرض لها، ولم يمنعه التحاقه بالمخابرات الفلسطينية من الكفِّ عن ملاحقة جيش الاحتلال وإيواء المجاهدين في منزله كما كان قبل مجيء السلطة الفلسطينية، ونجح في قتل أحد ضباط جيش الاحتلال، مما عرضه للاعتقال على يد السلطة الفلسطينية بتاريخ 21-3-96.
بين السجون
وأضافت بعد اعتقاله بدأت فصلاً جديدًا من العذاب والبحث عنه بين المعتقلات؛ حيث اعتقل في البداية بسجن الأمن الوقائي "تل الهوى"، ثم نقل إلى السرايا وهكذا دواليك حتى منتصف هذا العام، وكل أسبوعين أذهب لزيارته بعدما أُعِدُّ له كل ما يحتاجه، وبالتالي تحملت مسؤولية تربية الأطفال بمفردي، فكنت لهم الأب والأم معًا.
ولم يسمح له في البداية بزيارتنا مثل باقي السجناء في سجون السلطة؛ لأنه استطاع الهرب من السجن رغم الرقابة الشديدة عليه حتى عام 99، وأنجبت خلال هذه الفترة ابنتي إيمان وهند.
وأكملت "أبو دية": ولم يستطع السجن منعه عن الاتصال
بقيادات أفراد تنظيمه؛ حيث كنت أنقل لهم رسائله لهم من داخل السجن.
يقف أمامي
وأكدت "أبو دية" أنها لم تتوقف عن البحث عن مؤسسة تدافع عن زوجها لعلها تفلح في استصدار قرار ببراءة زوجها أو الذهاب إلى عدد من المسؤولين في السلطة الوطنية، لعل أحدًا ينجدها، وبالفعل نجح المحامي إبراهيم الصوراني من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان باستصدار قرار من محكمة أمن الدولة ببراءته بتاريخ 13/6/2000، وفي صباح اليوم الثاني تفاجأت به يقف أمامي، ويالها من لحظة سعادة يعجز كل الكلام عن وصفها! وعدت لأتنفس الصعداء من جديد وأعيش حياة هانئة آمنة، ولكن من أين نأتي بالأمان وجيش الاحتلال الصهيوني يلاحقنا حتى داخل منازلنا، وعاد عوض يحمل سلاح "إم 16" من جديد ليحمي نفسه من أي عملية اغتيال قد يتعرض لها.
واكتملت الأسرة
أضافت "أبو دية" بنبرة حزينة وهي تحاول أن تتمالك قواها "في الأشهر الستة الأخيرة عاشت أسرته حياة هادئة آمنة ينعم أطفالي بحنين أبيهم وعطفه، وخصص جزءًا من وقته لمداعبتهم، ولكن حبه للشهادة كان أقوى من حبه لأطفاله، فكان دائمًا يقول لي: "إن إصبعي يَحِنُّ للضغط على الزناد لقتل الصهاينة"، ولا أخفي أني كنت أنهاه عن ذلك مثل أي زوجة تريد أن تحتفظ بزوجها "ألا يكفيك ما قتلته من الصهاينة تفرغ لتربية أولادك، ولكن جوابه لي أقوى من عاطفتي تجاه زوجي وأولادي" أنا وأولادي فداء للقدس، ومن خلقهم لن يضيعهم وسيرزقهم من بعدي". وقبل استشهاده بأسبوع اشترى لجميع أطفاله ملابس العيد وفوانيس شهر رمضان؛ ليفرحوا بالعيد من بعده؛ لأنه يتوقع أنه لن يقضي شهر رمضان بيننا؛ حيث كان ينوي القيام بعملية تفجير كبيرة.
آخر ليلة
وحول كيفية إحساس الزوجة بزوجها ساعة استشهاده تقول "أبو دية": "بعد خروجه من السجن عاد إلى حياته الأولى في إيواء المجاهدين من كتائب القسَّام؛ حيث مكث عندنا قبل استشهاده أحد المجاهدين وأوصاني زوجي بأن أوفر له الهدوء والراحة حتى ينال هو وضيفه أكبر قسط من الراحة، فأيقنت أنه يخطط لعملية تفجير كبيرة، وأحكم إغلاق الغرفة التي يمكث بها هو وزميله، ومنعت أطفالي من الدخول في غرفته التي أحكم إغلاقها، وأوصاني بألا ألمس شيئًا من الغرفة، وبعد تناوله طعام الإفطار أخذ يداعب أطفاله ويلاعبهم، ثم عاد إلى غرفته يصلي ويقرأ القرآن، وقد كان يطيل كثيرًا في صلاته، وسمعته وهو يدعو الله عز وجل ويتوسل إليه وهو يبكي ويقول: "اللهم تقبلني عندك شهيدًا".
عصفور في مقلاة
ولم أستطع في هذه الليلة أن أغمض عيني رغم أنني كنت أعاني من مرض الأنفلونزا ومكثت طوال الليل أتقلب في الفراش وكأني عصفور في مقلاة، وفي السحور شعرت أن شيئًا نزعني من فراشي لأكوي له ملابسه، وبعد أن صلَّى الفجر لبس قميصًا جديدًا وتعطَّر على غير عادته في الصباح، وودَّع أطفاله الذين استيقظوا جميعًا مع السحر على غير عادتهم، ثم خرج من المنزل بعدما حمل أحد رفاقه احتياجاتهما من الغرفة، وهو يقول لي: خمس دقائق ثم أعود، ولكنه لم يَعُد كما وعدني، فحاولت عدة مرات أن أتصل به عبر الهاتف النقّال، ولكن لا أحد يجيب وبدأت أسمع الأقاويل من الجيران حول زوجي، وأنه قد أصيب بمكروه.
رؤيته.. كحل عيني
وحاولت "أبو دية" أن تجمع ما تبقى من قوتها بعدما أفاقت من إغماء أصابها لتكمل حديثها معنا "انتظرت عوض ليأتي كما وعدني أو يتصل ليخبرني عن مكانه كعادته، ومرت علي 24 ساعة كسنوات عجاف تراءت لي فيها صور فظيعة لعوض وهو يسبح بدمه وتناثرت أشلاؤه، وفي المساء اتصل بي أحد أفراد قادة الأمن الوطني ليسأل عني وعن عوض ولون ملابسه، فأيقنت أن عوض أصيب بمكروه، وبعدها بلحظات اتصل أحد قيادي حماس وبعدها سمعت أنباء متضاربة عما أصاب عوض. آه لتلك اللحظات ما أصعبها! لقد سقطت مغشيًّا عليَّ رغم أني عشت معه ثماني سنوات كنت أتوقع في كل لحظة بهن أن يأتيني خبر استشهاده. أضافت بعدما ضمت ابنها مجاهد الذي كان يحمل صورة أبيه إلى صدرها حتى أبكت جميع من كان حولها "كم تمنيت أن أكحل عيني برؤيته مثل كافة زوجات الشهداء؛ لأخفف عن نفسي وحشة فراقه، آه للآلام التي ألمت بي عندما سمعت أن جسده قُطِّع أشلاء متناثرة، بل إن بعض أشلائه ما زالت متناثرة ولم تُدفن بعد".
أكملت وهي تمسح دموعها "يكفي أنه حقق أمنيته، وهنيئًا له الشهادة، وسألملم جراحي وسأدوس على جراحي؛ لأحسن تربية أطفالي الذين تحملت مسئوليتهم وحدي لأكمل المشوار بعد أبيهم".
|