|
مرت سنة كاملة على النقاش الساخن الذي أثاره المشروع الحكومي لإدماج المرأة في التنمية؛ فهل كان الهدوء الذي تلاها، فرصة لإعادة حسابات كل طرف، ولمراجعة الطريقة التي انتهجتها الحكومة وأحلافها في اليسار في مقاربة قضية في غاية الحساسية والتعقيد باعتبارها تمس عمق المجتمع؟
ألم يجانب اليسار الصواب في اعتماده المعلن على المرجعية الدولية دون تحفظ يذكر وتهميش فِعليّ للمرجعية الدينية؟
اليسار وسؤال حول المراجعة
الآن، وقد هدأت الأوضاع، هل سيراجع اليسار مرتكزات خطابه في تناول قضايا المرأة والمجتمع في انسجام تام مع تصور الدين للإنسان والحياة؟
في هذا الحوار نتابع مع الأستاذة "خديجة صبار" نقاشا هادئا عبرت فيه عن آراء ثلة من اليسار، بدت وكأنها خضعت لنقد ومراجعة، بالمقارنة مع ما ساد في السنة الماضية. والأستاذة خديجة صبار فاعلة سياسية في حزب الاتحاد الاشتراكي الذي يتزعم الحكومة المغربية منذ ثلاث سنوات، وباحثة صدر لها كتاب: "الإسلام والمرأة واقع وآفاق" سنة 1992، ثم كتاب "الإسلام والحجاب" سنة 1994، وأخيرًا: "المرأة بين الميثدولوجيا والحداثة" سنة 2000.
وقد انتقلت إلى التعليم بعد تجربة صحافية دامت أربع سنوات بالتلفزيون المغربي في منتصف السبعينيات. وهي الآن أستاذة باحثة بكلية الآداب.
* إذا أردنا في البداية إلقاء نظرة على تعاطي النخب المغربية مع قضايا المرأة، فما هو تقييمكم لهذا التعاطي؟
- إلى الآن، لم ترق الأشكال التي تعالج بها قضايا المرأة إلى طرح كيفية خاصة بالمغرب؛ فما زلنا نتبع المشرق في معالجة القضايا النسائية، وفي الوقت نفسه نأخذ من الغرب طرقه في المعالجة، فلدينا جمعيات نسائية وقطاعات في إطار الأحزاب، ولكننا لم نصل إلى المعالجة الشاملة للقضية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا بخطة ممنهجة للنهوض بوضعية المرأة، وذلك راجع لأن هذه الجمعيات حديثة النشأة نسبيا، وكذلك القطاعات المنضوية في إطار الأحزاب ما زالت تابعة لبرنامج الأحزاب، وليست لديها أي استقلالية، فما حققناه إلى الآن يبقى قليلا جدًّا.
اليسار وتبني قضايا المرأة
* منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، بدا واضحا أن الخطاب اليساري يركز على مظلومية المرأة، خاصة من خلال مقاربة قانونية تحصر هذه المظلومية في مدونة الأحوال الشخصية، بصفتك من الاتحاد الاشتراكي إلامَ يعود هذا الطرح؟
-أولا: أنا لا أفصل قضايا المرأة عن قضايا الرجل؛ فهي قضايا مجتمع متخلف في جميع أشكاله، بالرغم من بعض مظاهر التقديم التي تظهر، فنحن لا نعالج قضايا من جذورها؛ ففي إطار الحزب وأظن اليسار عموما حاول أن يثير القضية؛ لأنني أعتقد أنه لو لم يكن اليسار لما أثيرت قضايا المرأة نهائيا، فلليسار الفضل في إبراز هذه القضية للوجود. وجميع المناضلات تقريبا اللواتي يشتغلن بقضايا المرأة كن منتسبات لليسار في الغالب.
وأكرر أنه لا بد من ربط مشاكل المرأة بمشاكل تخلف المغرب ككل.
أما بخصوص الطرح الحقوقي؛ فهو غير كافٍ، ولكنه ضروري، وهو يعكس تقدمنا أو تخلفنا في معالجة قضايا المرأة.
* كيف تقيمين أداء الحركة النسائية في المغرب؟
-أولا: لا يستطيع أحد أن ينفي وجود حركة نسائية في المغرب، لكن مفعول هذه الحركة يبقى موضع سؤال. وهنا أستحضر نموذج مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، الذي أظهر أننا لم نهيئ بعد الأرضية التي ستدفع بالحركة النسائية المغربية إلى الأمام.
والجمعيات النسائية تظل جمعيات للنخبة، ولم تستطع أن تمس القواعد العريضة للمجتمع، وتشكيل قوة نسائية حقيقية؛ مما جعل قضايا المرأة ومناقشتها محصورة في أوساط النخب، ولم تشرك فيها المرأة في العمل والبيت والنساء البسيطات، وأرى أنه لا بد لهذه النخب من النزول إلى هذه الفئات العريضة لتحقيق وانتزاع الحقوق التي من أجلها قامت الحركة النسائية بشكل عام.
* من خلال النقاش الذي عرفته الساحة الوطنية في السنة الماضية، لاحظ البعض أن الخطاب اليساري لم يستحضر قضايا هويتنا المغربية بالشكل الكافي، بمعنى أن هذا الخطاب كان يعطي الأولوية للمرجعية الدولية على حساب المرجعية الدينية، ما رأيك؟
- لا أعتقد ذلك، فالدين الإسلامي له توجهات فيما يخص تحرر المرأة، فهل حررنا المرأة؟ والإسلام له توجهات في القضاء على التخلف؛ فهل قضينا على التخلف؟ وأنا أرى أن الذين يتحدثون باسم المرجعية الدينية لا يتوفر لديهم مشروع مجتمعي يستطيع أن يحرر المرأة بخلاف الإسلام الذي حرر المرأة وكانت لها مكانتها وكلمتها، والسيدة عائشة شاركت في الحرب كقائدة سياسية؛ فلماذا لم تتبلور هذه التوجهات في الإسلام، التي ربما تغنينا عن المرجعية الغربية؟
وأنا سأختلف معك فيما طرحته؛ فقضايا التنمية والتطور تتطلب الانفتاح على الحضارات الحديثة، ونحن لا يمكننا أن نتقدم بلا إدماج 50 في المائة من المجتمع؛ أي النساء.
أين الاطروحات البديلة للإسلاميين؟
نحن مطالبون بأن نستفيد من الغرب إلى أن نبلور مشروعنا المجتمعي الخاص بنا، كما فعلوا هم حينما انفتحوا على الحضارة الإسلامية وأخذوا منها، إلى أن بلوروا مشروعهم الخاص بهم.
وأتساءل هنا: ماذا فعلت الجمعيات التي تقول إنها تدافع عن المرجعية الدينية؟
وما هي الطروحات التي بلورتها لمجتمع مغربي يعيش في القرن 21؟
أعتقد أن الجواب على هذا السؤال مفروض أن يكون سابقا على اتهام الآخرين والهجوم عليهم بالتخلي عن المرجعية الدينية؛ فنحن نأخذ من الغرب، لكن ليس كل شيء بطبيعة الحال. وأكرر أننا لم نكن لنلجأ إلى المرجعية الدولية لو أنه كان يمكن الاكتفاء بمرجعيتنا.
وحتى يتضح الأمر لنترك قضية المرأة. فيما يخص الاقتصاد، ألا نعمل بالمرجعية الدولية؟ وفي إطار التعليم، ألم نذهب إلى أوروبا وأمريكا وكندا لجلب مناهجهم في التعليم في الإصلاح الأخير؟ لماذا لم تثر هنا قضية المرجعية في الميثاق الوطني لإصلاح التعليم؟ لماذا في قضايا المرأة بالذات نتحدث عن المرجعية الدينية والمرجعية الغربية؟ وحتى إذا طرحنا الإسلام لمعالجة قضايا المرأة، فلا بد من الاجتهاد؛ فهل يعقل الآن باسم المرجعية الإسلامية أن نفرض الولاية على المرأة؟ في الوقت الذي توجد اجتهادات معاصرة وتوجد حركية في الإسلام.
وإذا رأينا الرسول-صلى الله عليه وسلم- كيف عالج قضايا المجتمع في المرحلة المدنية بعد الهجرة، نجده عالجها بمرونة وبانفتاح.
* يقول بعض ممن يخالفكم الرأي: إن حديثكم كيسار عن الدين والإسلام والاجتهاد، يأتي للتوظيف وليس للتحكيم؟
- يجب أن ننتبه إلى أن اليساريين مسلمون كغيرهم، واليسار اقترح خطة، وعلى الذين لا يتفقون معهم أن يطرحوا البديل.
وإلى الآن لا نجد أي واحد من اليساريين ينفي جذوره الإسلامية أو لا يعتز بها، وهنا أتحدث عن الإسلام الذي جاء لصالح البشرية ويساير العصر، ويحمل القيم التنويرية ويرفض الفكر الانغلاقي.
أدبيات النقاش والاختلاف
* يتحدث البعض عن جانب الافتعال في النقاش الساخن الذي أثارته الخطة، ألا ترين أن ذلك كان علامة حيوية المجتمع المغربي وحرصه على حماية هويته؟
أنا أرى أن النقاش كان انفعاليا، ولم يكن هادئا، بل أصبح يشكل نوعا من العبث، وأظهرنا أننا كشعب لم نمتلك بعد أدبيات النقاش، وسرعان ما نتبادل اتهامات، وسمعنا أننا ملحدون يمنعون الرجل من الزواج من أربع نساء، ويمنعون المرأة من الزواج قبل 18 عشر سنة وهكذا...
في حين كان يجب أن نتحدث بهدوء عن جدية المشاكل التي تعانيها المرأة، ونرتفع بمستوى نقاشنا عن المزايدات في قضايا المرأة والطلاق والتعدد والولاية، وما تحدثه هذه الأمور من سلبيات في مجتمعنا.
* الاتهامات التي تحدثت عنها أيضا صدرت بكثافة عن اليسار في اتجاه الإسلاميين، ورأينا كيف تم احتكار التقدمية والحداثة، واتُّهِمَ الآخرون بالرجعية والظلامية؛ مما يعكس وجود تطرف يساري.
- أعتقد أن قضايا المرأة يجب أن نسمو بها عن مثل هذه السبل في النقاش.
والإسلاميون مدعوون إلى إعلان موقفهم بوضوح من قضايا المرأة؛ هل يريدون من المرأة أن تعود إلى البيت وتبقى وراء الستار؟ وهنا لا أتحدث عن الإسلام؛ لأنني أعتبر أن المرجعية الإسلامية حررت المرأة، وضربت مثالاً بالسيدة عائشة-رضي الله عنها- التي شاركت في قيادة حرب سياسية، غير أننا لا نرى هذا الجانب المشرق فيما نراه ونسمع الآن.
* هل كل اليساريين يشاركونك الغيرة على الإسلام؟
-أولا: أنا لا أتحدث باسم اليسار عامة، أنا ناقشت من وجهة نظري الخاصة، نحن حينما طالبنا بمنع التعدد- مثلا- استقينا ذلك من صميم الإسلام، وهذا قال به محمد عبده وعلال الفاسي، وغيرهما.
* هؤلاء الذين أشرت إليهم كتبوا عن تقييد التعدد وليس منعه.
- نحن لسنا مع منع التعدد نهائيا، لكن أن يصبح المنع هو الأصل، والتعدد استثناء... فإذا كانت الزوجة مريضة أو عاقرًا، يمكن في هذه الحالة السماح بالتعدد؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتزوج على السيدة خديجة إلى أن ماتت؛ فلماذا لم يتزوج عليها؟
* عموما يبقى الخلاف الفقهي في دائرة الإسلام، والأئمة اختلفوا في الولاية في الزواج وفي غيرها، ولكنهم كانوا جميعا ينطلقون من الإسلام ويهدفون صونه ألا ترين أن الأمر يختلف بالنسبة لليسار، الذي لا يلجأ إلى المرجعية الدينية إلا اضطرارا؟
- الأساس عندنا جميعا هو إنقاذ الأسرة المغربية والحفاظ على كرامة الإنسان، والمرجعية الإسلامية جزء من الحضارة الإنسانية، وتعاملنا مع المرجعية الغربية فرض نفسه علينا.
* لا أحد يرفض الاقتباس والاستفادة من الحضارات الأخرى، شرط أن لا يتعارض ذلك مع هويتنا؛ فمثلا في الغرب وفي مؤتمري "بكين" و"القاهرة" ارتفعت أصوات المنظمات الغربية تدعو إلى تعدد مفهوم الأسرة، هل مستوى الاقتباس يمكن أن يصل إلى هذا الحد؟
- لا أعتقد أن مغربيا في اليسار أو غيره يمكن أن يتقبل هذه الأشياء التي أشرت إليها؛ فنحن مغاربة مسلمون، لنا عائلاتنا وأسرنا وجذورنا، فهذا الأمر غير مطروح.
* هذا يحتاج إلى إعلان مواقف واضحة.
- الأخوات عندنا يدافعن بشدة في المؤتمرات الدولية ضد كل هذه الأشياء في بكين وغيرها، وهذا حال كل الحركات النسائية في البلدان العربية والإسلامية.
* على ضوء كل ما سبق؛ كيف يمكن الخروج بالقضية من النفق الذي وصلت إليه؟
- لا بد من ربط قضايا المرأة بقضايا الرجل والمجتمع، وكذلك علينا أن نساير العصر بأسرة متينة تحكمها قوانين معقولة، تُخرج جيلا صالحا للمجتمع، وهذا على كافة المستويات.
كاتب وصحفي مغربي
|