|
في الوقت الذي تنقل فيه نشرات الأخبار والتقارير الدولية معاناة الشعب السوداني- خاصة النساء- من ارتفاع معدلات الفقر، تصل فيه المرأة السودانية إلى أعلى المناصب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتسبق الكثير من العربيات إلى عضوية البرلمان وإلى منصب القضاء.. فضلاً عن منصب الوزير.
وتثور بعض الدوائر عندما يصدر قرار بمنع عمل المرأة في بعض الأعمال حماية وصونًا لها مثل العمل في محطات البنزين أو غرف الفنادق.. دفاعًا عن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.. فكيف استطاعت السودانيات الحصول على كل هذه المميزات رغم معاناتهن من الفقر.
(حواء وآدم) التقت بأول وزيرة سودانية حصلت على هذا المنصب عام 1973 وعضو البرلمان بالسودان وعميدة المعهد العربي لصحة الأم والطفل بجامعة الخرطوم- الدكتورة "فاطمة عبد المحمود"؛ لنعرف المزيد عن المرأة السودانية..
الحصار.. هل من إيجابيات؟
أردنا أن نبدأ مع السيدة فاطمة بحثاً عن وجه آخر للحصار، فسألناها:
* هل ضعف صلة السودان بالولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الماضية على المستوى السياسي قد حمت الأسرة السودانية من كثير من مشكلات العولمة التي تعاني منها الأسر في المجتمعات العربية الأخرى؟
- تقول د. فاطمة: "العولمة حقيقة ماثلة لا يمكن لأحد أن يحمي نفسه منها إلا بالعلم والتكنولوجيا، والقوة الاقتصادية والسياسية، والعولمة معناها أن الكبير يأكل الصغير، فإذا رفعت الشعوب من قدرتها الاقتصادية والاجتماعية تستطيع أن تبقى وإلا ستختفي، وقد وعينا هذا في السودان، ولدينا جامعة متخصصة في العلوم والتكنولوجيا لمسايرة ما يحدث في العالم؛ فالتجارة الآن أصبحت بالتكنولوجيا، وما زالت الأسر السودانية مترابطة ولدينا لجان للنظام، ولا أدري إن كان وجودها هذا ضد المجتمع، أم لصالحه.. مهمتها مراقبة الملابس التي ترتديها النساء وما إذا كانت محتشمة أم لا، وهي لجان اجتماعية، فإذا ما لاحظت أن البعض يرتدي ملابس سافرة تتعارض مع الدين يحدث لفت نظر لهن، والأزياء عمومًا تتطور، فأنا أحرص على ارتداء الثوب السوداني ولكن ابنتي لا تلبسه، لكنها محتشمة.
سنوات في حياة المرأة السودانية
نعم هي سنوات استعرضتها معنا قائلة: "المرأة السودانية شاركت في حركات تحرير البلاد من الاستعمار خلال القرن التاسع عشر والعشرين، وبدأ تعليم الإناث عام 1906م، ودخلت المرأة السودانية الجامعة عام 1930، ومنذ عام 1948 كانت هناك كثير من الجمعيات الأهلية التي كونتها ورأستها السيدات، وفي عام 1964 دخلت السودانية البرلمان ومنحها الدستور السوداني حق التصويت والانتخاب، وفي عام 1969 خصصت نسبة 25% من المقاعد للسيدات في مجلس الشعب وما زالت حتى الآن، بالإضافة إلى حقها في المنافسة على بقية المقاعد، وفي عام 1973 كنت أول وزيرة للشئون الاجتماعية ثم تقلدت منصب وزيرة الصحة بعد ذلك، وسبق ذلك حق المرأة السودانية في الحصول على معاش وراتب وعمل متساوٍ مع الرجل".
مكان للمرأة في الانتخابات
تكمل الدكتورة فاطمة عبد المحمود: "وعندما دخلت البرلمان قصدت أن أضرب المثل للنساء لخوض الانتخابات والتنافس مع الرجال، ولم أشأ أن أعين ضمن نسبة الـ 25% من المقاعد، وخضت الانتخابات في دائرة جغرافية في "أم درمان" وحصلت على المقعد من 7 رجال كانوا أمامي في نفس الدائرة.
وتضيف أنه كما خصصت 25% من المقاعد للمرأة في البرلمان، خصصت لها هذه النسبة أيضًا من مقاعد الحكم الشعبي المحلي، وأخيرًا أصبح للمرأة دوائر خاصة بها في الانتخابات، دوائر نسائية لا تتنافس فيها سوى السيدات لضمان فوزهن بمقاعد هذه الدوائر والتي بلغت 35 دائرة من إجمالي 500 دائرة، على مستوى الجمهورية السودانية، هذا بالإضافة إلى دخولها المنافسة في باقي الدوائر، وهي من وجهة نظر الدكتورة فاطمة ضرورة، ليس لضعف النساء، لكن لأن الرجال أصبحوا يتعاونون معًا ضد المرأة ليحصلوا على المقاعد، وأن النساء لسن على نفس القدر من الشراسة التي عند الرجال الذين يخوضون الانتخابات، كما أن عدم تخصيص حصص للمرأة سيمنع الكثير من الكفاءات النسائية في مجالات الصناعة والعلم والاقتصاد، من الحصول على هذه المقاعد، وسيخسر المجتمع الاستفادة من إمكانياتهم، وواجب الدولة أن تتيح لهن فرصة الوصول إلى مقاعد البرلمان.
* هل اختلاف الأنظمة السياسية يتحكم في وضع المرأة في السودان ؟
- تقول د. فاطمة: "بلا شك أن وضع الحاكم من المرأة يؤثر في وضع المرأة، فهناك من يعتقد أنها المجتمع كله، وهناك من يعتقد أنها نصف المجتمع، وهناك الذي يتحدث ولا يؤمن بما يقول، لكن نحمد الله أن الأنظمة السياسية المختلفة لم تحرم المرأة السودانية في النهاية حرمانًا كاملاً من مشاركتها للرجل في نواحي المجتمع المختلفة، في أي فترة من الفترات، وإن كانت حرمتها من بعض المناحي في بعض الفترات.
لكن السودانيات أنفسهن لديهن الوعي بضرورة المشاركة، والسودان الآن يسير في اتجاه التعددية الحزبية، وبعض النساء في السودان تبوأن مناصب داخل الأحزاب السياسية، وهناك نائبة برلمانية تشغل منصب رئيس حزب، وأخرى ناطقة باسم أحد الأحزاب، مما يشير إلى أن هناك مجالاً للمرأة في المستقبل حتى مع التغييرات السياسية المتوقعة، والفضل يرجع لزيادة نسبة التعليم، خاصة الجامعي بالنسبة للفتيات؛ ففي السودان 20 جامعة، وتصل نسبة الفتيات في الجامعة إلى 65% في العاصمة، وإلى 70% في المدن الريفية؛ لذلك فنسبة الوعي بين السودانيات في تصاعد كبير".
* وما موقفك الشخصي مما أثير مؤخرًا في السودان من منع المرأة من العمل في وظائف معينة حماية لها مثل العمل في غرف الفنادق ومحطات البنزين وغيرها؟
- تجيب الدكتور فاطمة عبد المحمود: "في رأيي أنه لا يمكن أن نحمى المرأة بعزلها من مكان ووضعها في آخر، فالمرأة إن لم تكن على قدر من المسئولية ولديها الإرادة والتربية الأسرية فلن يمثل مكان وجودها؛ سواء داخل المنزل أو خارجه، فالأساس هو التربية والتوعية والتأهيل، وعلى الحكومات أن تساعد المرأة بتوفير مجالات العمل التي تستطيع المرأة من خلالها أن توفق بين أدوارها المختلفة داخل المنزل وخارجه، فإذا بعدت عن المطاعم والفنادق فقد تذهب إلى مكان آخر وتفعل الأسوأ".
وعن الختان
* بصفتك عميدة معهد صحة المرأة والطفل ما هو الموقف الآن بالنسبة لقضية الختان، والمعروف أن ختان الإناث في السودان يجري بصورة سيئة بالنسبة للمرأة؟
- تقول د. فاطمة: "الختان عادة ضارة ورثناها منذ أيام الفراعنة في السودان، وقد أشارت إحدى الدراسات الحديثة إلى أن الرجل السوداني يفضل المرأة المختتنة عن غيرها، رغم أن هناك قانونا في السودان يجرم إجراء هذه العمليات للإناث صدر عام 1952، ومع هذا ما زالت عمليات الختان تجرى، لكنها أصبحت بصورة أقل وحشية، فقد كانت منذ سنوات تحدث الكثير من الأذى للمرأة وتؤثر على عملية الولادة، نتيجة تضييق مكان خروج الطفل، وكانت تؤثر على ولادة الطفل فيصاب بإعاقات كثيرة بسبب عسر الولادة، أما الآن فأصبحت بعض عمليات الختان تجري على يد طبيبات، وبشكل يحافظ على صحة الفتاة للتحايل على التقاليد، وإن كان هذا غير قانوني، وقلّت كثيرًا عمليات ختان الإناث الآن، حتى إن البعض لا يلجأن إلى الختان إلا إذا أصر خطيب الفتاة على ختانها فتُجرى لها عملية الختان قبل الزواج مباشرة.
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com
|