English

 

الخميس. أبريل. 13, 2000

حواء و آدم » أزواج وزوجات

 

ثَوْرة الزَّوْجات

منى البصيلي

Image

  الأمر لم يعد حالة فردية… ثمة ظاهرة تريد أن تفصح في نفسها… هكذا حدثت نفسي وعدت أقلب في دفاتري لأجد الأمر فعلاً يستحق الدراسة، فثمة أمور مشتركة بين الزوجات صاحبات الشكوى أو قل صاحبات الثورة، فجميعهن في العقد الرابع من العمر، والكل مضى على زواجه ما بين العشر والخمس عشرة سنة، وأيضًا يوجد أولاد في مختلف الأعمار، وهن يمثلن كل الأوساط والاتجاهات، ثم يجمع بينهن بعد ذلك أنهن في حالة الغضب والثورة يعبرن عن أنفسهن بنفس المطالب، وإن بدت الأسباب مختلفة بعض الشيء أو بدت الصياغات بينها بعض التفاوت.

1- الأولى:

عمرها 38 عامًا، تزوجت منذ 18 عامًا، ولها من الأولاد ثلاثة أكبرهم طالب بالجامعة عمره 17 عامًا، والبنت الوسطى عمرها 15 عامًا، والأخيرة عمرها 9 أعوام، الزوج يكبر الزوجة بـ "سبعة عشر" عامًا.. الزوج في مركز مرموق، ناجح في عمله، يقضي فيه معظم وقته، ولكن الزوج وأهله رأوا أنها بعد حصولها على الثانوية من الأفضل أن تدرس في كلية نظرية – علي غير رغبتها- لأن طبيعة الدراسة العملية لا تناسب زوجة لرجل مهم؛ واستسلمت غير راضية ودخلت إحدى الكليات النظرية؛ لتتخرج وقد أصبحت مسئولة عن طفلين وزوج مشغول بطموحه هادئ الطباع قليل الكلام من جيل مختلف وعصر مختلف لا يكاد يكون هناك شيء يجمعهما ، تمر السنون رتيبة مملة، تحاول أن تكسرها بالنزول إلى العمل، لعلها تخرج من حالة الإحباط، ولكن لا جدوى تحاول أن تتفاعل مع الزوج الرافض حتى للانفصال عند الغضب، حيث يلوذ بالصمت الرهيب حتى تعود راغمة .. نعم إنه يؤدبها بالصمت هذا ما يليق بسنه ومركزه، وعندما تشكو إليه حالها من وحدة أو جفاف عاطفي تجد استغرابًا وتساؤلاً عما ينقصها؛ فكل شيء متوفر وهو لا يحرمها وأولادها من شيء، وبدأ التذمُّر والرفض يتسرب إليها؛ حتى وصل الأمر إلى أن هجرته في الفراش لمدة عامين كاملين ازداد إحساسها فيهما بالغربة والظلم.. ، وعادت الأحوال مرة أخرى إلى سيرتها القديمة من أجل الأولاد، وحاولت جعل الأولاد مشروعها الذي تحاول أن تعيد الحياة به والأمل والمعنى لحياتها خاصة وأن أكبر الأبناء أصبح في الثانوية العامة، فحاولت أن ترى فيه حلمها الذي لم يتحقق، ولكن الابن خذلها على حد تعبيرها، بل وقلَّب عليها المواجع، حيث اضطره مجموعه ليدخل كلية على غير هواه وليرسب فيها، وتشعر الأم بالفشل حتى مع أولادها لتزداد الحال سوءاً، ولتدخل في حالة اكتئاب دائم رافضة الحياة ومعلنة أنها غير مستعدة للاستمرار بهذا الشكل، ولكنها بين نارين: الانفصال وترك الأولاد، وهذا ما لا تتصوره، أو الاستمرار وهو ما أصبحت غير قادرة عليه، وهذه الحالة جعلت المشاكل والشجار المستمر سمة الحياة اليومية، مما جعل البيت جحيمًا لا يطاق لكل الأطراف.

2- الثانية:

عمرها 32 عامًا، تزوجت منذ عشر سنوات، لها من الأولاد اثنان: الأول في الصف الثالث الابتدائي، والثاني في الحضانة، والزوج صاحب إحدى التوكيلات الكبرى، زير نساء، يشرب الخمر، تزوج لأنه من المفروض اجتماعيًّا أن يتزوج.. ولكنه دائم الشك في زوجته،  وهو يضرب الزوجة باستمرار ويهينها بالرغم أنها من عائلة كبيرة وخريجة الجامعة الأمريكية، وعلى قدر كبير من الجمال.. وتحملت الزوجة بدرجات مختلفة، فتارة تتكيف مع الأوضاع، وتصبر من أجل الأولاد، وتارة تثور حتى وصل الأمر للانفصال، ثم العودة عسى أن تنصلح الأحوال، ولكنها الآن تقف عند مفترق الطرق، وتقول أريد رجلاً يهتم بي وبمشاعري أشعر معه بالأمان لا يشك فيَّ ولكن يغار عليَّ، فهو بالرغم من شكِّه الشديد لا يغار عليَّ، إنه لا يهتم حتى بمشاعري في الفراش.

حاولت أن أبعد نفسي عن طريق الغواية؛ فالتجأت لحماية نفسي بلبس الحجاب، ومحاولة السير في طريق الله، ورفض الزوج وثار ثورة عارمة، وأجبرني على خلعه حيث لا يتناسب مظهري مع وضعه الأدبي والاجتماعي؛ حيث لا يمكن أن يحضر الاحتفالات والاستقبالات معي بهذا الشكل.

         3- الثالثة:

         جاءتني يوم مناقشة رسالة الدكتوراه الخاصة بها، وبادرتني أتدرين أن المفروض أن يكون هذا اليوم أسعد أيام حياتي، ولكن الشقاء الذي أشعر به طيلة السنوات الماضية وصل إلى ذروته اليوم، وأساتذتي يقدرون مجهودي ويثنون على عملي، وزوجي في البيت لا يمل من احتقاري، والتقليل من شأني والتسفيه من أفكاري.. إني زوجة منذ ستة عشر عامًا اكتشفت بعد زواجي عيبًا خطيرًا في زوجي وهو البخل الشديد، وصبرت وحاولت معالجة الأمر، وتدخل أهلي بالمساعدة المالية. وتتابع الأولاد حتى أصبحوا أربعة، ووصل سنهم إلى بدايات المراهقة، وليت زوجي – مثلما رفع عن كاهله المسئولية المالية – قد تركنا لحالنا، بل إنه يتدخل في تربية أولادي بصورة سلبية، ويتعامل معهم بصورة سيئة مما جعل البيت شيئًا لا يطاق، لم أعد أطيق.. لا أستطيع التحمل .. فاض الكيل..  

-----

هذه نماذج مختارة تمثل كل منها عينة لقطاع من الزوجات يعانين من أزواجهن لأسباب مختلفة، ولكن يجمع بينهن الثورة والغضب والرفض لاستمرار حياتهن على هذا المنوال، والغريب أن هذا الأمر يتم بعد سنين ليست بالقصيرة من الزواج والعشرة ووصول الأولاد وبلوغهم لسن خطير، لماذا لم تثُرْن مبكرًا قبل الأولاد، وقبل تفاقم المشكلة خاصة وأن الأمور واضحة مبكرًا.. هل هي ثقافة الصبر والتحمل مهما كانت طبيعة الزوج وتصرفاته؟، هل هي ثقافة رفض الطلاق واعتباره عارًا يجب اتقاؤه مهما كانت التضحيات، هل هي نظرة المجتمع إلى المطلقة كمتهمة تستحق الإدانة والتحقير والعزل دون النظر لأسباب الطلاق أو من المتسبب فيه.

الأولاد أيضًا صارت ردود أفعالهم عنيفة، فحالة الامتنان ناحية الأم التي ضحت بشبابها من أجل استقرار البيت حتى يشق الأولاد والبنات طريقهم في الحياة لم تعد موجودة في معظم الحالات، بل حل محلها نوع من اللوم لعدم التخلص من هذا الأب المتعب مبكرًا حتى لا تنجبونا من الأصل. فتجد الزوجة نفسها وقد فشلت في دورها كأم أيضًا، وأن مشروع الأولاد كمشروع بديل لا يصلح لملء الفراغ الذي تشعر به.

 ربما يسأل سائل أو ليس للأزواج دور" وهم الطرف الفاعل في العلاقة مع الزوجات" في هذه المشكلة، وتسألني الزوجة عن الحل.. أريد الانفصال.. لا أطيق الحياة.. فيكون الرد المفاجئ مني .. على بركة الله أنا أرى أنه لا حل إلا الانفصال، تنظر الزوجة إليَّ بذهول غير مصدقة، فأهز كتفي غير مكترثة فتتراجع سريعًا.. وهكذا نبدأ في التشاور ورؤية المستقبل.

لا حلول بدون خسائر

لو حسمت الزوجة اختيارها لاستراحت ولبدأت المسير في الطريق الذي اختارته، وهي تدرك أن لكل اختيار سلبياته وإيجابياته، وأنها ستحاول التغلب على السلبيات أو التعايش معها بأقل قدر من الخسائر قدر الإمكان، هذه هي النقطة الأولى التي يجب أن تكون واضحة تمامًا ولا يجوز فيها التراجع مع كل موقف صغير يمر في الحياة الزوجية لنعود فنراجع كل المسائل من البداية.

بعد ذلك نسير إلى الحل "مع الاستمرار" وهو ما أسميه "بالإلغاء" إلغاء الزوج في تفكير الزوجة هي حالة من الانفصال بدون طلاق، هي الحصول على مميزات الأب التي أدت بنا إلى الاستمرار والتخلص من السلبيات التي تؤدي بنا إلى الرغبة في الانفصال، إن أزمة الزوجة مع زوجها في كل الحالات التي عرضنا لها أو في غيرها والتي تثير ثائرتها وغضبها هو أنه زوج لا يقوم بواجباته الزوجية على مختلف الأصعدة، فلو ألغينا الزوج بهذا المعنى بحيث لا تتوقع منه شيئًا ولا تطلب منه، أي تحتفظ الزوجة بالصورة ولا تبحث عن الأصل، فهي تريد من يصرف على الأولاد، وهي تريد من يحميها من نظرة المجتمع لها كمطلقة ويحميها من الذئاب التي تنتظر الفرصة السائحة، وهي تريد صورة لأب يجده الأولاد عندما يحتاجونه في مناسباتهم الاجتماعية أو في مواقفهم التي قد تستدعي وجود الأب وللأمن النفسي لهم باعتبار أن تربيتهم في وجود الأب والأم شيء ضروري لنموهم النفسي، وفي مقابل ذلك أو قل بعد ذلك نعتبر الزوج جارًا في السكن نصبر عليه مثلما نصبر على الجار لا نتوقع منه خيرًا، ولكن إذا جاء الخير منه فهي مفاجأة نحمد الله عليها ولكن لا نتعود عليها.

.. فيعود السؤال الحقيقي الصعب: وأنا يا دكتورة.. ماذا عن مشاعري وعواطفي واحتياجاتي؟!.. ولأن السؤال صعب أبدأ بالهجوم أولاً ثم بمحاولة الإجابة.

فأقول: وأين ستكون عواطفك واحتياجاتك عند الطلاق.. لذا اتفقنا أنها حالة انفصال بدون طلاق رسمي نحاول أن نقلل السلبيات على قدر الإمكان، وعلى كلٍّ أمامك اختيار هو أن تعيشي لنفسك تسعدينها وليذهب الأطفال للجحيم! ترد فوراً: لا، لا ،لا أقبل هذا!

إذن.. أمامك أولادك فليكونوا مشروعك الذي تَحْيين من أجله فلتُحْسِني تربيتهم ولتسهري حتى تربيهم أفرادًا صالحين لأنفسهم يعوضونك عن كل ما فاتك.. أنظر في عينيها فأرى عدم الاقتناع .. فأقول مسرعة: وإذا لم يكفك الأولاد فلتبحثي لك عن مشروع خاص بك مشروع ثقافي أو اجتماعي أو خيري أو فني أليس لك هواية تحبينها واندثرت تحت مشاغل الزواج والأولاد ولماذا لا تعودي إليها؟ أليس لك طموح علمي تريدين تحقيقه فلتزيحي الأتربة والغبار عن الكتب ولتبدئي ولا تيأسي

إن هذا الغيظ المكتوم في نفوس الزوجات ينخر فيهن نفسيًّا وينخر في بنية المجتمع، حيث يؤثر على وحدته البنائية وهي الأسرة.

إن حل "الإلغاء" الذي وصلت له يبدو حلاً مؤقتًا مسكنًا وخاصة وأن السؤال الحائر: وماذا عن احتياجاتي العاطفية والجنسية ؟..سيظل معلقًا فوق الرؤوس من غير إجابة خاصة في غياب البدائل وفي غياب الدعم الاجتماعي سواء المعنوي أو المادي.

وسيظل الحل الأخير.. الطلاق سيفًا مصلتًا على الرقاب ..المسألة التي تدل الإحصاءات على زيادة معدلاته، لكن مجتمعاتنا لم تؤهل نفسها لاستيعاب آثاره والتعامل معها بحكمة  وشجاعة.. ربما يكون هذا هو الحل الغائب الذي يحتاج إلى نقاش حقيقي ..عادل وصريح.


طبيبة نفسية وأم لثلاثة أبناء، مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية. الإسكندرية / مصر

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم