|
في الوقت الذي تسعى فيه المنظمات والهيئات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية والجهود القومية على مستوى الدول العربية لإنشاء كيانات تهتم بالمرأة وتبحث عن كيفية رد حقوقها المنقوصة في قوانين الدول، وفي الإعلام، وفي سوق العمل، وغير ذلك من مجالات الحياة أصبح الحديث عن المرأة لا يخلو منه صحيفة يومية أو قناة تليفزيونية فضائية أو أرضية بشكل يومي.
وسط كل هذا الكلام عن المرأة تصرخ نائبة منظمة الأسرة العربية د. سوسن عثمان: كفى اهتمامًا بالمرأة!!
من هي؟
هي الدكتورة سوسن عثمان العميدة السابقة للمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة ورئيسة الجمعية المصرية لتدعيم الأسرة وعضو في أكثر من جمعية اجتماعية، وتم انتخابها نائبة لرئيس منظمة الأسرة العربية إحدى منظمات جامعة الدول العربية ومقرها تونس، ورئيس مجلس إدارتها "الدكتور/ جمال البح" رئيس صندوق الزواج بدولة الإمارات العربية المتحدة.
لماذا المرأة وحدها؟
* سألتها في البداية: لماذا تطالبين بالكف عن الاهتمام بالمرأة والحديث عنها؟
تجيب: أقصد الكف عن اتباع الغرب في الاهتمام بالمرأة وحدها دون النظر إلى بقية أفراد الأسرة، وهو ما يوجد العداء بين الرجل والمرأة في كل مجالات الحياة حتى داخل الأسرة نفسها، فعلى سبيل المثال في مصر، قامت الدنيا بسبب قانون الخلع الذي يعطي المرأة الحق في إنهاء الحياة الزوجية وقتما تريد رغم وجود هذا القانون في القانون المصري منذ عام 1928، ومن أصل الشرعية الإسلامية، لكنه حوّل الأمر إلى صراع بين الرجل والمرأة في البيوت خلال العام الماضي ولمدة ستة أشهر دون مبرر.
والاهتمام بالمرأة وحدها أو بالطفل وحده أو بالمسنّ وحده أو بالمعاق وحده للأسف يعود إلى أننا ننقل ما هو موجود بالأمم المتحدة من قطاعات يهتم كل قطاع بفئة معينة، وبالتالي يضمن المهتمون بكل قطاع تلقي المنح والمساعدات التي تخصص لكل قطاع، تمامًا كما هو التركيز على المنح والمساعدات التي تخصها الدول الكبرى للدول والمنظمات التي تهتم بشئون المرأة، وما يربطه البنك الدولي في تقرير التنمية البشرية من اهتمام الدول، وغير ذلك.
نحن لا نريد الاهتمام بطرف دون آخر، بل المفروض التركيز على الأسرة بكل أفرادها التي تضم داخلها كل هذه الفئات، وقد نجح هذا النموذج كثيرًا في بعض الدول العربية، ففي إمارة الشارقة هناك مجلس أعلى للأسرة يتفرع منه ثلاث قطاعات، فرع للمرأة وآخر للطفل وثالث للمسن، وفي الأردن وتونس وقطر والمغرب هناك أيضًا مجالس للأسرة، والبعض جعل هناك وزيرة للأسرة بدلاً من وجود مجلس أعلى للمرأة، وآخر للطفولة والأمومة، وثالث للمعاق أو المسن، فعندما نضع إستراتيجية لحل مشكلة أي فئة لا بد أن توضع مع الأخذ في الاعتبار الفئات الأخرى داخل الأسرة، ونأمل أن تحذو بقية الدول العربية هذا الحذو وتنضم هذه المجالس جميعها داخل منظمة الأسرة العربية التي حرصنا على أن يكون رئيسها رجلاً لنؤكد على قوامة الرجل.
الغزو الثقافي وقوامة الرجل
* وهل أصبح هناك ما يستدعي التأكيد على قوامة الرجل بهذا الرمز؟
نعم، فالأسرة العربية الآن تعاني من هزّة قيمية أشبه بالوضع الذي عاشته اليابان بعد الحرب العالمية، والأمر يتطلب أن يقوم المجتمع نفسه بثورة قيم معتمدًا على الأسرة وليس على الحكومات بمفردها؛ لأن التنفيذ يأتي من الأسرة نفسها، فهناك مشكلات واحدة تقريبًا تعاني منها الأسرة العربية من المحيط إلى الخليج مثل ارتفاع سن الزواج، وارتفاع نسب الطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج لم تكن موجودة، وأنواع الزواج المختلفة، مثل الزواج العرفي، وزواج المسيار، وزواج المتعة، إلى جانب العلاقات المحرمة، والسبب يعود في كل هذا إلى ما فعلته وسائل الإعلام والمؤسسات الأخرى بشأن المرأة وطريقة الحديث عنها.
الأمر الذي أحدث خللاً في تفكير المرأة نفسها، الجيل الماضي تعلمت الفتيات وخرجن للعمل، لكن كانت هناك قدسية للحياة الزوجية، وإعلاء لقيم التضحية والبذل والمودة والرحمة من أجل استمرار الأسرة، لكن الآن مع الغزو الثقافي والإعلامي الذي تعيشه مجتمعاتنا تغير فكر الفتيات، وتحول الأمر بين الرجل والمرأة إلى نوع من الصراع والندية، وخلل في توزيع الأدوار داخل الأسرة، فأصبح هذا الجيل لا يعترف بالقوامة للرجل.
فالجيل الجديد تولى تربيته المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام، ونحن لا نلوم البنات فقط أو الأولاد فقط، لكن المطلوب من الأمهات والآباء ومن الجميع التكاتف من أجل إنقاذ الزواج كنظام اجتماعي؛ لأنه البوابة الرئيسية لتكوين أسرة، بتشجيع الشباب على الزواج وتذليل الصعاب أمامهم من أجل الزواج المتناسب القائم على التكافؤ الاقتصادي والاجتماعي للزوجين.
الأسرة في الأمم المتحدة
* لكن كيف يمكن لمنظمة الأسرة العربية أن تواجه محاولات الغرب لوضع تعريف جديد للأسرة تحاول فرضه على العالم كله؟
منظمة الأسرة العربية عضو بمنظمة الأسرة العالمية التي تضم أعضاء من حكومات دول العالم ومن الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية المهتمة بالأسرة، ووجودنا فيها يجعلنا نحافظ على شكل الأسرة الطبيعية التي تؤكد عليها الأديان السماوية لنحافظ على هويتنا ضد ما يمكن أن يفرض علينا في الاتفاقيات الدولية، مثل: اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية إلغاء أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من الاتفاقيات التي يذكر فيها تعريف الأمم المتحدة للأسرة على أنها أي تجمع بشري، حيث يمكن أن تكون الأسرة رجلين وأطفال، أو امرأتين وأطفال، أو رجلين وامرأتين أو امرأتين ورجل بزواج أو بدون زواج.
ودائمًا نوضّح وجهة نظرنا في تعريفنا للأسرة أمام المؤتمرات العالمية، ونثبت لهم أن سبب ما يعانونه من مشكلات أسرية تعود إلى هذا التعريف، ومن هذه المشكلات التي يعقدون لها المؤتمرات والندوات مشكلة الأسرة ذات العائل الواحد الذي قد يكون رجلاً أو امرأة، ومشكلة الشذوذ الجنسي، ويحاولون حل هذه المشكلات بالعديد من القوانين والتدابير، ففي إنجلترا وضعوا قوانين جديدة ترغم الرجل والمرأة إذا أرادوا تبني طفل أو إنجاب طفل سواء بزواج أو من دون زواج أن يبقيا معًا لرعاية هذا الطفل ويتم مراقبة ذلك، والتأكد منه من خلال الزيارات المنزلية لهما، ولا يسمحان للسيدة التي انفصلت عن زوج ولها أطفال أن تربي هؤلاء الأطفال مع زوج آخر، وإذا لم تنفّذ الأسر هذه التعليمات يسحب منها هؤلاء الأطفال، وكل هذه القوانين والتدابير تهدف إلى العودة إلى الأسرة بشكلها الطبيعي الزوج والزوجة والأبناء.
ولكن علينا أيضًا أن نعي أن الغرب بكل مشكلاته تلك لديهم ما يمكن الاستفادة منه، وهذا ليس عيبًا، فالمسلمون في العصور الإسلامية الأولى قد استفادوا من الحضارات المجاورة لهم والسابقة عليهم، وترجموها إلى لغاتهم، وأضافوا إلى العلوم التي ترجموها، وهو ما يجب علينا نحن أيضًا الآن أن نستفيد من التقدم التكنولوجي الموجود ومن القيم الجيدة التي يتمسكون بها مثل الصدق، والأمانة، وحب العلم، واحترام الكلمة، والالتزام، ونحن في حاجة بالفعل إلى عودة هذه القيم إلى الأسرة العربية.
لقد بدأت بالفعل بعض القيم الأصيلة تعود لأسرتنا العربية مع أحداث الانتفاضة في فلسطين، فالكل على استعداد للتبرع بالدم والمال في سبيل نصرة الشعب الفلسطيني، وبعض الأسر بدأت تستغني عن الكثير من المنتجات التي اعتادت على استهلاكها بعد أن اتخذت قرارًا بمقاطعتها من أجل فلسطين، وهذا نوع من أنواع التكامل الاجتماعي الذي نراه أيضًا في المظاهرات التي شهدها الشارع العربي، والحزن الذي يشعر به كل أفراد الأسرة العربية من المحيط إلى الخليج مما يحدث في فلسطين.
منظمة الأسرة العربية
والذي ستسعى منظمة الأسرة العربية لإنجازه من أجل دعم الأسرة في وطننا العربي خلال الفترة القادمة هو محاولة الإسهام في حل مشكلة الزواج من خلال الجمعيات والجهات الأعضاء في المنظمة، ففي الجمعية المصرية لتدعيم الأسرة لدينا مشروع الرباط المقدس، حيث يتقدم الشباب من الجنسين الراغبين في الزواج ونقوم بمهمة التوفيق بين رغبات كل منهم في شريك حياته من خلال لجنة تجلس مع كل متقدم لترشح لكل شخص ما يمكن أن يكون موافقًا لميوله ورغباته، فإذا وفقهما الله تم الزواج.
وتقوم المنظمة التي يرأسها د. جمال البح بمساعدة المقبلين على الزواج؛ لتذليل الصعوبات المادية التي تواجههم، ونحاول أيضًا أن نساهم في حل مشكلة قلة الحضانات لرعاية الأطفال أثناء غياب الأمهات في العمل عن طريق تدريب الفتيات على رعاية الأطفال.
وللمسن أيضًا حقوق
وكذلك تقوم المنظمة بتدريب عدد من الفتيات على وظيفة جليسة للمسن، فمجتمعاتنا العربية ما زالت تنظر بتحفظ شديد لدور المسنين والمسنات؛ ولهذا نفرط في رعاية المسن داخل أسرته؛ ولهذا نحاول المساهمة في تغير هذا الوضع عن طريق تدريب الفتيات الراغبات في القيام بهذا العمل على كيفية رعاية المسن. ومن ناحية أخرى لدينا نادٍ للمسنين يشترك فيه 2260 عضوًا متوافقين في مستوياتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تقريبًا، وينضمون في مجموعات طبقًا لهواياتهم، ففريق يكوّن مجموعة للموسيقى، وآخر للأشغال الفنية، وثالث للرحلات، ورابع للشعر، وخامس للمجتمع وخدمة البيئة.
ما نسعى إليه جديًّا هو أن نضع إستراتيجية لحل مشكلات الأسرة العربية معتمدة على البيانات الصادقة والصحيحة عن طبيعة هذه المشكلات، وهذه إحدى العقبات الحقيقة أننا لا نملك قاعدة بيانات عن مشكلاتنا ومداها، ثم بعد ذلك نترك لكل دولة تنفيذ هذه الإستراتيجية وفقًا لظروفها، ونحاول أيضًا وضع قاعدة بيانات عن الجمعيات والمنظمات الأهلية العاملة في مجال خدمة الأسرة على مستوى الوطن العربي؛ لتبادل المعلومات والخبرات فيما بينها من أجل دعم الأسرة العربية.
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com
|