English

 

الخميس. سبتمبر. 28, 2000

حواء و آدم » الطريق إلى الزواج

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الزواج .. من ثقافة أخرى

عبير صلاح الدين

Image

عندما دخل المسلمون إلى البلاد التي فتحوها تزوجوا من أهالي تلك البلاد واختلطت دماؤهم بدماء أهلها، نقلوا إليهم بعض عاداتهم كما أخذوا عنهم أيضًا، وعاشوا جميعًا تحت إمبراطورية واحدة، لا تعرف قوانين الجنسية أو زواج المصلحة أو النخاسة الجديدة، حيث تبدل الحال الآن ورسمت الأسلاك الشائكة حدودًا تبدد أحلام الوطن الأكبر الرومانسية، وأصبح الزواج عبر هذه الحدود نوعًا من الصفقات المشبوهة أحيانًا، ومن المغامرة عين محسوبة العواقب أحيانًا أخرى.

وعبر حدود أكبر وأبعد تجارب عديدة لزيجات شباب العرب من الغربيات بحث عن الأمان في بلاد الغربة..

(حواء وآدم) طافت تبحث عن مميزات وعيون الزواج عبر الحدود من خلال الأزواج والزوجات أنفسهم.

بين مصر والشام

في القاهرة قابلنا الدكتور مصطفى أباظة المتخصص في الاقتصاد السياسي وزوجته السورية الطبيبة ابتسام عناية، نموذج لزوج عبر حدودي ناجح، لهم ثلاثة أبناء وابنة واحدة، كان اللقاء في جامعة فيينا عام 1959م حينما كان يدرس هو الاقتصاد وتدرس هي الطب، وكان هو سكرتير عام اتحاد الطلاب العرب في النمسا.. يقول د. مصطفى: المعروف في عائلة أباظة أنهم لا يتزوجون من خارج العائلة أبدًا، لكني أحببت ابتسام وتمسكت بها، ورفض أهلها في البداية زواجنا أيضًا حتى لا تعيش ابنتهم في بلد بعيد عنهم بعد عودتنا للقاهرة وعودتهم لسوريا، وتزوجنا وعشنا بالقاهرة وأصبحت هي جزءاً من العائلة الأباظية في كل شيء وهي متدينة جدًّا ومدبرة، وبفضل زواجي منها أصبح لعائلة أباظة علاقات قوية مع العديد من السوريين.

بعيدا عن الأهل

أما الطبيبة ابتسام فلها رأي آخر.. تقول: من الصعب على المرأة أن تعيش في بلد غير البلد الذي عاشت فيه ويعيش فيه أهلها؛ لتعيش مع زوجها خاصة في مراحل حياتهما الأولى، فلا تستطيع أن تغضب أو تستنجد بأهلها عبر هذا البعد، وعليها أن تكون أكثر احتمالاً وصبرًا بل وتضحية. برضاها أو بغير رضاها – مما قد تشعر معه الزوجة أحيانًا بالقهر؛ لأنها تعيش بعيدًا عن أهلها، خاصة مع بداية الحياة الزوجية حيث تحكم العلاقة بين الزوجية الكرامة لكل طرف وليس العقل، ومع هذا فأعتبر زواجي من مصري أضاف لزواجي ميزات كبيرة لم تكن لتتوافر لي لو أنني تزوجت بسوري، كأن يكون لنا بلدان وليس بلد واحد، ونتمتع في البلدين بنفس القدر من الحقوق والواجبات والتمتع بالسفر، ويتمتع أولادي بجنسيتين وليست وأحدة، فالقانون السوري يبيح لأولاد السورية من أجنبي حمل جنسية والدتهم والتمتع بحقوق المواطن العادي، كما أن أولادنا يتميزون عن السوريين وعن المصريين أيضًا بأنه يحملون أجمل صفات المصريين وأجمل صفات السوريين وعاداتهم، ونفس الأمر حدث مع أخي الذي تزوج من فتاة فرنسية كانت تدرس الديانات وأسلمت، وعاشت معه في دمشق وتربى أولادها على مبادئ الدين الإسلامي كما ينبغي أن تكون، كما أنها في نفس الوقت نقلت إليهم أهم مميزات الشخصية الأوروبية الملتزمة الصادقة المحبة للثقافة.

هناك فرق

وتقول السيدة كوثر محمد (أم لشاب تزوج دانماركية) لكن الأمور لا تسير دائمًا على هذا النحو عندما يتزوج الشاب العربي من فتاة أجنبية، فنسبة كبيرة من الشباب العرب عندما يسافروا إلى أوروبا يفتقدون الكثير من الأمان، ويكون الزواج بأجنبية بالنسبة لهم هو طريق الأمان خلال سنوات الغربة وهو أيضًا طريق البقاء في هذه البلاد إذا هم فكروا في الاستقرار فيها، ولا يهتمون بأن تكون هذه الفتاة مسلمة أم مسيحية أو يهودية، وتكون النتيجة في أغلب الحالات أن تعامل هذه الزوجة هذا الشاب معاملة بها استعلاء وعدم احترام وتربي أولادها على عادات وتقاليد ودين غير الإسلام؛ ولهذا فزواج المصلحة لا يثمر حياة أسرية ناجحة،رغم أنني لا أعيب على زوجة ابني شيء لكنها لم تسلم وهذا يثير قلقي بشأن القيم في التربية.

خلف الأسلاك الشائكة

وتلتقط الحديث أمنية فرج منصور المصرية التي تزوجت من شاب فلسطيني كان يسكن في القاهرة أوائل السبعينيات وكان جارًا لهم، ووافق أهلها على زواجها منه؛ لأنهم سيعيشون في القاهرة ولا فرق بينه وبين المصري، ومرت أربع سنوات وعرض البعض على الزوج الفلسطيني السفر إلى ليبيا بحثًا عن رزق الأطفال وعن عائد مادي أكبر ينفع مستقبل الأطفال، وانتقلت الأسرة الصغيرة إلى ليبيا.

تقول أمنية: كان لنا بيتًا كبيرًا واسعًا ووصل عدد أولادي إلى 9 أبناء، خمسة من البنين وأربعة بنات، كانت حياتنا سعيدة، أبنائي يتعلمون وزوجي يعمل ولا أشعر أني بعيدة عن أهلي، افتقدهم لكن حنان زوجي ومودتي عوضتني عن كل شيء، فكلانا في الغربة ودوامة الحياة والأطفال التسعة لا تنتهي، ولم نفكر يومًا أننا سنعود للقاهرة، كنا نأتي كل عامين لزيارة الأهل والتنزه والفسحة، حتى جاء عام 1995م وأنهى عمل زوجي عقده، وأخذ زوجي يبحث عن عمل آخر دون جدوى وصدر قرار بخروج الفلسطينيين من ليبيا فخرجنا جميعًا إلى مصر حاملين معًا ما جمعناه من أموال طوال هذه السنوات، لكننا فوجئنا بمنع زوجي من الإقامة في مصر في وقتها، وأنه يجب الحصول على موافقة لدخوله أولاً، وعشنا أنا وأولادي في مصر ونحاول أن نحصل لزوجي على تأشيرة بدخول مصر دون جدوى وعاش زوجي على الحدود بين مصر وليبيا لا يستطيع دخول مصر، وغير مرغوب فيه في ليبيا، فهناك مآسي تسببها السياسة أحياناً للأسرة في مثل حالتي.

فقد واجهت الحياة في مصر لأول مرة مع أولادي التسعة الذين لا يحملون الجنسية المصرية حسب القانون المصري الذي لا يبيح للأم المصرية من أجنبي - غير مصري - أن يحمل أولادها الجنسية المصرية؛ ولهذا فوجئنا بعدم قبول أولادي في المدارس الحكومية المجانية؛ لأنهم ليسوا مصريين، وليس أمامهم سوى المدارس ذات المصروفات المرتفعة وابنتي بالجامعة يجب أنت تدفع مبالغ طائلة لأنها أجنبية، هذا غير تكاليف المعيشة الغالية لتسعة أبناء دون عائد مادي للعائلة، ولا نرى زوجي ألا عبر الأسلاك.

وكويتيات يتزوجن من آخر الدنيا!!

الزوجة كويتية... والزوج من جنسية آسيوية: الهندي والبنجلاديشي، والسيريلانكي والباكستاني والفليبيني والإيراني، بل أيضًا التايلاندي والنيبالي ولا بأس إن كان من جزر المالديف، فالزواج يتم على سنة الله ورسوله، والإحصائيات تقرر أن الزيجات مستقرة وحالات الطلاق نادرة، وكما تقبل الكويتية على الارتباط بأزواج آسيويين، فإن الهنديات والسيريلانكيات والتايلانديات والباكستانيات والكوريات... إلخ أيضًا زوجات مفضلات لدى الكويتيين من الرجال، ومهما تحدثت الأرقام وأكدت الدراسات.. يبقى السؤال: لماذا يتزوج هؤلاء من "آخر الدنيا"؟، وما هو تأثير هذا الزواج على المستوى العائلي والتقارب الأسري؟، هل يعني ذلك الاختيار أن هناك مواصفات ما لم تجدها الزوجة الكويتية في واحد من مواطنيها؟ وكذلك الأمر بالنسبة للزوج الكويتي؟

تغيير.. ونصيب

"حواء وآدم" التقت مع بعض الزوجات والأزواج كويتيين وآسيويين من الجنسين ممن ارتبطوا بهذه الزيجات، فأكدوا أن الأمر عادي ويتم بكل سهولة...

"شندرا. م" 35 سنة سيريلانكية متزوجة من كويتي تقول: زوجي مسلم ويحبني كثيرًا، وأنا زوجته رقم 3 ولا أرى في الارتباط بعربي مسلم أية مشكلة، فقد جمعنا الحب من أول نظرة!! أما "ريشيل. ع" 32 سنة، وهي فليبينية متزوجة أيضًا من كويتي، فإنها تضحك وتقول: لقد سألت زوجي لماذا فضل الارتباط بي مع أنني فليبينية مسيحية فرد قائلاً: المهم في الزوجة الطاعة المطلقة وخفة الظل ومعرفة ما يريد الرجل ويريحه وهذا ما تفعلينه أنت!!، أما أنا فأعتقد أنه تزوجني لأنني جميلة جدًا؛ ولرغبته في التغيير!

(س. أ) 37 سنة كويتية متزوجة من إيراني.. تقول: "قسمة ونصيب" فقد تقدم لي الكثيرون، ولم أكن أتوقع أنني سأتزوج يومًا من غير كويتي، ومع ذلك فزيجتي ناجحة وتمت وسط مباركة ذوي القربى، وزوجي منغمس في وسطي العائلي، والجميع مرحب بوجوده كزوج لي، ولا أعتقد أن هناك مشكلة، ولم يقل لي أحد "ليش"!!

أما (ع. م) 40 سنة غير كويتي متزوج من كويتية فيقول محبذًا "زواج الجنسيات": ما أعتقده أن الزواج من جنسية أخرى للرجل أو المرأة يوطد العلاقات بين الشعوب ويوسع المدارك، ويغني المجتمع بالتنوع الإيجابي، ويصبح لكل زوج بلدان يعتز بهما، وأنا أخذت زوجة كويتية؛ لأنني اقتنعت بأخلاقها وسلوكها وفكرها، ونحن المسئولان عن تربية أبنائنا فالحديث يقول: "أبواه يهودانه أو…" فكل مولود يولد على الفطرة وليس على الجنسية، ورغم اختلاف جنسياتنا أنا وزوجتي فإن الانسجام بيننا والتآلف والسكن والمودة والتقارب الفكري والاجتماعي حطم كل الحواجز والجنسيات.

اعتبارات خاصة جدًّا

"الدراسات الاجتماعية الحديثة تشير إلى أن معدلات الزواج من دائرة القرابة ومن المحيط الاجتماعي والثقافي المحلي عالية إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور أنماط جديدة مختلفة ارتبطت بالمعايير الخاصة في عملية الاختيار الزواجي" هكذا يوصف الدكتور يعقوب الكندري -أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت- الظاهرة، ويستكمل حديثه فيقول: لقد مرت على دول الخليج العربي والكويت خاصة عمليات تغيير اجتماعي وثقافي سريعة وكبيرة مما أثر على البناء الاجتماعي وعناصره الثقافية، وكان من الطبيعي أن يتعرض النظام الزواجي لهذه التغييرات؛ فأصبح هناك قبول اجتماعي ما لهذه النوعية من الزواج، فهناك معايير وأعراف اجتماعية سائدة في المجتمعات العربية بشكل عام ومجتمعات الجزيرة العربية بشكل خاص تتعلق بقبول هذه الزيجات، فبالنسبة لزواج الكويتي من غير كويتية فهو أمر يرتبط بالقيود التي تفرضها العائلة على هذا الزواج؛ إذ إنه يكون مرتبطًا بالأسرة أكثر من ارتباطه بالشخص المقبل على الزواج فالمعايير تحددها العائلة، والزواج يكون تقليديًا إلا أن هذه القيود تخف حدتها بشكل كبير إذا ما أقبل الفرد على الزواج بأخرى ثانية أو ثالثة… إلخ.

وعن ارتباط الكويتية بزوج أجنبي يقول أستاذ الاجتماع: هي ظاهرة لم تكن موجودة أو نادرة الحدوث إلا أنها ظهرت وبرزت على الساحة بصورتها الحالية نتيجة لبعض التغيرات الاجتماعية والثقافية التي مرت على الكويت وساعد في ذلك خروج المرأة للتعليم في الداخل والخارج وخروجها كذلك للعمل  مما أسهم في إحداث تغيير في اختيار الفتاة الكويتية للزوج من منطلق مساواتها به –أي الرجل- ورغبتها في الخروج على بعض الضوابط والأعراف الاجتماعية وإبراز نظرتها الخاصة الجديدة لنفسها بوجود كيان خاص وفعال لها في المجتمع لا يختلف ولا يقل عن الرجل.

وأخيرًا فقد لا يكون المجتمع قد سمح بوجود هذا النوع من الزواج بصورة مطلقة، ولكنه بلا شك يعبر عن تغيير ما حدث في المفاهيم الخاصة بالزواج به.

معاناة.. لا تستحق

أما الدكتور إبراهيم جاسم العلي -مستشار العلاج النفسي والأسري- فلا يرى أن هذا النوع من الزواج في المجتمع الكويتي ظاهرة تستحق الاهتمام... يقول: غالبًا ما تختار الفتاة الكويتية زوجًا أجنبيًا عند تجاوزها سن الخامسة والثلاثين بدافع الشعور بانتهاء فرص الارتباط بشاب كويتي، ورغم أن اختيارها هذا في هذه السن يغلب عليه طابع العقلانية والموضوعية والقناعة الشخصية فإن أعداد المقبلات على هذا النوع من الزواج قليلة جدًا.

ومن واقع المشاكل الاجتماعية أمامنا فإنني لا أحبذ أبدًا زواج الكويتية من الأجنبي؛ لأنه يحمل بين جوانبه عوامل فشله، فمعظم العائلات لا تتقبل الزوج الأجنبي ويصعب اندماجه معهم، وبالنسبة للزوجة الكويتية فإن زواجها هذا يجعلها معزولة اجتماعيًّا، وتكون النظرة لها غير سوية، فضلاً عن معاناتها مع زوجها الأجنبي؛ لاختلاف عاداته وتقاليده عنها، ولدينا أمثلة كثيرة واقعية وإن كانت قليلة.


  صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم