|
لذعة البرد الجميلة في الهواء، والدفء الداخلي الذي نستشعره، وشمس الشتاء الفضية نفرح بها حين نراها، مرحبا بالشتاء.
ولكل واحد منا فصله المفضل في العام، بالنسبة لي فالأمر محسوم، إنه الشتاء بلا مناقشة، لا أطيق حر الصيف اللزج، ولا زوابع الربيع الرملية ولا حيرة الخريف المتردد؛ ولذلك تجدني من عشاق الشتاء القدامى المخلصين.
في الشتاء تولد قصص الحب العظيمة التي تختلف عن عبث الصيف وعري الشواطئ، وتغني فيروز للعاشقة التي نسيها حبيبها القاسي وابتلت بالمطر، ينخرط الكون في ملحمة عشق مدهشة، ترسم السحب في إصرار وجه الحبيبة، وتنقر الأمطار أسماء العاشقين الجدد، بعدها تشرق الشمس وتمحو الأسماء بسرعة.
رجعت الشتوية
وإذا سقط المطر فأول ما أصنعه هو أن أرتدي أجمل ثيابي وحذاءً لامعا، أنثر العطر على وجهي وملابسي ثم أهرع إلى الحديقة الخالية -إلا من المجانين أمثالي- لأشارك الطبيعة في الاحتفال بالشتاء، رقصة الشجر المغسول مع الرياح، رجفة الزهور نشوة وعشقا، رائحة الأرض المبتلة، أتلصص على أسماء العاشقين الجدد باحثا عن اسمي بينهم، وينخرط قلبي في صلاة كونية، ولا أدري هل كان هذا البلل في عيوني مطرا أم دموعا؟
أحتضن فنجان القهوة الساخن براحة يدي المثلجة، وأهمس بأشعاري بصوت خافت لا يسمعه أحد وسط الرياح وعزف المطر:
"شيء ما في طعم القهوة يذكرني بك
ذلك الحزن
تلك الكثافة
هذه النكهة
السحر
الطقوس
خفقان قلبي بعدها
حميمة اللحظة
وتلك اليقظة الموجعة في عالم الروح
لذلك أتذكرك كل مرة".
ديسمبر 2006
عبر زجاج النافذة شرعت أتطلع إلى سماء ديسمبر الرمادية التي تتهيأ للأمطار، كان الطريق مكتظا بطلاب المدارس الثانوية ذوي الزي الموحد، ومنذ ثلاثين عاما كنت أحدهم.
ديسمبر 1976 كان عمري وقتها أربعة عشر عاما، عمر الزهور، وكان ديسمبر يفوح بعبق حب رائحته أزكى من الورد النضر، هي صديقة قديمة وزميلة سابقة في المدرسة الابتدائية، اكتشفت أنني أحبها في إحدى ليالي ديسمبر، كانت تتحدث في الطريق مع أحد أصدقائي، اشتعلت فجأة بالغضب والغيرة، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أجذبها في حزم من معصمها إلى منزلها.. رمقتني في غضب، ثم في دهشة، وما لبثت أن ابتسمت.
أول مرة تحب يا قلبي
المطر والشتاء، المعاطف الثقيلة والخطوات المسرعة، والأيدي الباردة والقلوب الدافئة، والبرد الجميل يدفعني أن أسرع الخطى، وأنا أتجول حول منزلها كحارس مخلص. هي تقف في الشرفة وعيناها تلمعان، تنطقان بحب الحياة، فتاة في الرابعة عشرة تتساءل عن حظها في الحياة وتحلم.
يتملكني دوار الحب الأول، لم تكن الطرقات قد ازدحمت بذلك العدد من الناس في هذا الزمن البعيد، كانت الأرض بكرا والدنيا قليلة العدد، والهاتف مكون من أربعة أرقام فحسب، وحينما كنت أحدثها كانت تطرق في عذوبة وحياء، التقت عيوننا مرة فتضرجت وجنتاها، ولا أذكر أننا تصافحنا أبدا.
أعود إلى منزلي في الحادية عشرة مساء لأتلقى تأنيب أمي مبتسما، أدلف إلى الشرفة المُنَدّاة بندى ديسمبر، أرسل سلامي إلى الطرقات المغسولة بالأمطار، وأتعرف على رائحة الهواء ذات الشجون، وأرنو إلى نافذتها الموصدة بحب، ثم أنام.
لكن ذلك كله قد تغير!
هي تزوجت وأنجبت ثلة من الأطفال الذين التحقوا بذات المدرسة، ازدادت وزنا وامتلأت شحما ولحما، واغتربت عن وجهها القديم المخلص.
وأنا صار وجهي بليدا كروحي، ولم أعد أعرف نفسي كلما تطلعت إلى المرآة، وديسمبر صار شهرا مزعجا تكثر فيه نزلات البرد وآلام الركبتين.
كل شيء قد تغير إلا ذلك المشهد الجميل، الطلبة الذين يتدافعون في الطرقات مبتهجين بهطول الأمطار، يتمايلون على إيقاع داخلي بدائي يشبه رقص أجدادهم لجلب الأمطار.
عبثا ما أفتش الآن عن وجهها القديم وسط مئات الوجوه الناعمة التي ترتدي ذات الزي الجميل الذي لطالما ارتديناه، عبثا ما أفتش عن وجه غاب منذ ثلاثين عاما.
رجعت ليالي زمان
السماء تتهيأ كي تمطر.. لحظة حزن شتائي مفاجئة غمرت قلبي سلاما.. أفتح النافذة وأرمق الطلاب وهم يتعابثون في مرح ويحتمون بمداخل المنازل من الأمطار المتساقطة مثلما كنا نصنع منذ ملايين السنين الضوئية.
المطر يتساقط برشاقة على النافذة التي أحتمي بها، يذكرني بأيامي القديمة حينما كان ينقر على رأسي -وأنا أرنو إليها بعينين متسعتين- فلا أشعر به، هي الأخرى كانت تقف في شرفتها يغمرها المطر الطهور بشعر مبتل ووجه مغسول وشفاه منفرجة وتنظر نحوي كالمسحورة، نملأ صدرونا بهواء مغسول مشترك استنشقاه معا.
رائحة المطر هي هي، رائحة ديسمبر، أعرفها جيدا، لكن شيئا ما لم يزل ناقصا، شيئا بمثابة الروح.
وأسطح السيارات -كالعهد بها- يلمع بها آلاف اللآلئ من قطرات المطر تضيئها أشعة الشمس التي تتسلل برفق من خلال السحاب الرمادي المتناثر، الطرقات لامعة لامعة، وكل شيء مثلما هو إلا شيئا واحدا لم أزل أفتقده.
رفعت بصري قليلا فتجمدت من الدهشة، لم تكن حبيبتي تقف أمامي في نافذة قريبة ترنو إلى المطر فحسب، وإنما كنت أنا أيضا هناك على نافذة مقابلة.
شابان في عمر الزهور -عمر أبنائي- يتطلعان معا بشعر مبتل وعيون حالمة وشفاه منفرجة إلى مطر ديسمبر، وهو يتساقط بنغم موسيقي يبوح بسر لا يفهم رموزه المسحورة أحد غيرهما.
أوصدت النافذة وأنا أبتسم.. ديسمبر، ما أجمل أن يعود من جديد.
طبيب وكاتب من زوار "إسلام أون لاين.نت"، للاستفسار والتعليق يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@iolteam.com.
*إلى متابعي مقالات د.أيمن الجندي، انتظرونا كل أربعاء على صفحات حواء وآدم.
|