|
هي سيدة طيبة تخطّت الخمسين، تحمل ملامحها كل هموم المرأة المصرية ريفًا وحضرًا، ترتدي حجابًا يعكس الذوق الرفيع للمجتمع السكندري، وتُظهر بطاقة هويتها المُعلّقة على صدرها أنها تمثل إحدى الجمعيات النسائية بـ "الثغر" المصري. دخلت قاعة المؤتمر حيث تناقش قضايا المرأة المصرية من تعليمها إلى صحتها… الخ، واتخذت مجلسها وسط الحضور. رأيتها فغمرني شعور بالارتياح أو بالأحرى "بالعزوة"، فكثير من هذه المؤتمرات ذات الصبغة النسائية قد أصبحت مرتعًا للسلع الثقافية المستوردة حتى دون أن يُكلِّف المستورد نفسه عناء -على طريقة الشيكولاته والدجاج المستورد- استبدال غلاف مكتوب بالعربية على سلعته مكان الغلاف الذي يحمل لغة بلد المنشأ.
افتُتحت الجلسة وكان عنوانها عن "الصحة الإنجابية وتطوير التعليم" فسرت في جسدي قشعريرة؛ وذلك لأن هذين المصطلحين على الرغم مما يبدو عليهما من طيب النوايا إلا أن دلالتهما الفعلية من حيث التطبيق لا تعكس هذه النوايا، فهذان المصطلحان قد أصبحا من جملة المصطلحات التي انفصل منذ زمن - بفعل عوامل التعرية الخلقية لمن ملكوا زمام الثقافة في البلاد - حالها عن مدلولها مثلها مثل مصطلح التنوير والأصولية والإرهاب.
كنت أعرف مُسبَّقًا ما سوف يُطرح من آراء وتجارب قد تكررت ولكن القائمين على أمر هذه المؤتمرات يعلمون أن التكرار يعلم "الشطار" كما نقول نحن المصريين، وبما أن أعضاء وعضوات هذه الجمعيات المنتشرة على صعيد مصر من أقصاه إلى أدناه من "الشطار" إذن فقد وجب على ملقنيهم تكرار الدرس حتى يُستوعب جيدًا. انتبهت على صوت المحدثة الأولى ووجدت نفسي بطريقة لا شعورية أزحزح مقعدي وألتصق بمقعد السيدة السكندرية كعادة الأقليات التي يحتمي أعضاؤها ببعضهم البعض حرصًا على أنفسهم من أن تبتلعهم المجتمعات الأكبر. وشعرت بالدفء وشرعت أستمع إلى المتحدثة التي أنزلت على القوم الحضور شديد اللوم والتقريع على ما وصلت إليه مصرنا المحروسة من تعداد سكاني، وكيف أن نصيب كل أسرة الآن هو الطفلان والثلث، وهذه هي الكارثة! دفنت رأسي بين أوراقي كي لا يقرأ أحد الحضور على وجهي أنني أم لأربعة أطفال، وأضافت المتحدثة: إن قلة وفياتنا عامل يضاف إلى زيادة مواليدنا في حدوث الكارثة، ولا أدري هل يكون الحل بتحديد نسلنا أم قصف أعمارنا؟!! 
وانبرت المتحدثة التي تليها مُتحدثة عن صولات وجولات جمعيتها في منع ظاهرة تشويه الطفلة الأنثى أو Female Genital Mutilation في أدنى صعيد مصر، ووجدتني بلا شعور مني ألتصق أكثر بالسيدة السكندرية طلبًا للحماية، فعلى الرغم من أن أسرتنا لا تتعامل مع ختان الإناث منذ جيلين مضيا إلا أننا كنا دائمًا نعرف البديل الأخلاقي المستخدم في توجيه وتهذيب غرائز البنات، ولكن هل هذا التوجه "البكيني" - نسبة لتوصيات مؤتمر بكين بمنع ختان الإناث- قد نوَّه لنا عن هذا البديل أم ترك مجتمعنا الأصيل يغترف الآن من بحار الزواج العرفي وحمل المراهقات؟! إن الكثيرين ممن تصدوا لحملة منع ختان الإناث لا ينصب عداؤهم في الغالب على منع الختان في حد ذاته، ولكن على هذه الحملة كنموذج للاختراق الثقافي، والتعدي على خصوصيات مجتمعات لم يُكنّ النظام العالمي نحوها يومًا أي عطف أو شفقة. فلو أن هذا التوجيه بتقييد ختان البنات قد أتى من قِبلنا ونتج عن تحليلنا نحن أهل هذه الثقافة لكنت أول من قاد الحملات مطالبة بترشيده؛ ولكن الذين يطالبون بمنع قطع هذا الجزء الصغير من جسد الطفلة (تحت أي مبرر) هم الذين يقطعون أوصال أطفال العراق ليلاً ونهارًا (حصيلة شهر سبتمبر 1999 تسعة آلاف طفل عراقي متوفى وبلا أي مبرر).
وسرت في القاعة جبهات تطالب -بعد انتصار النظام العالمي في قضية ختان الأنثى- أن تعيد النظر أيضًا في ختان الذكور؛ والذي لا يقل بربرية عن ختان الإناث! واستشعرت الخطر؛ لأن مداهمة خصوصياتنا بهذه الجرأة دائمًا ما يبدأ في شكل همهمات مطالبة ثم يعلو الصوت شيئًا فشيئا حتى ينتصر بالضربة القاضية، وكادت القاعة تميد بي فهذه القاعة التي تحمل اسم صلاح الدين لا يتناسب اسمها الجهادي مع مظهرها المرفَّه المستفز أو جوهرها المتخم بالاختراقات الفكرية. وتخيَّلت صاحب هذه القاعة يحيا من جديد ليقود جيش تحرير بيت المقدس ولكن على رأس جيش من رجال غير مختتنين!!
وأخيرًا جاء دور رفيقتي السكندرية للتحدث فحمدت الله على أنه جاء دور من ستقوم بالرد وإسماع صوتنا لأناس يبدو في آذانهم الوقر؛ ولكن لخيبة ظني بدأت هي نفسها تعبر عن كامل تأييدها ومبايعتها لكل ما تُمليه علينا ثقافة الجندر Gender -الذي يعني تقسيم الأدوار المجتمعية بحسب النوع "الذكر والأنثى"- كما هي بغلافها المستورد. وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونظرت لانفصال الدَّال عن المدلول. إن أكبر ما أخشى هو أن حركتنا النسائية العربية قد تفقد هويتها وإحساسها بأولويتها، وأن ترضي لنفسها دور التابع أو قُلْ الخادم، وأن يخونها ذكاؤها المعروف عنها منذ بدأت؛ والذي كانت تُميز به بين من يريد بها الخير ومن لا يريد. أخشى أن تفقد حركتنا النسائية ريادتها منذ أن خرجت المرأة المصرية مبرقعة منذ ثمانين عامًا خلف زعيم أمتها في ثورة 19 لتسقط شهيدة بجانب الرجال (فهذا هو مفهوم الجندر الذي نعرفه). أخشى أن تكون الحركة النسائية العربية والتي عاشت طوال عمرها بجميع اتجاهاتها يمينًا ويسارًا، إسلامًا ومسيحية في زنزانة سجن واحدة دفاعًا عن الوطن- قد بدأت الآن فقط يدركها التخبط والارتباك وانعدام الرؤية، فلو أن رائدات العمل النسوي اللاتي أضأن لنا الطريق منذ أواخر القرن التاسع عشر لنسير فيه رأين حفيداتهن وهن يستكملن المسيرة على موائد "الأوبن بوفيه" في فنادق الـ "خمسة نجوم" لمبايعة مبادئ "الجندر" كما يمليها عليهن من يدفع حساب هذه الموائد كائنًا من كان فلمَ كان التحدي؟ ولم كانت التضحيات؟؟
والله نسأل وهو المستعان!
مدرس الأدب الإنجليزي-جامعة القاهرة
|