|
تحت شعار "المرأة واستشراف المستقبل" اختتم في العاصمة اللبنانية بيروت الدورة الثانية للمؤتمر العام للاتحاد النسائي الإسلامي العالمي، والذي أقيم تحت رعاية دولة رئيس مجلس الوزراء السيد/ سليم الحص، وذلك في الفترة من 25-27 فبراير 2000م.
بحماس المؤتمرات الإسلامية المعهود جاء الافتتاح كمهرجان خطابي سياسي تأييدًا لصمود لبنان والمقاومة الإسلامية في الجنوب في وجه العدوان الإسرائيلي... حيث ألهبت د. سعاد الفاتح/ الأمين العام للاتحاد المشاعر بخطبة حماسية عصماء... وأهدت راعي المؤتمر سيفًا رمزًا للجهاد والصمود، وقد خرج الحص رافعًا سيفه وسط تصفيق وتكبير السيدات(!!)
وقد جاء المؤتمر العام بدورة انعقاده الثانية بهدف عرض وإجازة تقرير الأمين العام عن السنوات الثلاث الماضية، وإجازة ميثاق المرأة المسلمة، وانتخاب الأمين العام ورئيس مجلس الأمناء وعضوات مجلس الأمناء الجديد... وذلك وسط مشاركة نسائية إسلامية كبيرة، حيث بلغ عدد المشاركات حوالي 110 سيدات يمثلون أكثر من 40 دولة.
ويعتبر المؤتمر العام هو أعلى سلطة بالاتحاد، ومهمته هي وضع الاستراتيجية العامة للاتحاد، وقد احتوى برنامج المؤتمر إضافة إلى ما سبق ورقة عمل حول المرأة واستشراف المستقبل قدمتها د. بسيمة الحقاوي من المغرب ورئيسة مجلس أمناء فرع الوطن العربي.
يذكر أن الاتحاد النسائي الإسلامي العالمي هو منظمة دولية غير حكومية ذات صفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، وقد تأسس في 1996م بهدف مساندة المرأة؛ لتجاوز الظلم والتحرر من جميع الممارسات المهنية التي لا تتماشى مع قيم الدين وكرامة الإنسان وإيجاد منبر قوي يعكس آراء المرأة المسلمة، وتعتبر الخرطوم هي دولة المقر، علمًا بأن عضوية الاتحاد مفتوحة لكل امرأة أو منظمة نسوية تقتنع وتلتزم بأهدافه ومبادئه، ويتبع الاتحاد سبعة مكاتب إقليمية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وجنوب الباسفيك وإفريقيا والعالم العربي.
أين المرأة؟!
بدا طوال المؤتمر وجه السياسة واضحًا حيث طغى الخطاب السياسي على مشاكل المرأة المسلمة الحقيقية… وقد غلبت الحالة الانفعالية والعاطفية والعشوائية على النقاش، (وهي بالمناسبة حالة نسائية تختص بها نساء العالم الإسلامي!!!) بدلاً من الطرح الجاد والفاعل.
وبدا أن هناك بعض الخلل في الأولويات.. وتدليلاً على ذلك نلحظ أن تقرير الأمين العام يشير إلى عدد من الوسائل؛ لتحقيق أهدافه في نشر الوعي وقيم ومبادئ الإسلام بين النساء المسلمات، وتعليم ومساعدة المرأة المسلمة في التعرف على حقوقها من هذه السوائل على سبيل المثال: إقامة مركز للعلاج بالقرآن الكريم والأعشاب!!!وإصدار كتاب "سفر المرأة.. رؤية تأصيلية"!!!
كما يُؤخذ على تقرير الأمين العام أنه لم يقم بمسح علمي موضوعي لمشاكل المرأة المسلمة في العالم، حيث لم نلحظ لدينا أرقامًا حول المرأة، والإحصاء هو المستند الحقيقي للتشخيص الموضوعي الذي يترتب عليه تحديد الأولويات، وكيفية معالجة المشكلات وتحسين نوعية الحياة للمرأة.
ولعل ذلك يعود لشح الموارد المالية للاتحاد الذي واجهه العديد من المصاعب المالية، والانشغال في عملية التأسيس للفروع الإقليمية.
ميثاق المرأة المسلمة
لعل من أهم إنجازات المؤتمر هو إقرار ميثاق المرأة المسلمة، والذي صدر باسم المسلمات من مختلف الشعوب والأجناس والأقطار واللغات، داعيًا العالم للاعتراف بخصوصية المرأة المسلمة وخصوصية مجتمعاتها، والعمل على عدم تجاوزها أو انتهاكها بأي صورة أو شكل... ويبرز البند الرابع من الوثيقة كأحد أهم البنود وهو ممارسة الحقوق السياسية، حيث ينص على "حق الانتخاب والمنافسة على الوظائف العامة، وتمثيل الإرادة الشعبية، والمشاركة في الحياة السياسية في مجالات الحكم والإدارة والقضاء.. طالما استوفت شرائط التكليف...".
أما في مجال الأسرة فقد أكد الميثاق على أن الزواج تنظيم للفطرة وحفظ للنسل وهو سبيل التكاثر، مصداقًا لقوله تعالى: "والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة"، كما شددت الوثيقة على أنه لا يجوز للدولة التدخل في تحديد وتنظيم النسل بإصدار القوانين، وأن الإجهاض بخلاف الأسباب الشرعية المعلومة –وأد وإثم ينبغي اجتنابه.
وفي مجال العمل جاء التأكيد على أهلية المرأة الاقتصادية وضمان وضعها المالي، وأيًّا كانت ثروتها الخاصة فللرجل الإنفاق عليها، والعمل حق مشروع للمرأة والرجل وللقرآن السبق في إقرار الأجر المتساوي للعمل، مصداقًا لقوله تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن".
هموم المستقبل
لم يجد شعار المؤتمر "المرأة استشراف المستقبل" صدى على أرض الواقع، ففي ظل غياب التراكم المعرفي في حقل دراسات وندوات استشراف المستقبل فقد تم التعامل مع قضية المرأة والمستقبل بعمومية داخل أروقة المؤتمر ولم تتوفر رؤية واضحة بعيدة المدى... وعلى الرغم من أن ورقة د. بسيمة - والتي تناولت فيها المرأة في دائرة العولمة - كانت ورقة جيدة إلا أنها لم تؤسس قاعدة انطلاق ولم ترسم قسمات هذا المستقبل.
تحدي آخر في إدارة الأمور كان مسألة القيادة والإدارة ،فقد أشرف على إدارة شئون الاتحاد أمين عام هي البروفسير/ د. سعاد الفاتح البدوي، وهي بحد ذاتها شخصية متفردة في الحركة الإسلامية عامة، والحركة النسائية على وجه الخصوص، حيث تعرف بقوة شخصيتها وشجاعتها وحنكتها السياسية...فهي التي أشعلت شرارة حل الحزب الشيوعي السوداني في الستينيات، حيث قادت المظاهرات حتى مبنى البرلمان، وطالبت الجماهير بحل الحزب الذي تطاول أحد أعضائه على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولكبر السن - حيث جاوزت د. سعاد السبعين عامًا - اعتذرت عن الترشيح لمنصب الأمين العام، وزكت نيابة عنها/ د. إحسان الغبشاوي وزير الصحة الأسبق في السودان، وحظيت التزكية بمباركة المؤتمر العام على الرغم من تململ البعض من أسلوب التزكية المباشر. ولعل من مفاجآت المؤتمر، والتي أثارت دهشة الكثيرين هو تزكية السيدة فاطمة كروبي رئيسًا لمجلس الأمناء، والسيدة فاطمة هي عضوة برلمانية في مجلس الشورى الإيراني، وتعتبر هي وزوجها مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى الأسبق من رواد الثورة الإسلامية في إيران.. والمشكل أن السيدة كروبي لا تجيد التحدث باللغة العربية ولا الإنجليزية!! ولم تُخْفِ كثير من العضوات استغرابهن من هذا الترشيح، حيث بدا واضحًا وجود ترتيبات مسبقة شعرت معها الأغلبية بمصادرة حريتها في الانتخاب.
وقد وصفت إحدى العضوات في تصريح خاص لمجلة حواء وآدم... "كنا نتمنى أن يسمح لنا بالتصويت وأن لا تتم العملية بالتزكية. وأن يتم الاختيار حسب كفاءة الشخصية وليس الدولة التي تنتمي لها فقط!"
وقد تم أيضاً اختيار د. سعاد الفاتح رئيسًا فخريًا للاتحاد.. مدى الحياة!
وفي الختام...بقي أن نقول:
إنه في ظل حالة التمزق والشقاق التي تعانيها أمتنا الإسلامية، فإن أي بادرة تجمُّع تعد في حد ذاتها بادرة خير تحسب لصالح الأمة، ناهيك عن المرأة، ولعل الإتحاد يلتفت إلى أن اللقاءات الدورية الضخمة لم تعد معيار التنظيم والفاعلية بل تأسيس الشبكات والربط بين الأنشطة المختلفة للهيئات على أرض الواقعNetworking.
وإذا تمكن من أن يكون مظلة تنسيق ثنائي وجماعي بين الأعضاء في أنشطة مشتركة تخدم المرأة على مستوى المجتمع والعمل الأهلي فإنه يكون قد حقق غاية عزيزة وهامة.
نأمل أن يحرك الاتحاد النسائي الإسلامي العالمي في شريان الأمة الأمل من جديد في تفعيل دور المرأة، وإعادتها إلى حيز الفعل الاجتماعي والسياسي، وأن ينجح مع تراكم الخبرة في القيام بدوره المنوط به.
|