تبرأت سوزان ناتان -55 عاما- من فكرها الصهيوني الذي آمنت به سنين طويلة، وتركت بيتها في مدينة تل أبيب، وانتقلت للعيش في الجليل وسط السكان العرب، رغم حملة المقاطعة التي تعرضت لها، لكونها تنتقد "يوسي بيلين" و"ياسر عبد ربه" مهندسي وثيقة جنيف لإجحافهما بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، ورفضها للظلم الواقع على العرب على يد الدولة اليهودية.
حق العودة
وفي لقائنا معها أكدت لنا أن الفلسطيني الذي شُرِّد من أرضه عام 48 له الحق في العودة إلى وطنه، ولا يحق لأحد مهما كان منصبه التفريط بحق العودة.ونظرا لآرائها الجديدة تعرضت "ناتان" لهجمة إسرائيلية شرسة منذ إعلانها عن رفضها للأيديولوجية الصهيونية، ومهاجمتها للحركة الصهيونية التي ترعرعت على أفكارها ومبادئها، وتابعت قولها: "اكتشفت بعد عشرات السنين أن الصهيونية عبارة عن كذبة قائمة على الاضطهاد والأكاذيب والقمع والتمييز وسلب حق الآخرين في العيش".ورغم المقاطعة وتهمة الخيانة التي تتعرض لها "ناتان" فإنها تزداد تمسكا بموقفها الذي قلب حياتها رأسا على عقب ودفعها للهجرة من المجتمع الإسرائيلي والتخلي عن حياة الرفاهية والمتعة في تل أبيب للعيش في إحدى المدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر.ومن آرائها التي تعبر عنها بكل صراحة وقوة قولها: "أنا أريد أن أرى السكان العرب يعيشون مثل السكان اليهود، في الجامعات والمدارس وفي كل ميادين الحياة في إسرائيل"، كما أنها تصف شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه "مجرم حرب"، ولا يستحق أن يمثلها في المحافل الدولية والإقليمية.ويشار إلى أن ناتان ولدت في العاصمة البريطانية لندن لأب من جنوب أفريقيا وأم بريطانية، وتعلمت في بريطانيا، وعملت في عدة مجالات من بينها التعليم ومكافحة الإيدز، وسافرت إلى إسرائيل في العام 1999.
القدس في خطر
ولا تتورع المواطنة اليهودية عن إعلان أفكارها بجرأة وتحدٍّ يصل إلى حد الاستعداد للتضحية بحياتها في سبيل محاربة الفكر الصهيوني؛ فهي تشارك في مهرجان الحركة الإسلامية "القدس في خطر" في أم الفحم لتقرع مع الفلسطينيين ناقوس الخطر في وجه دولة الاحتلال.وتضيف ناتان: "أفكاري ومواقفي أثارت ضجة في الأوساط الإسرائيلية التي عرفتها لأكثر من نصف قرن كصهيونية أومن إيمانا مطلقا بالأيدولوجية الصهيونية التي شجعتني قبل 4 سنوات للهجرة إلى أرض الميعاد".وتابعت تقول: "وصلت إلى أرض إسرائيل كيهودية، وقادمة جديدة معبأة بالأفكار الصهيونية التي نشأت عليها منذ طفولتي، خاصة أنني تربيت في بيت مقتنع بالمطلق بالفكر الصهيوني الليبرالي، فقد كانت عائلتي الأكثر صداقة مع وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق أبا إبيان الذي شغل هذا المنصب عام 1967".وتشير ناتان إلى أن الحركة الصهيونية تمكنت من خداع أسرتها، مضيفة: "تمكنوا من خداعنا؛ فقد كنت أعيش كذبة كبيرة اسمها الحركة الصهيونية، لقد آمنت بأنه إذا كنت يهوديا فيجب أن تكون صهيونيا مخلصا، لكنني اليوم وصلت إلى قناعة أنه من أجل الحفاظ على يهوديتي التي أعتز بها فيجب أن أتخلى وأهجر الفكرة الصهيونية؛ لأن كل ما قيل لي عن العرب كان هراء وكذبا".وقد لعبت الانتفاضة الفلسطينية وأحداث استشهاد 13 شابا عربيا في "الجليل" و"المثلث" برصاص الشرطة الإسرائيلية دورا في تحول فكر ناتان، ومضت تقول: "لقد قلبت الانتفاضة أفكاري في كل شيء كان أمامي، لم أفكر أن أذهب إلى قرية عربية في إسرائيل لأرى العرب كيف يعيشون هناك، لم أعرف شيئا عن مصادرة الأراضي وهدم البيوت والتمييز المجحف بحق أكثر من مليون عربي يعيشون في هذه البلاد".
الفكر الصهيوني الزائف
وتساءلت ناتان قائلة: "بدأت أفكر بالنكبة الفلسطينية، لم أعرف شيئا عن النكبة كيف لنا كدولة يهودية أن نطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم، ولا نتخذ مسئولية تاريخية على هذه المساءلة؟ وكيف لنا كيهود أن ننسى النكبة؟ ولماذا قامت الشرطة الإسرائيلية بقتل الشباب العرب في الجليل بأحداث أكتوبر؟ كيف لنا أن نفهم دولة تطلق النار على مواطنيها وتقتلهم دون أي سبب ومبرر؟ ولماذا يعيش عشرات الآلاف من المواطنين العرب في دولة إسرائيل بقرى غير معترف بها دون كهرباء وماء ومدارس ورعاية صحية وأي بنى تحتية أخرى؟".وتجيب نفسها بقولها: "لم أكن أتصور أن الدولة اليهودية التي حلمت بها ستضطهد العرب إلى هذا الحد من الفظاعة، ونحن ندفع الثمن على ذلك؛ فكل هذه الأمور وغيرها أحدثت انقلابا في أفكاري وولائي للفكر الصهيوني الزائف".وتؤكد: "أصبحت أعيش حياة جحيم في تل أبيب وأشعر أنني غريبة عن هذا المجتمع، وأن بقائي يعني الاشتراك في كل الجرائم القذرة التي يرفضها الفكر والمنطق الشرع والعقيدة؛ لذلك قررت أن أتخلى عن كل ما قدموه لي لأشاركهم حربهم وظلمهم وقهرهم وتمييزهم وحزمت حقائبي وتوجهت إلى الجليل دون أدنى خوف أو تردد حتى بمدى تقبل الفلسطينيين لي".ومنذ أن غادرت "ناتان" مدينة تل أبيب اتصل بها الكثير من معارفها اليهود، حيث قاطعوها واتهموها بالخيانة، فيما حذرها البعض من التعامل مع العرب.وعن ذلك تقول ناتان: "الكثير من اليهود في هذه البلاد لا تتعدى علاقتهم ومعرفتهم بالعرب سوى تذوق زيت الزيتون أو تصليح سيارتهم لدى العرب، وهم يجهلون تماما الواقع المر للحياة المعيشية للعرب في إسرائيل".وتعيش ناتان في الوقت الحالي بين السكان العرب، وحول ذلك تقول: "العرب منفتحون جدا بعكس ما هو شائع بين الإسرائيليين، الذين لا توجد بينهم وبين العرب علاقات، ومنذ أن عشت بين السكان العرب وهم يدعمونني ويشجعونني".
الجدار يقطعالعائلات
وتضيف: "هم (اليهود) لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا أننا ارتكبنا ظلما بحق الشعب الفلسطيني الذي يحرم من أبسط الحقوق، انظر إلى الجدار الذي يقطع الأراضي الفلسطينية ويقطع الأوصال والعائلات، انظر إلى الحواجز العسكرية المنتشرة في كل متر من القرى والبلدات الفلسطينية، انظر إلى الفلسطيني الذي يعيش حياة البؤس والتشرد".وتساءلت المواطنة الإسرائيلية قائلة: "مَن المسئول عن ذلك؟ أليست دولة إسرائيل الصهيونية التي تتغنى بالديمقراطية؟ إنها سياسة التمييز العنصري، لقد عشت في جنوب أفريقيا وكافحت ضد الأبرتهايد، وما يجري في هذه البلاد هو أبرتهايد".وتقول ناتان إنها ليست اليهودية الوحيدة التي تفكر هذا التفكير، بل هناك الكثير من اليهود الذين وصلوا إلى قناعة أن الفكر الصهيوني عبارة عن كذبة كبرى، لكنهم لا يملكون الجرأة على النطق بما يفكرون.وتعيش ناتان في قرية طمرة بالجليل بين الفلسطينيين بأمان واستقرار، وعن ذلك تضيف: "رغم صعوبة الحياة فالوضع هنا أفضل، ويوميا أكتشف مدى الخطأ الذي ارتكبته بسبب قناعتي السابقة، وأشعر بالاطمئنان وراحة الضمير؛ لأني أنقذت نفسي وإنسانيتي من شر ذلك الفكر الذي لن ينتصر على الإنسان والحق مهما تسلح بالقوة والبطش والعدوان، وقد استطعت أن أبني شبكة من العلاقات الطيبة الوطيدة مع سكان قرية طمرة الفلسطينيين الذين استقبلوني بحفاوة ويعاملونني كأنني فرد منهم".وتضيف: "العلاقات الحميمة بيني وبين سكان القرية تزيدني قناعة في كل يوم بأنني كنت أعيش في أوهام الأفكار الصهيونية، ولعل أكثر الناس قربا لي الدكتور أسعد غانم المحاضر في جامعة حيفا".
مستعدة لدخول السجن
وتطرح ناتان آراء جريئة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث تقول: "يجب أن نتبع نحن يهودا وعربا وسائل نضال سلمية كما حدث في جنوب أفريقيا، وكما فعل غاندي، يجب أن نملك الشجاعة والقوة لتنظيم الناس للنضال ضد هذه الحكومة، وأنا مستعدة أن أدفع الثمن من أجل هذا النضال، إنني مستعدة لدخول السجن من أجل أن يعيش اليهود والعرب حياة كريمة دون اضطهاد وتمييز".وتضيف ناتان أن "الحل للصراع لا يمكن أن يتم من خلال القفز على حق الفلسطينيين بالعودة إلى قراهم ومدنهم التي طردوا منها عام 1948م، ولا يحق ليوسي بيلين وعامي إليون وسري نسيبة وعبد ربه أن يقرروا مصير اللاجئين من خلال اتفاقية سويسرا أو غيرها من الاتفاقيات، علينا -نحن كيهود- أن نعمل على تثقيف الأجيال اليهودية على حق الآخرين في العيش الكريم، أعتقد أن على الأطفال اليهود تعلم اللغة العربية جيدا، وأن تكون اللغة العربية والعبرية لغتين رسميتين في هذا البلد".ورأت ناتان أنه يجب على الأطفال اليهود التعرف على نكبة فلسطين، لكي يعرفوا أن هذه البلاد بنيت على أنقاض وآلام شعب آخر، يجب أن تتعلم الأجيال اليهودية أننا ألحقنا ظلما فادحا بالآخرين، لا يجوز أن يتعلم الطلاب العرب في المدارس عن تاريخ اليهود وتاريخ بني إسرائيل ومملكة أورشليم، بينما لا تعرف الأجيال اليهودية شيئا عن تاريخ وحضارة العرب.
حركات سلام زائفة
وتهاجم "ناتان" بشدة حركات السلام الإسرائيلية، معتبرة إياها زائفة تمارس العهر السياسي، على حد تعبيرها، وتضيف: "هذه الحركات السياسية اليسارية تشعر بارتياح إذا ما جاءت لمساعدة الفلاح الفلسطيني في قطع الزيتون كي لا يأتي المستوطن ليعتدي على المزارعين الفلسطينيين، وهذه الحبكات تتمتع بنظرية الاستعلاء على العرب؛ فهم يشفقون على الفلسطيني المسكين لكنهم لا يملكون مشاريع حقيقية للحل".وتضيف أن "كل المشاريع التي تدعو إلى التعايش هي مشاريع كاذبة، وأن المؤسسات والحركات تتمتع بدعم مالي من السفارات والصناديق العالمية، إنهم لا يطرحون حلا جذريا للقضية، لا يعترفون بحقيقة الغبن اللاحق بالعرب، لا يعترفون بحق العربي في العيش؛ فالتعايش الحقيقي يأتي من خلال اعترافنا بحق اللاجئ بالعودة إلى وطنه وأرضه التي حرم منها منذ النكبة".وتابعت مهاجمة حركات السلام الإسرائيلية: "هم لا يعترفون بذلك (حق العودة) يريدون سلاما مع الآخر وفقا لنظرة الاستعلاء الصهيونية على العرب دون أن يعترفوا بحقه الشرعي في العيش على أرضه"، مشيرة إلى أن الحل يكمن في دولة ديمقراطية للشعبين وأن الحل ينبع من حق العودة.ورغم أن ناتان فقدت الكثير من أصدقائها اليهود الذين اتهموها بالخيانة والغدر بالحركة الصهيونية ودولة إسرائيل؛ لأنها قررت وقف عملها في إطار تشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، والانتقال للسكن قي قرية طمرة في الجليل، فإنها تؤكد قائلة: "لن أتراجع عن أفكاري وسأحارب النظرية الصهيونية، وأكشف بكل السبل أن أفكارها لم تكن إلا كذبة كبيرة واستمرارها يعني الظلم والاضطهاد الذي ينبغي محاربته مهما كان الثمن، وهي الرسالة المقدسة التي سأقاتل في سبيلها حتى تصبح شعارا ومبدأ عاما".