كان الزمن يمر رويدا رويدا.. دقيقة بعد أخرى، كأن الثواني قطرات من بحر لا ينتهي ماؤه، الأعين شاخصة تجاه تلك البوابة الكبيرة التي تعتبر حلقة الوصل الوحيدة بين قطاع غزة والعالم.. والقلوب متشوقة لاحتضان الابنة الغالية عروس خان يونس التي طالت غيبتها.
منذ الصباح الباكر وقف الأهل كلهم.. الأم والأب والإخوة والأخوات، والأقارب والأحبة، ينتظرون على مدخل معبر رفح الحدودي بين فلسطين ومصر عودة تلك الفتاة الفلسطينية التي ذهبت إلى إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، حاملة بصدرها كتاب الله؛ فعادت إلى فلسطين بجائزة كبيرة ومرتبة عظيمة تقيها شر الدنيا وتلبسها نعيم الآخرة.. إنها "آلاء" الفائزة بالمرتبة الأولى على العالم الإسلامي في مسابقة الشارقة للقرآن الكريم.
دموع الفرح
ما إن أطلت آلاء جمال يوسف أبو سمرة -17 عاما- برأسها من نافذة الحافلة التي كانت تقلها قادمة من داخل المعبر حتى انهمرت دموع الفرح والشوق من عيني أمها التي كان بكاؤها يزداد وهي ترى ابنتها تلوح بيديها من نافذة الحافلة، فرحة بلقاء الأهل والأحباب بعد 12 يوما من الغياب."حواء وآدم" انتقلت مع العائلة الفلسطينية المبتهجة بهذا الفوز من المعبر الحدودي في رفح إلى مدينة خان يونس على بعد 15 كيلومترا لتنقل صورة أخرى من حياة الشعب الفلسطيني، ملخصها الاجتهاد وسط المعاناة، ومفادها الفوز بعد العمل، وأصلها القرآن الكريم الذي فيه قوة لكل مستضعف ونصر لكل مستمسك.وفي بيت العائلة الصغير عند مدخل مخيم خان يونس وجدنا أنفسنا وسط بيت للقرآن الكريم، ومقر دائم للإيمان بالله عز وجل، ومركز للتربية والتنشئة الإسلامية.. فجزء من المنزل هو مركز لتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية يضم عشرات الطلبة من أبناء الحي الذين يتسابقون في حفظ كتاب الله، وجزء آخر مخصص لمكتبة إسلامية صغيرة تجمع بين جنباتها كتب التفسير والعقيدة والحديث والفقه ومختلف الأصول الدينية اللازمة لكل بيت مسلم.
جائزة متوقعة
في هذا الجو الإيماني إذن نشأت "آلاء"، وتربت على موائد القرآن الكريم لتخرج بعد سنوات قلائل حاملة كتاب الله في صدرها، ومتقنة لأحكامه وقراءته، وعاملة بما جاء فيه من أوامر، ومنتهية عما نهى الله عنه، ثم لتفوز بعد ذلك بجائزة توقعها لها كل من حفظت القرآن الكريم على أيديهم؛ لتتوج بذلك مرحلتها الأولى مع كتاب الله، ولتنطلق من جديد في مرحلة أخرى من هذا المشوار الذي لا ينتهي.تقول آلاء عن قصتها مع القرآن الكريم: منذ أن كنت في السادسة من عمري بدأت أتعلم القرآن الكريم في مراكز تعليم القرآن المنتشرة في المساجد القريبة من منزلنا، وفي بداية الأمر كنت أخصص وقتا غير كاف لهذا العلم؛ لأنني كنت أتعلمه بعد عودتي من المدرسة وإنهاء واجباتي المدرسية.وتضيف مستدركة: لكن سرعان ما ذقت حلاوة القرآن وعذوبته؛ فبدأت أنتظم في حلقات التحفيظ بصورة كاملة، وكنت حريصة على ألا يفوتني أي درس؛ بل إنني بكيت أكثر من مرة لغيابي عن بعض الدروس.وأردفت: وما هي إلا فترة وجيزة حتى حفظت نصف القرآن الكريم وأنا في سن العاشرة عن طريق الاستظهار والتلقين؛ إذ لم أكن حينها أتقن أحكام التلاوة؛ بل أحفظ سماعيا وأتقن ما أحفظه تماما من معلمتي.
حلاوة القرآن
لكن "آلاء" أصرت عند ذلك على أن تتقن أحكام قراءة كتاب الله عز وجل؛ حتى تصبح أكثر قدرة وإتقانا للتلاوة؛ بحيث تعطي الحروف حقها ومستحقها، وتخرج الكلمات والألفاظ من مخارجها الصحيحة عن علم ودراية تامة بما تقوم به، رغم استظهارها القرآن الكريم بطريقة سليمة بواسطة التلقين.وتقول عن ذلك: بعدما أصبحت مصرة على حفظ ما تبقى لي من القرآن الكريم قررت أن أتعلم أحكام تلاوته لأعرف ما أقوم به من تنفيذ للأحكام، وتزيد قدرتي على ضبط القراءة بصورة مثلى.وتستطرد: والحمد لله تم لي ذلك؛ حيث اشتركت في دورات لتعليم أحكام التلاوة في الوقت الذي كنت أواظب فيه على حفظ القرآن الكريم، إضافة إلى الالتزام بمدرستي والتفوق في مناهجي المدرسية العادية.
ابتغاء وجهه الكريم
وعن دوافعها لحفظ القرآن الكريم قالت "آلاء" بلغتها الفصحى القوية التي قل نظيرها عند مثيلاتها: أولا وقبل كل شيء يجب أن يكون الاعتناء بكتاب الله وحفظه ابتغاء وجهه الكريم وطاعة له وبحثا عن مرضاته، ولا يكون لمصلحة دنيوية بالحصول على جائزة هنا أو الاشتراك في مسابقة هناك أو حتى يشار لصاحبه بالبنان، بل إن الأمر كان بالنسبة لي خالصا لله تعالى.وأضافت قائلة: ولولا ذلك لما أعانني الله على حفظ كتابه وأنا لم أتجاوز الرابعة عشرة من عمري؛ فكنت أحمد ربي كل ساعة على منّه علي بذلك؛ حيث كنت أشعر أن حفظي للقرآن الكريم كان يزداد يوميا، رغم أن المدرسة كانت تأخذ جزءا كبيرا من وقتي؛ فالأمر يحتاج إلى عزيمة قوية وإرادة حقيقية للقيام بذلك.
تعليمات
وبدأت آلاء تحفظ القرآن من خلال "قاعدة النور" التي كانت الأساس الأول الذي ساعدها بعد ذلك في استظهار آيات الله غيبا وعن طريق التلقين كما أخبرتنا.وأضافت: أفضل وسيلة لحفظ القرآن الكريم وتعلمه هي المواظبة التامة على الحفظ من خلال المعلمين وعن طريق السماع -في البداية على الأقل- حتى يستطيع الطالب أن يقرأ القرآن بصورة صحيحة.وأردفت تقول: ثم يمكن بعد حفظ جزء من القرآن، وتعلم أحكامه وأصوله ومعانيه بطريقة علمية سليمة؛ بحيث نصبح نقرأ القرآن ونفهم ماذا نضبط من أحكامه ونفهم من تفسيره ومعانيه.واستطردت: ولكن قبل أن نصل إلى هذه المرحلة يجب أن نعتمد على طريقة تهجئة القرآن الكريم بأسلوب يجعلنا نتعلم القرآن بالاستماع والتلقين أكثر من النظر والقراءة، علاوة على المراجعة اليومية لما تم حفظه؛ بحيث نحفظ صفحتين مثلا ونراجع سورة، ثم يزاد الأمر يوما بعد يوم، كأن نراجع سورتين أو ثلاثا أو أربعا وهكذا.
المسئولية تزداد
وأكدت "آلاء" أن الأمر ازداد صعوبة لديها بعد حفظ القرآن كاملا؛ فكيف ستحافظ على الأجزاء الثلاثين بعيدا عن النسيان؟ لكن الأمر يحتاج إلى جهد وعمل؛ فتوضح قائلة: عندما انتهيت من حفظ القرآن كاملا شعرت بأن المسئولية تزداد عليّ في المحافظة على ما يحمل صدري من آيات أنزلت من السماء، وتيقنت أن الأمر يحتاج إلى عزيمة وإصرار لكي تأخذ الأمانة في عنقي حقها.وتضيف: الأمر احتاج مني مزيدا من المراجعة والمتابعة في البيت مع والدي، ومن خلال المداومة على سماع أشرطة القرآن وبين يدي محفظتي، علاوة على الاستذكار والدعاء الدائم لله؛ فهو سبحانه وتعالى لا يضيع أجر عامل من ذكر أو أنثى.لكنها عاهدت الله عز وجل أن يكون هذا القرآن أمانة في عنقها، وتقوم بواجب هذه الأمانة على الوجه الأكمل بدافع مرضاته سبحانه وتعالى، وطمعا في دخول الجنة؛ لقوله تعالي: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}، وحتى تُلبس مَن ربَّيَاها صغيرة تاجا من نور.يشار إلى أن آلاء اشتركت في عدة مسابقات، وحصلت على عدة جوائز خلال سنوات حفظها للقرآن الكريم، كان آخرها فوزها بالمرتبة الأولى في مسابقة الأقصى للقرآن الكريم التي عقدت على مستوى فلسطين.
اختارت الطريق
وفيما يتعلق بأمنياتها للمستقبل أكدت أنها اختارت طريق القرآن الكريم، ولن تحيد عنه مهما كانت المغريات؛ فهي ستكمل تعليمها الجامعي في مجال الدراسات الإسلامية، لا سيما المتخصصة في القرآن والدعوة بعد أن تنهي عامها الأخير في المدرسة بعد أشهر معدودة.وقالت: أولا وقبل كل شيء أدعو الله عز وجل أن ينصرنا على اليهود الظالمين، وأن يحرر الأقصى من دنسهم وجبروتهم، ثم بعد ذلك أتمنى أن يمن الله علي بفضله وأكمل دراساتي الجامعية والعليا بعد ذلك في القرآن الكريم لأتمكن من خدمة الإسلام والمسلمين.
رسالة
آلاء قبل أن تنهي حديثها -وما أصفاه وما أجمله- حرصت على توجيه رسالة لكل فتاة مسلمة من خلال "إسلام أون لاين.نت" قالت فيها: أدعو لكل فتيات المسلمين بأن يشرح الله صدورهن وقلوبهن لهذا الدين ولقرآنه الكريم؛ لأن فيه الفلاح والنجاح والعزة والتمكين خاصة في هذه البلاد المقدسة؛ فكم نحن مقصرون وبعيدون عن الله، ونحن في أشد الحاجة إلى رحمته؛ فأدعوكن -أخواتي- مرة أخرى إلى التمسك بتعاليم الدين، والقيام بما أمر الله به، والابتعاد عما نهى عنه سبحانه وتعالى.