|
"صورة المرأة في وسائل الإعلام" كانت محور المنتدى الفكري الأول للمجلس القومي للمرأة بمصر، والذي صدر قرار تشكيله في فبراير الماضي، وذلك باعتبار أن وسائل الإعلام تسهم بشكل كبير في وضع تصورات عن المرأة وتشكيل وجهات نظر الجمهور إزاء قضاياها.
ركز المنتدى على محورين مهمين الأول: المسئولية القومية والآثار الاجتماعية للرسالة الإعلامية، والثاني: موقف الإعلام المصري من قضايا المرأة باعتبارها قضية مجتمعية وتنموية بالمعنى الواسع.
اهتمام عالمي
أشارت الدكتورة ناهد رمزي -الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية- إلى أن تحسين صورة المرأة في وسائل الإعلام لا يقتصر على مصر وحدها، بل على العالم كله؛ حيث أظهر الاجتماع التحضيري للجنة المرأة بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة الذي عقد في فبراير/ مارس من هذا العام أن 76 دولة من بين 189 دولة على مستوى العالم قد اتخذت إجراءات تنفيذية في اتجاه تفعيل دور الوسائل الإعلامية في هذا الاتجاه، وفي الغرب تكونت شبكات تطوعية للدفاع عن صورة المرأة في الإنتاج التلفزيوني، كما امتد الجهد إلى الوسائط الإلكترونية والفنون الشعبية والأفلام والأغاني.
وعلى العكس فإن ما تقدمه وسائل الإعلام العربية يقلل من نشاط المرأة ويعوق مسيرتها، فقط أشارت أكثر من دراسة قام بها المركز القومي للبحوث الاجتماعية إلى أن صورة المرأة في وسائل الإعلام ما زالت تؤكد على ما أسمته "الأدوار التقليدية" للمرأة التي تكرس فكرة بقاء المرأة في البيت إلا في حالة الاحتياج المادي أو افتقار العائل الاقتصادي للأسرة، ولا تظهر المرأة العاملة أو الفتاة الجامعية المتفوقة إلا بنسبة ضئيلة جدًا، ولا يرجع ذلك إلى القائمين على تلك الوسائل فحسب وإنما للموروثات التقليدية لصورة المرأة في المجتمع والتي تحتاج إلى خطة مدروسة لتغييرها، الأمر الذي يجعل المسئولية الاجتماعية لوسائل الاتصال مسئولية مزدوجة؛ فهي من ناحية يقع على عاتقها توعية النساء بحقوقهن وبالدور المنوط بهن لكي يقمن به، وواجباتهن في هذا الصدد، كما أن عليها الإسهام في تغيير اتجاهات أفراد المجتمع بشتى فئاته بأهمية دور المرأة.
اهتمام موسمي
وانتقدت الدكتورة منى الحديدي المعالجة التقليدية لقضايا المرأة في وسائل الإعلام التي تتمثل في الاهتمام الموسمي أو العشوائي والذي يصل أحيانًا إلى درجة الكثافة الزائدة في أيام معينة كالاحتفال باليوم العالمي للمرأة مثلاً، والتركيز على بعض القضايا الثانوية أو التقليدية، والتوجه في المقام الأول إلى مشكلات الشرائح العليا من نساء العواصم والمدن، وعلى مشكلات المرأة في مرحلة الخصوبة والإنجاب دون الاهتمام بمشكلات المسنات أو الطفلة الأنثى مثلا، وعلى هذا يجب أن تتعامل وسائل الإعلام مع قضايا المرأة بشكل أكثر جرأة وشجاعة بحيث لا يكون دورها مجرد صدى للواقع، بل دورا قياديًّا رائدًا يهتم بنشر الوعي القانوني والاجتماعي الكفيل بالقضاء على أشكال "العنف ضد المرأة" (الموضوع الذي يحتل قمة الأجندة النسوية الدولية ويشمل كافة مستويات العلاقة الزوجية)، ويهتم بالموضوعات التي تهم قطاعات عريضة من النساء في الريف والحضر وفي الأحياء الشعبية والفقيرة مثل: قوانين الأحوال الشخصية وقضايا كبار السن والعاملات في مجال الزراعة وتشجيع عمل المرأة جنبًا إلى جنب مع مسئوليتها الأسرية من خلال البرامج الحوارية والأفلام التسجيلية والتحقيقات والمقالات والأعمدة الصحفية خاصة التي ارتبطت بأقلام كبار المفكرين والكتاب لما يمثلونه من قيادات فكرية للفقراء.
صوت النساء
أما جمال الشاعر -رئيس قناة النيل الثقافية- فذهب في مشاركته إلى أن مشكلتنا الحقيقية في وسائل الإعلام هي عدم الاستماع إلى صوت النساء، نحن نتحدث عنهن ولا نجعلهن يتحدثن عن أنفسهن ونقول إنهن صامتات لا يحسنَّ التعبير عن أنفسهن، والثغرة الأخرى في إعلامنا هي عدم الاهتمام بالثقافة الدينية وتحول الخطاب إلى خطاب الندية والصراع وكأننا إزاء معركة بين الرجل والمرأة ينتصر فيها البعض للمرأة على حساب الرجل أو العكس، والمفروض أن نلجأ إلى لغة خطاب إعلامي غير مستفز لأن العائلة في قارب نجاة واحد.
أما الدكتورة سامية الساعاتي -أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس- فأشارت إلى أن وجود صورتين مختلفتين للمرأة في وسائل الإعلام الأولى: تقليدية تبدو المرأة فيها مطيعة عاجزة عديمة الثقة في زوجها، والثانية: صورة عصرية تبرز المرأة قادرة على اتخاذ القرار معتمدة على نفسها، ذات شخصية مستقلة.. يدل على غياب الإستراتيجية العامة لوسائل الإعلام، ويؤدي هذا إلى تذبذب في اتخاذ القدوة وتكوين المثل العليا. ومن أهم عوامل نجاح الخطاب الإعلامي الموجه للمرأة ألا يقتصر الحديث في قضايا المرأة على النساء فقط، بل لا بد أن يتضمن الرجال المساندين للقضية لأنها بالفعل قضية المجتمع كله.
صورة فاضحة
واستنكر عدد كبير من المتحدثين والمشاركين في المنتدى الصورة المبتذلة التي تظهر بها المرأة في إعلانات التلفزيون وهي تتراقص دون اعتبار لآدميتها، بعد أن تحولت إلى وسيلة لتسويق المنتجات وجذب القوى الشرائية، فتظهر بزيّ فاضح للترويج لأحد أنواع العطور إلى غير ذلك، إلى جانب الأغاني التي تصور بأسلوب الفيديو كليب والتي يعتمد في تصويرها على الرقصات المبتذلة والمثيرة، وهي صورة أقرب إلى ما يسمى بالرقص العصري، كما أن كثير من الشركات تعتمد على الأطفال في ترويج بضاعتها، مما يعد إهدارًا لبراءة الأطفال.
وتشير الدكتورة عواطف عبد الرحمن -أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة- إلى أن الدراسات التي أجريت عن المجلات النسائية المتخصصة في العالم العربي أكدت أنها تخصص 75% من صفحاتها للجوانب الجمالية والمظهرية للمرأة: كالأزياء والمكياج أو المشاكل العاطفية للقارئات، مما يدل على أن المسئولين عن الصحافة النسائية يقتنعون بأن القضية الأولى بالنسبة للمرأة العربية هي تنمية اهتمامها بأنوثتها وإغفال قدراتها الأخرى كإنسان وكمواطنة، وإن كان هذا لا يعني عدم وجود بعض الاستثناءات التي تمثلت في قليل من الصحف العربية التي اهتمت بإبراز المشكلات التي تعاني منها المرأة في مجال العمل وفي إطار التشريعات والتقاليد والقوانين السائدة، كما تولي وسائل الإعلام العربية اهتمامًا مبالغًا فيه لبعض المهن الأخرى مثل الاهتمام بالفنانات والرياضيات وسيدات الأعمال ونساء السلك الدبلوماسي على حساب المعلمات والطبيبات والعالمات والباحثات والمحاميات والعاملات والفلاحات.
طالب المشاركون في المنتدى بضرورة مراجعة وتعديل المناهج والنصوص المدرسية لتجاوز الصورة السلبية التي تميز بين الجنسين، وإبراز الدور النضالي للمرأة العربية والمشاركة الفعالة في معركة البناء والتعمير، ومطالبة المنظمات الدولية بترجمة وثائقها المتعلقة بالمرأة وتوزيعها على الأجهزة الإعلامية العربية، وتخصيص برامج على الكمبيوتر والإنترنت لتكون بمثابة بنك معلومات تضم كل ما يتعلق بصورة المرأة ومشاركتها في وسائل الإعلام المختلفة، وربط نساء المهجر بأوطانهن عن طريق اللقاءات المشتركة ووسائل الإعلام الموجهة للخارج، وأن يكون هناك ميثاق شرف بين المسئولين عن الإعلانات والتلفزيون للمحافظة على صورة المرأة وعدم إهدار كرامتها.
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com
|