English

 

الأربعاء. نوفمبر. 15, 2006

حواء و آدم » أزواج وزوجات

 

الزواج الطائفي بالعراق.. حائط لصد الفتنة

هشام عبد العزيز

مشهد لم يعد يتكرر من حفل زفاف مسلم بمسيحية في العراق
مشهد لم يعد يتكرر من حفل زفاف مسلم بمسيحية في العراق

تتقاطع العلاقات والمساحات بين المحركات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أي مجتمع بشري، ويبقى المجتمع على اتزانه ما بقيت تلك التأثيرات المتبادلة في إطارها الطبيعي. أما عندما يطغى تأثير محرك معين على الآخر فقد يفقد المجتمع استقراره، خاصة إن كانت السياسة هي العنصر الذي سيدير ويوجه بمفرده مناحي الحياة الأخرى.

وما يحدث في العراق حاليا تجسيد حي للتداخل السياسي والاجتماعي، بل وطغيان العامل السياسي وتحوله لمعول هدم يطرق بقوة على الشأن الاجتماعي ومحددات الاستقرار الأسري، ولعل انتشار حوادث "الطلاق على الهوية" التي تتزامن تماما مع عمليات القتل لنفس السبب؛ يعد تجليا واضحا للخط السياسي السائد القائم على الطائفية والتعصب.

صحوة على طريقة بوش

في أعقاب تصاعد الاقتتال الطائفي في العراق بنهاية العام 2004، انتشرت حوادث الطلاق بين الأزواج المنتمين لعرقيات ومذهبيات مختلفة، خاصة بين السنة والشيعة، بدعوى أن مثل تلك الزيجات مصدر لغضب الله تعالى.

وتناسى مُطْلقو تلك الدعوات ومعتنقوها أن أكثر من مليوني حالة زواج عراقية -بنسبة تزيد على ثلث إجمالي حالات الزواج بالدولة- هي في الواقع حالات زواج طائفية بين سني وشيعية أو بالعكس، فهل كان العراقيون لا يخشون ربهم حتى علمهم الاحتلال ماهية التقوى؟!

وأين كان العلماء والمرجعيات في الجانبين من أربعة ملايين عراقي من المذهبين قرروا الاقتران وتكوين حياة أسرية تقوم على المودة والرحمة؟ وأين هؤلاء كذلك مما يحدث في العراق حاليا؟ وهم يعلمون أن ما يعرف بـ"الزواج الطائفي" هو ضمانة حقيقية أمام خطر الحرب الأهلية الشاملة التي باتت وشيكة أكثر من أي وقت مضى.

وما مصير الأطفال الذين ولدوا لأسر طائفية إن قرر آباؤهم الانفصال بعدما كان قرارهم بالاقتران تأكيدا على أن ما جمعهم بداية أكبر كثيرا مما يفرقهم الآن.

قلوب حائرة

بقراءة شبه متأنية في الاستشارات المنشورة على مشاكل وحلول للشباب والمتعلقة بالزواج السني الشيعي، تتضح عدة أمور في غاية الأهمية، منها:

- لم تتلق الصفحة أية استشارة تتعلق باقتران المسلم السني بالشيعية أو العكس، قبل الاحتلال الأمريكي للعراق في إبريل 2003 سوى مشكلة واحدة في يناير من العام نفسه، أي بعد تصاعد الاحتقان السني الشيعي والحديث عن الدعم الشيعي للغزو الأمريكي.

ويمكن استنتاج فرضية غاية الأهمية من النتيجة السابقة، مفادها أن الأزمة برمتها كانت نتيجة لسياسة اللعب على الوتر المذهبي التي مارسها الاحتلال في العراق، حتى ما قبل سقوط بغداد، فيما لم تشغل القضية الوعي الاجتماعي العراقي بعنصريه خلال فترة التعايش المذهبي السابقة على الغزو.

- كانت جميع الاستشارات تتعلق بمشكلات واستفسارات سابقة على الزواج، وهو ما يقود إلى الوصول لتصور مفاده أن حالات الزواج التي تمت بالفعل تمتاز بالاستقرار والاستمرار، شأنها شأن أي حالة زواجية ناجحة.

- تراوحت الاستفسارات التي وردت للصفحة، مابين الخوف من تطورات سلبية في العلاقة بين الزوجين، ورفض الأهل لمثل تلك الحالات من الزواج.

وفي الحالتين السابقتين لم تنبنِ المخاوف على أسس متينة خاصة في تلك الحالة التي يكون فيها الطرف الشيعي معتدلا في تشيعه، بعيدا عن الغلو والشذوذ في العقيدة.

- عدد من الاستشارات عبر أصحابها عن استعدادهم لتغيير مذهبهم إلى مذهب الشريك، بما يعكس في جانب من الموضوع عدم اعترافهم بوجود فوارق جوهرية أو فجوة شاسعة بين المذهبين.

- أما أجوبة المستشارين ففي معظمها لم تر خطرا في إتمام الاقتران السني الشيعي داخل مؤسسة الزواج، وكان التنبيه والتحذير الذي حملته يتعلق -شأنه شأن أي حالة عادية- بالانسياق خلف الميل والعاطفة مع عدم مراعاة شكل ومستقبل العلاقة بعد الزواج في ضوء الرصيد الثقافي لكل طرف.

وفيما شدد المستشارون على ضرورة إقناع الأهل قبل الاقتران، وجه أحدهم، وهو الدكتور أحمد عبد الله، دعوة لإنشاء مؤسسة يكون هدفها مساعدة الفتيات والشباب في إتمام الزواج المختلط بين الشيعة والسنة، وتقديم مكافأة أو معونة مادية لتشجيع مثل هذه الحالات.

حتى في الاستشارات التي فضلت عدم إتمام الزواج الطائفي، لم يكن الرفض قائما على الطائفية، وإنما على مدى تقبل المحيط الاجتماعي لمثل ذلك الزواج، وإمكانية التعايش والتأقلم مع ذلك المحيط خاصة في ظل وضع كالوضع الراهن.

وذهب عدد من الاستشارات إلى الحديث عن الخلاف المذهبي على سبيل كونه من التنوع المحمود، وأن التحول من مذهب لآخر ليس هداية بعد ضلال، وإنما تغيير في النمط السلوكي والقناعات الفرعية.

- أما تعليق القراء على الاستشارات، فيعكس حالة من سوء الفهم المتبادل، حيث يؤكد كل من المنتمين للمذهبين -خاصة في جانب الشيعة- براءته مما يثار حوله من شبهات وتهم، غير أن ذهنية الشك لدى الجانبين -خلال الردود- تأبى التعامل مع تأكيدات الطرف الآخر على أساس كونها حقائق على الأرض.

الشرع لا يعارض

تصب فتاوى العلماء والمرجعيات في المذهبين السني والشيعي في خانة إباحة الزواج بين المنتمين للمذهبيْن ما بقيت الاختلافات بين الفريقين بعيدة عن الأصول، محبوسة في الفروع، أما إن كان الطرف الشيعي يتسم بالغلو والطعن في ثوابت الدين كالقول بتحريف القرآن، فإنه يحرم الزواج به على اعتبار أنه خرج من الملة.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله: "إن زواج الشيعي بالسنية جائز, وذلك أن أهل السنة يذكرون من مناقبهم التي يفضلون بها سائر أهل المذاهب الإسلامية أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة وإن كفرهم متأول, وقد صرحوا بصحة إيمان الشيعة لأن الخلاف معهم في مسائل لا يتعلق بها كفر ولا إيمان، فالشيعي مسلم له أن يتزوج بأية مسلمة".

ويتابع: "وإذا نظرنا إلى ما أصاب المسلمين من التأخر والضعف بسبب العداوة المذهبية, وأننا في أشد الحاجة إلى التآلف والتعاطف والاتحاد يتبين لنا أن مصاهرة المخالف في المذهب ضرورية في هذه الأيام التي أحس المسلمون فيها بخطئهم السابق في التنافر والتباعد لأن المصاهرة من أعظم أسباب الاتحاد".

بينما يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي: "إن الشيعي المتعصب لا ينبغي للمسلمة أن تتزوجه؛ فالشيعي الذي يسب أبا بكر أو عائشة أو عمر أو الصحابة الكبار لا يحسن للمسلمة السُّنية أن تتزوجه؛ لأنه لا يُعقل أن يتعايش اثنان أحدهما يقول: أبو بكر رضي الله عنه، والثاني يقول: لعنه الله".

ويستطرد فضيلته: "لكن إذا كان شيعيا معتدلا؛ فلا مانع من أن تتزوج المسلمة السنية هذا الشيعي إذا كان قريبا من أهل السنة، ويصلي في مساجدهم، وتربى على حب الصحابة لأنه يكون قريبا من أهل السنة".

وكذلك يؤكد الدكتور عبد الفتاح إدريس -أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر- على جواز زواج السني بالشيعية، معتبرا أن الشيعة طائفة من الطوائف الإسلامية التي ينبغي على أهل السنة أن يحسنوا الظن بهم، وأن يعلموا أن أكثر الشيعة لا يسبون الصحابة ولا يكفرون أحدا من أهل السنة.

وأضاف أنه "ليس هناك ما يمنع شرعا من أن يتزوج السني من الشيعية، وذلك لأنها مسلمة مثلها في هذا مثل سائر المسلمات، بل إن هذه قد تكون أكثر تدينا من السنية".

غير أنه أشار إلى أنه من واجب السني إذا تزوج من شيعية وسمع منها سب الصحابة أن ينهاها عن ذلك، وأن يبين لها أن سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، لا فرق فيهم بين علي وغيره، وأنه لا يليق إيذاؤه صلى الله عليه وسلم في أصحابه.

وكان شيخ الجامع الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت -رحمه الله- قد أجاز للمسلم السني التعبد على المذهب الشيعي والصلاة في مساجدهم، كما أن المذهبين الجعفري والزيدي الشيعيين يدرسان حاليا ضمن مناهج الفقه لطلاب الأزهر.

وفي النهاية يثور تساؤل غاية في الأهمية، مفاده: هل حل المشكلة الطائفية العراقية يبقى سياسيا؟ أم أن مثل ذلك الحل -إن سار على نهجه الحالي- سيأتي على ما تبقى من حالة اجتماعية سوية تحت راية ما كان يعرف بدولة العراق؟ وهل يمكن استثمار الطائفية في تدعيم وحدة بلاد الرافدين مثلما استخدمت في تمزيقها؟.

لتكن إجابة التساؤل الأخير بنعم، وذلك في إطار تدعيم حظوظ الزواج الطائفي، أو كما يحلو للبعض تسميته بالزواج الوطني، ربما يصلُح العراق بما فسد به.


  محرر نطاق مشاكل وحلول للشباب بشبكة إسلام أون لاين . نت .

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم