|
| تواصل شافيز مع الأغلبية المعدمة كان وراء انتصاره على معارضيه |
بعد أيام قليلة من فوز رئيس فنزويلا "هوجو شافيز" بالاستفتاء الذي أُجري في منتصف أغسطس الماضي تقدمت "هوانا فاريا" بطلب ثانٍ للحصول على قرض من بنك النساء في مركز العاصمة كاراكاس.
وقد أعربت هذه المرأة -التي كانت تقف داخل بنك تطوير النساء في فنزويلا، فيما كانت تمسك بملف مليء بالأوراق- عن ثقتها في الحصول على القرض الثاني بقيمة 260 دولارا.
و"فاريا" امرأة تبلغ من العمر 44 عاما، وتعيل 3 أطفال بمفردها. وهي تنوي استخدام القرض لتسجيل عملها بصورة قانونية وتوظيف اثنين آخرين لمساعدتها في توزيع الفطائر والزبادي اللذين تقوم بإعدادهما في مطبخ منزلها وبيعهما في حي "باروكيا ريكريو" حيث تقيم.
قروض صغيرة
وحينما سمعت "فاريا" عن هذا البنك لأول مرة عام 2002 لم تكن واثقة من تأهلها للحصول على أول قرض لها بقيمة 260 دولارا، وهو المبلغ الذي أعطى عملها دفعة، حيث مكنّها من شراء فرن مستخدم وأدوات الطبخ وتوظيف شخص لبيع منتجاتها.
ولكن بعد سلسلة من ورش العمل التي تساعد النساء في تطوير خطط لمشاريعهن للحصول على قروض، أدركت "فاريا" أنها رغم افتقارها لضمان بتسديد القرض لم تكن مؤهلة فحسب بل إنها أيضا نوع العميل الذي تم من أجله افتتاح المصرف أساسا.
والمصرف الذي يُعرف باسم "بانموهير" باللغة الأسبانية، تم تأسيسه من قبل حكومة شافيز عام 2001. وقد ساعد حوالي 43,000 امرأة فقيرة مثل "فاريا" يفتقرن لضمانات القروض في الحصول على قروض صغيرة لمشاريع صغيرة.
وفي إشارة لفرحتها بالحصول على أول قرض لها بقيمة 500,00 بوليفار أو ما يعادل 260 دولارا، قالت فاريا: "لقد أحدث القرض كل الفرق. إن أعمالي تسير على نحو جيد، ولديّ الكثير من الأعمال لدرجة أنني أقول إنه لا أحد سيموت من الجوع في كاراكاس طالما أنه لدينا بنك بانوموهير".
شافيز يفوز بسهولة
بفضل الدعم المتواصل من قبل أفراد الأغلبية المعدمة مثل "فاريا"، فاز شافيز بأول استفتاء في أمريكا اللاتينية لإقالة رئيس منتخب في 15 أغسطس على معارضيه بفارق 16 نقطة.
وفي بلد غني بالنفط حيث يعيش 75% من السكان تحت مستوى خط الفقر، وحيث تعيل النساء بمفردهن 65% من الأسر، أسس "شافيز" قاعدة دعم شعبية ضخمة عبر إجراءات الرعاية الاجتماعية على الطراز الكوبي.
وهناك حملة لمحو الأمية تُعرف باسم "حملة روبنسون" يتلقى آلاف الفقراء تعليمهم من خلالها. وهناك حملة الرعاية الصحية والعناية بالأسنان مجانا يقوم بتقديم خدماتها أطباء كوبيون وتحمل اسم "إنقاذ الابتسامات". كما توجد برامج توظف العوائد من النفط لدعم مراكز التسوق ومراكز تقديم الرعاية للنساء اللاتي يتعرضن للعنف المنزلي.
وتأتي معظم الأموال لهذه الثورة الشعبية التي تُعرف باسم الثورة البوليفارية -نسبة لـ"سيمون بوليفار" الذي حرّر أمريكا اللاتينية من أسبانيا- من تحويلات تبلغ قيمتها 1.7 بليون دولار من شركة النفط الحكومية "بيترولويوس دي فنزويلا".
بائعة متجولة
"إيزيل غانادو" أم في الـ51 من عمرها تعيل ستة أطفال بمفردها. وهي بائعة ملابس داخلية تعيش في حي لافيغا وهو أحد أحياء كاراكاس الفقيرة. وفيما كانت تقف في الطابور في 15 أغسطس للتصويت لصالح شافيز، قالت إنها تؤيده لأنها استفادت من برامجه.
أكدت "إيزيل" قائلة: "أكملت الصف الثاني من تعليمي الابتدائي، وليس لدي الوقت للانتساب للمدرسة المسائية. لكنني أذهب إلى المركز القريب من منزلي كل يوم لمدة ساعتين، وأتعلم الحساب".
وقد وفرت النساء مثل "غانادو" قاعدة دعم حيوية لشافيز. فقد عجت الشوارع بهن في الأوقات الحرجة أثناء رئاسته، ووقفن لساعات في الميادين العامة وخرجن في مسيرات لحمايته من تهديدات عديدة بإقصائه من السلطة من قبل قوى المعارضة التي تتكون أساسا من نخبة البلاد.
وبعد محاولة انقلابية فاشلة ضد شافيز في إبريل 2002، خرجت آلاف النساء المعدمات والكثيرات منهن مسنات، وملأن الميدان العام قبالة قصر ميرافلوريس الرئاسي مطالبات بعودته. وقبل الاستفتاء بيومين، وحينما أنهى شافيز حملته، تجمعت آلاف النساء مرة أخرى أمام القصر الرئاسي مرتديات قمصان قطنية حمراء عليها شعار يقول: "لا" لتنحية شافيز عن منصبه، ومرددات لهتافات تقول: "شافيز لن يذهب".
انقسامات عميقة
لكن ليس كل النساء في هذا البلد -المنقسم على ذاته بعمق بين "أنصار شافيز" الذين يؤيدون هذا الرئيس الشعبي وبين أولئك الذين يعارضونه- يتفقن على أن شافيز هو رجلهن.
وفي الواقع، وطوال السنوات الثلاث الماضية من المسيرات والإضرابات المضادة لشافيز، ومن العنف في الشوارع، وانقلاب قصير الأمد وحملة مسعورة لجمع توقيعات تأييدا للاستفتاء كانت النساء في المقدمة ويتهمن شافيز بأنه السبب في الكثير من العلل من احتكار التلفزيون بخطبه الطويلة إلى التسبب في البطالة وازدياد الجريمة في الشوارع.
ويقدم دستور فنزويلا البوليفاري لعام 1999 بعض الضمانات المضادة للتمييز ضد المرأة. وبموجب هذا الدستور، على سبيل المثال، يحق لربات البيوت الحصول على الضمان الاجتماعي. غير أن النساء في حركة المعارضة يقلن إن شافيز ديكتاتور شيوعي يقود فنزويلا على الدرب الكوبي.
"انظري حولك"، قالت "ينيفر سالاس" البالغة من العمر 30 عاما فيما كانت تهتف وسط مئات الآلاف من النساء المتظاهرات ضد شافيز ووسط بحر من الأعلام الفنزويلية بألوانها (الأحمر والأزرق والأصفر) في حي آلتا ميرا الراقي قبل بدء التصويت في الاستفتاء. وأضافت: "معظم الناس الذين يشاركون في المسيرات نساء.. وللمرة الأولى فإن النساء في الخطوط الأمامية لمعارك فنزويلا السياسية". وسالاس محامية تنتمي إلى مجموعة شرعية تسمى الدفاع عن حقوق المرأة والأسرة.
قالت سالاس بصوت عالٍ لكي تُسمع وسط الهتافات المنادية بالإطاحة بشافيز: إن النساء الفنزويليات حققن تقدما كبيرا خلال العقدين الماضيين ووصلن إلى وضع يتسم بالمساواة تقريبا مع الرجال في أماكن العمل.
غير أن هذا التقدم لم يكن بفضل شافيز -حسب "سالاس"- التي رفضت التعليق عن الآثار الإيجابية بالنسبة لنساء فنزويلا المعدمات التي ربما تكون قد نجمت عن سياساته.
"جيسيكا غودوي" خريجة جامعية في الـ24 من عمرها، وهي أيضا معارضة لشافيز. تقول إنها لم تستطع الحصول على عمل، وتلوم شافيز على الكساد الذي تعيشه البلاد وعلى إهماله للطبقة الوسطى.
ورغم أن المعارضة لم تذكر حقوق النساء كقضية فإن "غودوي" التي شاركت في عشر مسيرات ضد شافيز تقول إنها تشعر بأن حقوقها ستكون محمية أكثر تحت الائتلاف المكون من 27 حزبا سياسيا ومن نقابات وجمعيات أعمال، وهو ائتلاف يفتقر إلى قيادة موحدة وما يجمعه هو العداء لشافيز.
تقول غودوي: "لقد تعرضت للضرب من قبل شرطة شافيز.. أي حكومة تلجأ لضرب النساء ورشهن بالغاز المسيل للدموع؟!!". وتمضي غودوي المصممة على الاستمرار في النضال والتظاهر لتنحية شافيز عن السلطة قائلة: "الأمر الوحيد الذي أشعر بالعرفان لشافيز فيه هو قضاؤه على اللامبالاة في البلاد، لا سيما لامبالاتنا نحن النساء".
صحافية مستقلة تقيم في بوغوتا، كولومبيا. وقد قامت بالعمل لصحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل وذا فيلدج فويس وبرنامج أخبار الراديو الحرة لإذاعة باسيفيكا.
*نقلا عن مؤسسة "وُمينز إي نيوز" الإخبارية
|