|
| في صعيد مصر.. تساوت الأم والأخت في الظلم
|
نادى المنادي "مات الحاج مكادى أبو رحيم" البقاء لله، على الفور استعدت "بني يحيى" القرية الكائنة في عمق صعيد مصر لوداع واحد من شيوخها وأعيانها، تجمع الرجال من كل حدب وصوب -إكرام الميت دفنه- وجاءت النسوة صارخات من بعيد، ومن قريب "حبيب يا أبويا"؛ لأن حزن المرأة في هذه الحالة أو مشاركتها فيه يقاس بعلو صوتها، ويا حبذا لو جاءت حافية القدمين، ملوحة بمنديل أسود، وفي حالات القرابة الشديدة يستحسن أن تضع فوق رأسها جالوسا (قطعة كبيرة) من الطين من أقرب مصرف. سارت الجنازة بعد تجهيزها في موكب مهيب، تم الدفن وكل عاد إلى داره، وعادت الحياة كأن شيئا لم يكن.
بعد أن هدأ الليل سمع جيران أهل المتوفى أصواتا عندهم متناحرة، فسارع الناس للوقوف على الأمر، وإذ بأبناء المتوفى قد قرروا فتح ملف الميراث مبكرا، قبل أن تمر ليلة على الرجل في قبره، اجتمع الناس لائمين معاتبين، بادرهم الابن الأكبر بقوله: يا سادة ليس بيننا خلافات نحن الأربعة، فالتركة ستقسم علينا بالتساوي، سأل أحد الحضور: وأختكم الوحيدة؟ قالوا في نفس واحد: "لا نصيب لها لدينا، هذه وصية الوالد "، عاد الأخ الأكبر ممسكا الحديث بقوله: ومنذ متى يتم توريث البنات عندنا؟ هل فعلها صريحة واحدا منكم؟ نكس الجميع رءوسهم في صمت.
موقف الابنة
وصل إلى الابنة فرمان إخوتها، لكنها حرصا على بروتوكول العزاء، واصلت تلقيه في المكان المخصص للنساء دونما تعليق، لم أدر بي إلا وأنا في غاية الشغف، أو حتى الفضول لمعرفة رد فعلها حيال ما اتخذه إخوتها من قرارات تخص حرمانها من ميراث أبيها، تمنيت لو أنها عقدت مؤتمرا صحفيا تعلن فيه مواقفها حيال هذه الأزمة، وتعلن فيه عن التدابير التي ستتخذها ضد إخوتها، ولكن شيئا من هذا لم يحدث، حاولت الاعتماد على تقارير الأم والجدة الملازمتين لها طوال النهار، ولكن هيهات أن أصل إلى إجابة شافية.
لم أجد من بد سوى اقتحام المكان الذي تجلس فيه هذه السيدة لتلقي العزاء، رغم الهلاك الذي ربما أتعرض إليه جراء هذا الفعل في مجتمع محافظ، اقتحمت المكان مترددا، كانت الأمور فيه ساخنة جدا، فالمعددات وصلن إلى الذروة في إنشاد بكائياتهن الجنائزية الحارة، ليس على المتوفى بعينه، ففي هذه الحالة كل يبكي على موتاه، صمت مفاجئ لكنه رهيب ساد القاعة بعد دخولي إليها، نظرات أمي الحادة المعاتبة زادتني ارتباكا على ارتباكي، لذت بوجه جدتي ومكانتها بين النسوة المجتمعات، وببراعة شديدة كسرت جدتي حدة الصمت بقولها: تعال يا ولدي قدم العزاء "لعمتك"، وما لبست أن قالت لها: لقد جاء يسألك عن موقفك من حرمانك من الميراث، رفعت السيدة عينيها اللتين باتتا أكثر حمرة من لون الدم قائلة : كانوا انتظروا لبعد مضي الأربعين، حرموني من مال أبى، اغتصبوا حقي الشرعي، وقالوا أبوك أوصى بذلك، طوال عمري وأنا بارة بأبي والناس عليّ شهود، ماذا أفعل؟ أشكوهم في المحاكم وسيرة أبي تصبح على كل لسان؟! ألم يفكروا في نظرة زوجي، وأهله، وأولادي إلي بعد فعلتهم هذه؟ يسامحهم الله، لن أشكوهم، سأتحمل توبيخ الزوج والأولاد، واسم أبي لن يدخل المحاكم، لن يدخل المحاكم، وراحت في نوبة بكاء عميقة.
الحزن.. أشكال وألوان
لم أكن أتخيل أنني بحديثي هذا مع السيدة المكلومة قد نكأت جرحا غائرا لكنه مستتر لدى كل سيدة من المعزيات اللائي أجلس بينهن، تعالت الهمهمات، وفجأة خاطبتني إحداهن وكنيتها "أم أحمد"، وهي أم لثلاثة من الأولاد، وأربع بنات، بقولها : يا أستاذ أنت مستغرب من هذا الإجراء؟! هذه هي القاعدة لدينا، فأنا مثلا عندما مات أبي الذي كان يملك أرضا ليست بالقليلة، وزع إخوتي الثلاثة التركة عليهم، ولما كنا ثلاث أخوات لهم، قالوا كل واحدة نصيبها مع أخ من الثلاثة، ذهبت بدوري لمن جاء ميراثي معه وقلت له : أعطني يا أخي أرضي، حتى يزرعها أولادي، وأنت يا خالهم تعلم أن الوظائف باتت عزيزة هذه الأيام، وهم لا يعملون، فرد قائلا : اسمعي.. سوف أعطيك مبلغا من المال اعتبريه ثمنا لنصيبك عندي، أما الأرض -أرض أبي- فلن أسمح لغرباء بأن تطأ أقدامهم إياها -قاصدا زوجي وأولادي- وهو ما تم بالفعل، فالمبلغ الذي أعطاني إياه لا يساوى 1% من الثمن الفعلي للأرض، وأخذته غير راضية سدا لذرائع المشاكل، رغم سماعي ما لا يسر من أولادي، فلا تحزني يا أختي -موجهة حديثها إلى صاحبة المأتم - إنها كأس دائرة علينا واحدة بعد الأخرى.
قاومت وكسبت
زادت حدة الهمس، والهمهمات، وبعض مصمصة الشفاه، استنكارا لهذه الأوضاع، أعاد السكون تارة أخرى للقاعة صوت "الأبلة هدى" هكذا كنا نناديها عندما كانت تدرس لنا في المدرسة الابتدائية، بدأت بالقول: إياك أن تظن أن هذه الأفعال المخالفة للشريعة والقانون مقصورة على بعض الناس الذين لم يكملوا تعليمهم، أو الذين لا يعرفون حدود الله، ففي حالتي التي تتشابه مع الحالات التي سمعتها، تجد أن إخوتي الثلاثة -ويا للأسف - من حاملي أعالي الشهادات العلمية وأكبرهم حاصل على لقب "حاج"، ورغم ذلك حاولوا ابتلاع ميراثي بعد وفاة والدي، وعرضوا علي ترضيتي بمبلغ من المال كما هو الشائع هنا، لكنني رفضت بقوة، ولما لم ينفع الحوار معهم بالمعروف، ولم يشفع، اتبعت كل الوسائل القانونية المشروعة للحصول على حقي كاملا غير منقوص، وجاهدت شهورا طويلة في المحاكم حتى حصلت عليه، فكانوا يقدمون للمحكمة عقودا تفيد بأن والدي -رحمه الله- باع لهم أملاكه بعقود ابتدائية، وكنت أطعن في صحة هذه العقود، إلى أن كسبت القضية بعد أن خسرتهم جميعا رغما عني.
فجأة وجدت أمي تقترب مني، وكل تعابير الغضب تخيم على وجهها قائلة: "غادر المكان بسرعة وكفاك فضائح، أتظن نفسك في مؤتمر؟!" قبل أن تفرغ الوالدة من كلماتها بدأت الحديث سيدة أخرى تدعى "حميدة "، تعمل في بنك التنمية والائتمان الزراعي بقولها: أما أنا، فإخوتي لم يكتفوا بحرماني من ميراث أبي، فبعد أن رحلت أمي هي الأخرى حرموني من كل ما تركته، حتى مصاغها أخذوه لزوجاتهم، ولم آخذ منه شيئا، وهو الذي يقدر بالكثير، رغم أن هؤلاء الزوجات لم تكن الواحدة منهن تتبرع بتقديم جرعة ماء لها قبل وفاتها، وتأتي اليوم وتقول أنت: الميراث، التوزيع العادل، حسبنا الله ونعم الوكيل!!
حرمان الأم أيضا!
نظرت حولي فلم أجد إلا السواد، من سواد الملابس التي ترتديها السيدات إلى سواد كلماتهن، حاولت القيام؛ لمغادرة المكان، فإذ بيد أخرى تمسك ذراعي، كانت سيدة يتضح على ملامحها تجاعيد الزمن، تشعر في عينيها بحزن عميق كملك نزع عنه ملكه، اسمها "الحاجة سعادة"، بدأتني بقولها: يا وليدي (تصغير ولدي) مات الحاج -يرحمه الله- منذ سبع سنوات -تقصد زوجها- وترك لنا تركة معقولة من الأطيان والعقارات، قسم أولادي التركة فيما بينهم، وهم ثلاثة أكبرهم زوج بعضا من أولاده، وقاموا بترضية أختيهما بما فيه النصيب، ولم تأت سيرتي في توزيع الميراث من قريب أو من بعيد، بحجة أن الأبناء متكفلون بي، فوزعوا نصيبي الذي هو ثُمُن التركة وفق شرع الله عليهم هم الثلاثة، وأعيش الآن أشبه بمن يعطفون عليها هم وزوجاتهم وأبناؤهم، وأنا من كانت كل هذه التركة طوع أمرها في حياة زوجي، ولذا سأموت وقلبي وربي غاضب عليهم، وقلبي وربي غاضب عليهم، حاولت بعض الحاضرات تهدئة السيدة.. هممت خارجا من القاعة، وأثناء سيري بعيدا سمعت إنشادهم الجماعي الذي يبكين فيه الضياع بعد فقدان الأب!!
محرر في النطاقات الاجتماعية بشبكة إسلام أون لاين.نت
|