|
هذه آخر مرة في حياتي.. لن أقبل بعد اليوم حضور أي مؤتمر كائنًا ما كان.. هذا ما كنت أردده بعد آخر مؤتمر دُعيت إليه؛ لشدة ما نزل بي، وبأسرتي من مصاعب بسبب السفر ومشاقة، خاصة ونحن ممن اختارهم الله للإقامة المؤقتة في واحدة من أبعد الجزر التابعة لأسبانيا في طرف المحيط الأطلسي.
لكن سيدة كانت قد اتصلت بي، تخبرني بأن مؤتمرًا للنساء المسلمات في أسبانية سيُعقد في "بالنسية" بعد عام من تاريخه.. ولما أبديت دهشتي من إخطاري بالمؤتمر قبل هذا الوقت الطويل، تعللت بأنني أنا المتعبة التي يصر الناس على إخطارها بالمؤتمر قبل وقت مناسب.
وكان ذلك قد وقع مني موقع الشك، فتجربتي مع نساء أسبانيا لم تكن مشجعة في مجال التجمع والعمل المنظم كعرب أو مسلمين، بل كنا ـ وما زلنا ـ إلى حارة " كل من أيدوا قالوا" أقرب.
وما فتئت تلك السيدات البالنسيات يتصلن بي بشكل أسبوعي ودون كلل ولا ملل منذ التاريخ وحتى ليلة انعقاده، مؤكدات على موعد المؤتمر وضرورة المشاركة فيه، وترتيبات السفر، وحجم محاضرتي، وموضوعها، فمرة تكون المحاضرة بالعربية، فما أكاد أفرغ من كتابتها حتى تأتي أوامر بأنها يجب أن تكون بالأسبانية؛ لأن ممثلين عن الحكومة المحلية وجمعيات حقوق الإنسان والصليب الأحمر، والاهتمامات النسوية كانت قد تمت دعوتهم إلى المؤتمر، وكأن تغيير المحاضرات أمر ميسور، وكأن الحديث إلى العرب يمكن توجيهه عينه إلى الأسبان، خاصة إذا كانوا في مثل هذا المستوى الذي يقولون، حتى جاء اليوم الذي ضعفت فيه؛ فوافقت على حضور هذا المؤتمر النسائي، وإذا كان الرجال وخلال أعوام طويلة في أسبانية لم يستطيعوا تطوير مؤتمراتهم وأعمالهم، فماذا سيكون مصير مؤتمر تقوم بعقده النساء كمثل هذا؟
وبعد جهود مضنية للبحث عن بطاقة سفر من جزيرتنا المصونة غير الموجودة على خارطة شبكات الاتصال الطيرانية العالمية، جاء موعد سفرنا، وطرنا إلى المؤتمر الذي استغرق الطريق إليه وهو المنعقد في ـ "بلنسية" شرقي أسبانية ـ ثلاثة أيام طيران وانتظار في المطارات بسبب عواصف فجائية، ونوم في مدريد وتأخير في الإقلاع.. والذي منه!
وهناك.. ومنذ اللحظة الأولى لوصولنا المؤتمر، نسيت كل تلك الأهوال والتعب والإرهاق، وفُوجئت بمؤتمر نسائي منظم منضبط، وبعشرات الجمعيات النسائية الإسلامية التي أتت ممثلات عنها من برشلونة وغرناطة ومدريد ومدن أسبانية أخرى كان وما زال مجرد ذكر اسمها بالعربية يفتح القلب والوجدان جراحًا عميقة مؤلمة، ما فتئت تنزف منذ خمسمائة عام، وهناك التقيت ولأول مرة بنوعيات من النساء المسلمات الأسبانيات، أو العربيات المقيمات في أسبانيا كادت معاناتي مع الجيل القديم، تصيبني باليأس من اللقاء بأمثالهن في هذه البلاد.
وكان المشاركون من الرجال في مواقع الخدمات والتنظيم والضبط والإدارة والترجمة، دون أن يتدخلوا أو أن يفرضوا أنفسهم على سير أعمال المؤتمر الذي استغرق انعقاده يومًا واحدًا، ودُعيت إليه جميع وسائل الإعلام الوطنية الأسبانية والمحلية البالنسية، وفرض عليها أن تحترم المشاركين وألا تدخل قاعة المحاضرات والنقاش، مما اضطرها إلى التقدم بطلبات خاصة لإلقاء بعض المحاضرات، مما انعكس بعد ذلك ولأول مرة في وسائل الإعلام الأسبانية باحترام ذي نبرة جديدة.
ووجدتني في حالة ذهول وأنا التي كدت أفقد الأمل من إيناع أي نوع من أنواع العمل العربي والإسلامي المنظم في أسبانيا بالذات، بسبب تشرذم الجالية وتقوقعها وانغلاقها على نفسها في أعمال محدودة سقيمة عقيمة، أعمى أصحابها غمط الحق واحتقار جهود الآخرين، عن التقدم قيد أنملة، فإذا بنا والشمس تشرق من حيث لا نحتسب، وتنبت السنابل وتطرح خيرًا محاولة الاستواء على سوقها، تعجب الزراع وتغيظ الآخرين وتستثير دهشتهم.
هناك في "بلنسية" التقيت بثلاثة أجيال من النساء المسلمات في أسبانية: جيل الاستيئاس، وجيل العمل، وجيل الأمل. طرحن هناك مشكلاتهن، التي تبدأ في البيوت مع رجال أو أهل يحكمون البيوت بالعادات والتقاليد الغريبة على الإسلام، ولا تنتهي في الشارع الذي لا يعامل المسلمة إلا على أنها غريبة ولو كانت أسبانية الأصل أو المولد أو الجنسية وهناك استمعنا لأصوات بناتنا.. جيل الأمل الذي يحاول أن يفرض نفسه علينا وعلى أوروبا ويريد أن ينتزع حقوقه واحترام الآخرين له، هناك وجهنا التحية إلى الأم الفلسطينية الصابرة المرابطة، وبكينا اعتزازًا بانتفاضة الأقصى الشريف، ورفعنا جباهنا شامخة بقدرة هذه الأمة على النهوض والتوحد والانبعاث من جديد، وهناك أثبتت المرأة أنها الدعامة الإنسانية الخطيرة في وجودنا اليوم، وشهدت هناك وجهًا من وجوه ولادة المستقبل، هناك سمعت كلامًا عن التربية كوسيلة وحيدة لقيامنا من عثرتنا، وعن حوار الحضارات وعن قناة الجزيرة، وعن شيخنا الجليل يوسف القرضاوي، هناك سمعت آلام نسائنا في أسبانيا، وعن آمال أمة تثاءبت البارحة في القدس، وتمطت في الدوحة في مؤتمرها الإسلامي بعد مؤتمر العرب في القاهرة، واليوم في "بالنسية" وبعد غد ربما نشهده في مكان آخر قد يكون آخر مكان نتوقع أن يبعث فيه الأمل على وجه هذه الأرض العطشى.
بانتظار أن تستكمل هذه الأمة أسباب صحوتها، وتعيد إلى العالم والإنسان وجههما الحضاري الذي ينتظرانه.
|