English

 

الثلاثاء. أغسطس. 8, 2006

حواء و آدم » صوت النساء » شخصيات نسائية

 

إيناس.. صوت العرب بالأسبانية!

ليلى حلاوة

تظاهر 20 ألف أسباني في مدريد وبرشلونة ضد العدوان علي لبنان يوليو 2006
تظاهر 20 ألف أسباني في مدريد وبرشلونة ضد العدوان علي لبنان يوليو 2006

إذا حاولنا أن نصنفها فلن نفصلها أبدا عن هؤلاء الذين يحملون أحلامهم وجيتارهم ويجوبون العالم بحثا عن الحب والحرية، لا سيما وهي قادمة من الناحية الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، بالتحديد من الشمال الأسباني.

وهبت نفسها وعمرها من أجل خدمة القضية العربية؛ ففي العراق شاركت الصفوف الأمامية لفضح الاحتلال، وفي دمشق رأيناها تتحدى الحصار وتقف مع السوريين في محنتهم، والآن وفي وسط الحرب على لبنان أعلنتها صراحة وقالت لا للعدوان لتثبت المرأة الأسبانية أنها صوت العرب الحقيقي ولكن بملامح أسبانية.

تجيد إيناس -التي لظروف خاصة تتحفظ على ذكر اسمها ونشر صورتها واكتفت فقط بكتابة التالي على دفتري "INAS"- اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية والأسبانية والكتالانية (لغة محلية أسبانية)، وتتلخص نظريتها الإنسانية في أن شعوب العالم جميعا لا بد أن تتكافأ في وجه طغيان الحكام ومحاربة الإمبريالية الأمريكية التي تريد من الجميع أن يسيروا على الخط الذي رسمته الرأسمالية الأمريكية، لكن ما أثار ذهني هو كيف لهذه الفتاة أن تكون بهذه الروح العالية، والرغبة في الدفاع عن قضايانا التي قعدنا -نحن العرب- عن الدفاع عنها، وقد يكون هذا تأكيد لنظرية أن الشعوب العربية تحتاج إلى من يضحي عنها.

وعلى الرغم من الإرادة الفولاذية لهذه الفتاة الغربية، فإن حماسها وغضب عينيها يسبقها عندما تتحدث عن معاناة الأطفال جراء المذابح الإسرائيلية في لبنان وفلسطين، أو في العراق، وهي من كتالونيا (إقليم في شمال شرق أسبانيا).. حاورناها لنفتش في عقل أسبانية تعشق العروبة:-

* رحلة السفر الأولى.. كيف كانت؟ ولماذا فضلت الاتجاه شرقا؟

- فرنسا كانت تجربتي الأولى في الغربة والتجول والانتقال من عالم القرية والمدينة الصغيرة إلى عالم المدينة الكبيرة، وقد عشت في فرنسا عاما كاملا لتعلم الفرنسية وكان عمري وقتها 18 عاما. وبالرغم من أن أسبانيا وفرنسا جيران فإنني شعرت باختلاف كبير؛ فمن الخطأ التعامل مع أوروبا ككتلة وثقافة واحدة.

أما إلى الشرق، فكانت تونس محطة البداية في منحة جامعية لتعلم اللغة العربية في معهد "بورقيبة لتعليم اللغة العربية للأجانب". وهناك ولأول مرة تلاقيت مع الدفء والحب والانتماء والإنسانية التي افتقدتها جميعا منذ تركت مكاني في القرب من الريف -حيث تربيت- ولم أكن أتوقع أن تلك المعاني ما زالت موجودة، ولأول مرة أيضا وجدت طريقي وهدفي في الحياة، وهو أنني ولا بد كنت أنتمي إلى هذا الشرق.

* كيف بدأت تجربتك كناشطة سياسية واجتماعية؟

- صراحة كنت مصابة بالكسل فترة دراستي في الكلية، ولم يكن لي أية توجهات أو أهداف ولكن بعد التخرج وجدت أنني أحمل شهادة في إتقان اللغة العربية. وصراحة لم أكن أعرف فيها الكثير، فخجلت من نفسي وقررت السفر لتعلم العربية في سوريا. والمفاجأة.. أنه رغم الصعوبات التي وجدتها في البداية فإنني بعد ذلك رأيتني في المكان المناسب تماما، وهذا ما حلمت به دائما ولم أكن أريد الانتقال إلى مكان بعد ذلك؛ فالإحساس أنك في "المكان المناسب" يجعلك تشعر بالقوة والسعادة.

اهتمامات سياسية

متى نشأت لديك الاهتمامات السياسية؟

- قبل أن أذهب لسوريا لم يكن لي خلفية سياسية كافية، ولكني بدأت أكتشف ما يحدث في السجون ومخيمات الفلسطينيين من أصدقائي ومن زيارة تلك المخيمات. كما كنت أتابع التهديدات الدولية المتلاحقة على الشعب السوري بدون سبب، ومن هنا رأيت العالم بمنظور مختلف وقررت القيام بدور. وعندما عدت إلى مدينتي وانتقلت للعيش في برشلونة جاءتني فرصة للسفر إلى العراق؛ وذلك من خلال "اللجنة التضامنية مع القضية العربية"، وسافرت بالفعل في يناير 2002 وكان هدف الوفد إدانة الحرب ضد العراق ومعرفة الأسباب الحقيقية التي يريد من أجلها الأمريكان شن الحرب على شعب ظلم كثيرا، بعد ذلك نقوم بعرض الحقائق لتوعية الشعب الأسباني؛ لأنه لا يعلم الحقيقة.

* ما رأيك في الموقف الأمريكي تجاه سوريا؟

- تجيب بانفعال: لماذا أنا لي الحق في السفر والتنقل في كل أنحاء العالم بصفتي أسبانية، ولماذا صديقتي السورية لا تستطيع ذلك؟! هل كل ذلك لأنها سورية.. لماذا لا يحترمون إنسانيتها؟ وماذا لو كنت ولدت أنا في سوريا، هل كنت سأعاني كل هذا الظلم؟. ولماذا الشعب السوري؟ هل لأنه من أفضل وأرقى الشعوب.. أين العدل في هذا العالم؟ إن الولايات المتحدة تريد تكسير المعالم الإنسانية الباقية في العالم؛ فقد رأت أن الشعب السوري أفضل منها، لذا وجب تدميرهم وتكسيرهم، هذا الرأي الذي سأظل أدافع عنه دائما "لأجل بقاء الإنسانية في العالم، لا بد من الدفاع عن الشعوب العربية في المنطقة".

* بصفتك أسبانية ذات أصل ريفي، هل وجدت صعوبة من قبل الأهل في اختيارك هذا النمط الصعب من الحياة؟.

- لم أجرؤ على تنفيذ أي شيء بدون موافقة أبي وأمي، فأنا أشرح لهم كل شيء بالتفصيل وخصوصا الهدف من هذا العمل، وغالبا ما نصل من خلال النقاش إلى أن يقنع أحدنا الآخر، هذا بالضبط ما حدث قبل سفري إلى العراق عام 2002 مع وفد من 100 أسباني؛ حيث كانت العراق مهددة بالعدوان الأمريكي. وقد مررت بأوقات عصيبة استطعت خلالها إقناع أهلي بسفري إلى العراق، في البداية رفضت والدتي هذه الفكرة لكنها الآن تقول لي "إنني سعيدة بك، ولكنني سأظل أخاف عليك دائما"، وهذه الشهادة من والدتي بثت في روحي مزيدا من القوة وكثيرا من السعادة.

* كيف استثمرت زيارة العراق؟.

مليون ونصف أسباني يقفون في وجه العدوان الأمريكى علي العراق فبراير 2003
- بعد عودتي من العراق في فبراير 2002، شاركت في حملة أخرى هدفها إحضار أدوية لأطفال العراق، وحملة أخرى "حملة المليوني قلم رصاص"، فنحن نعرف أن بعد الحصار منعوا عنهم كل شيء بدعوى استخدامها في صناعات نووية. وكان ضمنها بالطبع أقلام الرصاص.

فيما بعد سافرت إلى المغرب للعمل في المنظمات غير الحكومية العاملة في قضايا المرأة والمعاقين والأطفال. وعندما بدأت الحرب على العراق مارس 2003 كنت في الرباط، فشاركت في المظاهرات وتعرفت على الحركات الاجتماعية في المغرب. في هذا الوقت وبعد خمس سنوات من الغربة قررت العودة إلى بلادي والبدء في نشر الوعي؛ فقد شعرت أن لدي مسئولية العمل في وطني فعملت في برشلونة مع المنظمات غير الحكومية، وبدأت أكون نشيطة فاشتركت في "الحملة الأسبانية ضد الاحتلال ومن أجل سيادة العراق"، وكانت من أكثر الحملات نشاطا بخصوص قضية العراق.

محكمة شعبية

المحكمة الدولية الشعبية لأجل العراق في إسبانيا مايو 2005
* المحاكم الشعبية تعد أبرز الآليات التي تستخدمها الحركات السياسية والاجتماعية في التعبير عن غضبها وضغطها على الحكومات، كيف؟

- باعتبارنا إحدى الحركات الاجتماعية والسياسية في أسبانيا، نعمل على تنفيذ هدفين أساسيين؛ الأول وهو التنديد بجرائم الحصار والحرب ومساعدة بعض الشعوب العربية المنكوبة، والثاني هو توعية الشعوب في أسبانيا وغيرها حتى يدرك الجميع الحقيقة ولكل هدف آلياته ووسائل تنفيذه. وتعتبر إقامة محكمة شعبية على نموذج محكمة "راسلز" أبرز هذه الآليات، وهي عبارة عن محكمة شعبية تقام بناء على قوة الشعوب المعنوية، ويكون لها ممثلون ونجمع لها الأدلة والبيانات والشهود، ونصدر حكما بناء على تلك البيانات بصفتنا قوة معنوية لا تقل احتراما عن أي قوة أخرى، ومثال على ذلك ما قمنا به في مايو 2005 حينما نظمنا في برشلونة محكمة شعبية من أجل العراق، وقمنا باختيار مثقفين وعلماء من أسبانيا وبلدان أخرى، وحضر وفد عراقي مكون من ستة أفراد في تخصصات مختلفة، كما قمنا بعمل سلسلة من هذا النوع من المحاكم (حوالي 20 محكمة) في بلدان مختلفة في البرتغال وتركيا والسويد وبلجيكا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، فعندما ترى الشعوب الظلم الفادح الذي تتعرض له ولا تتحرك المحاكم الدولية، ولا يفعل القانون شيئا، فبالتالي لا بد من التحرك السريع للشعوب، وكانت هذه المحاكم إحدى الوسائل التي ساعدتنا كثيرا في مقاومتنا للحرب.

في إبريل 2006 قمنا بحملة ضد الاغتيالات المستهدفة لمثقفي العراق وعلمائه، لكن المظاهرات لا تكفي وكذلك الإدانات، فلا بد من الاجتهاد وتخصيص جزء من الوقت بشكل مستمر لهذه الأعمال حتى نخرج بنتائج إيجابية، وقمنا أيضا باستضافة وفد عراقي للتحاور مع الحكومة الأسبانية عن معاناة العراقيين. كما طلبنا اللجوء السياسي لإحدى العراقيات المهددات بالقتل نظرا لنشاطهن المتزايد ضد الاحتلال الأمريكي لبلادهم. وأول مساعدة أجنبية دخلت مدينة الفالوجا بعد الحصار كانت من "الحملة الأسبانية ضد الاحتلال ومن أجل سيادة العراق" التي أشترك بها. ومن الآليات الأخرى تنظيم حملات لجمع الأموال لمساعدة المنكوبين والمصابين في الحرب، وتأليف الكتب لبيعها وتخصيص العائد لمن يعانون في كل العراق.

* هل تستخدمون الإعلام من أجل التوعية؟.

- للأسف الصعوبة الوحيدة التي نعاني منها هنا في أسبانيا هي الدور السلبي للإعلام، وحينما قمنا بعمل مؤتمر صحفي عن استخدام "النابالم" و"الفسفور الأبيض" في ضرب المدنيين في العراق حضره قلة من الإعلاميين، فالملاحظ أن الإعلام يلعب الدور السلبي في كل العالم؛ لأن الحكومات توظفه لتحقيق أهدافها في السيطرة على شعوبها، وهنا تأتي أهمية دور الحركات الاجتماعية والسياسية في توعية الشعوب بالحقائق التي يشوهها الإعلام بشكل واضح. لكن وسائلنا في التوعية تتم من خلال السفر إلى أماكن الأحداث وتجميع البيانات والمعلومات الحية لمعرفة القضايا على أرض الواقع، فمثلا هناك وفود تسافر سنويا إلى لبنان في ذكرى صابرا وشاتيلا، ويعودون إلى أسبانيا ليقوموا بتوعية الناس من خلال الندوات والمؤتمرات وجمع الأموال من أجل المجتمع المدني اللبناني واللاجئين الفلسطينيين، وهذا متاح لنا وبكامل الحرية.

* كيف أثرت تفجيرات مدريد على تعاطفكم مع قضايانا العربية؟

- نحن كحركات اجتماعية لا نخلط الأمور مع بعضها، ولكن نتعامل مع كلٍّ على حدة؛ فأنا لست مع الإرهاب وقتل الأبرياء، فما حدث في لندن ونيويورك ومدريد ما هو إلا "مصيبة كبرى"، ولكن لا بد أن نرى ذلك في إطار رد الفعل على الأفعال الإمبريالية الأمريكية المتغطرسة، فالتطرف موجود في العالم كله، فكما يوجد مسلمون متطرفون فهناك مسيحيون متطرفون، ويهود أشد تطرفا.

وللأسف معظم الناس في الغرب يخلطون الحابل بالنابل، ولا يعرفون الفرق بين الإسلام السياسي والإسلام كدين.

* ما السبب في معاناة المسلمين في أسبانيا خاصة والغرب عامة؟.

- المسلمون هم السبب في ذلك؛ فهم يعيشون في عزلة ولا يحاولون إقامة علاقات اجتماعية مع المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم السبب في رسم تلك الصورة من البداية. هذا غير ما نلاحظه من ضعف مستوى التأهيل المهني لمن يأتون للبحث عن عمل.

خيبة الأمل

* هل حركة الشارع العربي على مستوى الأحداث التي تمر بها المنطقة؟.

- للأسف، فقد خيب أملي عدد المتظاهرين في الشارع العربي بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان؛ حيث شاركت بإحدى المظاهرات في مصر وكان عدد المتظاهرين فيها لا يتعدى المئات، وبمقارنة ذلك بالمظاهرات في أثناء العدوان الأمريكي على العراق نجد أن الفارق كبير، ولا أعرف السبب، وأيضا موقف الحكومات العربية والأوروبية والموقف الضعيف لمجلس الأمن خيب آمالي، وكان المتوقع من الدول العربية في ظل الأزمة الراهنة أن تقف وقفة رجل واحد ولو على مستوى إدانة ما تفعله إسرائيل في لبنان وفلسطين؛ لأن لذلك بالغ الأثر في إيقاف الغطرسة والهمجية الإسرائيلية.. وقد يعول البعض على الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لكن الحقيقة أنهم فقدوا المصداقية، والبديل هو ظهور وتكاتف القوى الشعبية لإصلاح كل ما يحدث في العالم في الوقت الحالي.

* الحرب الدائرة الآن على لبنان.. كيف تنظرين إليها؟

- الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل يريدان تصفية المقاومة الموجودة في العالم خاصة تلك الموجودة في الشرق الأوسط، حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان؛ وذلك لأن المقاومة هي الوحيدة الواقفة في وجه أهدافهم الإمبريالية والصهيونية، وأصبح معروفا الآن ما يعانيه مخطط الشرق الأوسط الجديد من معوقات بسبب المقاومة. فحزب الله وحماس لهما كل الحق في الدفاع عن أنفسهم وعن أرضهم، وإذا كان الأمريكان يدخلون البلاد بحجة الديمقراطية، فإن الديمقراطية هي من جاءت لهم بحماس التي يرفضون التعامل معها، ثم أي ديمقراطية تلك التي يريدون!.

هذه المقاومة وتلك الحركات ما هي إلا رد فعل على الظلم الواقع عليهم من قبل إسرائيل وأمريكا.. معروف أن إسرائيل هي من احتلت الأراضي العربية وعمرها الآن 50 عاما. المقاومة في العراق أيضا ضرورية، ونحن جميعا لا بد أن نكون مع المقاومة ونساندها في أي مكان وليس في العراق فقط؛ بل في كوبا وفنزويلا وبوليفيا وفلسطين ولبنان وسوريا.

أمنيات عالمية

ما هي أمنياتك؟

- أمنياتي ألا تصل أيادي الحرب الهمجية إلى سوريا وإيران.. وأتمنى أن يقوم المجتمع الأمريكي بوقفة ضد الحرب الأمريكية في كل مكان، فهذا هو الأمل القوى الذي يجب أن نعتمد عليه، ثم إن الخبراء دائما ما يرددون بناء على قراءة التاريخ أن لكل قوة عظمى نهاية، فأتمنى أن تعدل المواقف الإدارة الأمريكية من موقفها.

ولكن ماذا عن طموحاتك الشخصية؟

- رغم جمال السؤال فإن الإجابة صعبة جدا.. أتمنى أن أعمل على إقامة التواصل بين شعوب البحر الأبيض المتوسط مستغلة إمكانياتي في تحقيق ذلك.. كما أنني أتمنى عودة الإنسان إلى احترامه الأولي للطبيعة واعتماده على نفسه، وأن يوقف الاعتماد على كل هذه الرفاهية عديمة المعنى التي تحكمت فيه وجعلته مجرد كائن استهلاكي رأسمالي. وأطمح في النهاية إلى رؤية مجتمعات قوية تبنى على العدل والأخلاق العالية والأفراد المستنيرة والاحترام المتبادل.


  محررة فى النطاقات الاجتماعية بشبكة اسلام أون لاين.نت، 

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم