|
إن فقر المرأة حقيقة ساطعة في العالم العربي لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، وإن ظلت التفسيرات مختلفة في تحديد مصادره ومكامنه بين الثقافة والسياسة، بين أثقال التراث وضغوط العصر، ويظل مفهوم الاستضعاف الذي أسسه القرآن الكريم الأكثر تفسيرية لمنبع ومصب الفقر الذي قل أن يوجد منفصلا عن الظلم.
النهوض بالمرأة.. الرهانات القادمة
"ثمة ترابط بين هشاشة الأوضاع الاقتصادية للنساء بما تعانيه هؤلاء من تمييز على مستوى الحقوق والتشريعات".. هذا ما أكدته السيدة "نزهة الشقروني" الوزيرة المكلفة بأوضاع المرأة والأسرة والطفولة وإدماج المعاقين في الحكومة المغربية لدى افتتاحها المؤتمر العربي حول "المرأة والفقر"، المنعقد بالدار البيضاء أيام 20-23 مارس.
وأقرت السيدة الوزيرة أن هناك العديد من المعيقات التي تحول دون استمتاع المرأة العربية بكامل حقوقها الأساسية؛ حيث ما زالت النساء من الفئات السكانية الأكثر تعرضا للتهميش الاجتماعي والاقتصادي.
المرأة والفقر.. صعوبات إجرائية
وفي نفس الإطار أكد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية أن المتغيرات العالمية التي أملتها العولمة وما نتج عنها من تحولات في معظم المجتمعات الإنسانية فرضت تحديات ومهام متنوعة أمام فرص استدامة التنمية وتواصلها، وقد أفضت هذه التحديات إلى ضرورة الاهتمام النوعي بالتنمية البشرية على مختلف الاتجاهات، وأشار إلى أن معظم تقارير التنمية الدولية عامة وتقارير الفقر وأحوال النساء تؤكد أن حوالي ثلثي فقراء العالم من النساء.
وأكد الأمين العام المساعد أن دراسة موضوع "المرأة والفقر" تواجه بصعوبات علمية وإجرائية؛ نتيجة عدم توافر البيانات والمعلومات الدقيقة على أساس النوع، وأن الفقر في المجتمع العربي هو نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية حددت فرص الذكور والإناث في التعليم والمعرفة والتشغيل، فضلا عما أضافته المتغيرات السريعة والعميقة من تداخل العوامل المؤثرة في أوضاع المرأة عامة والمرأة الفقيرة بصفة خاصة.
وقد أشار السيد "مارك مالوش براون" متصرف برنامج الأمم المتحدة إلى التزام المجتمع الدولي خلال قمة الألفية المنعقدة بنيويورك في سبتمبر الماضي بتحرير المرأة من الفقر الذي يعاني منه أكثر من مليار نسمة.
الحد من الفقر.. التكاليف المصاحبة
قدمت للمؤتمر تقارير محلية عن كل دولة عربية حول المرأة والفقر، كما قدمت الدكتورة "هبة الليثي" (أستاذة الإحصاء بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة) تقريرا عاما حول تقييم السياسات المعنية بالحد من الفقر بين النساء في الدول العربية، أكدت فيه على تمثيل الفقر عقبة أساسية للتنمية المتواصلة، ورفع معدلات النمو الاقتصادي في العالم العربي، وتشكيله خطرا على السلام والاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني؛ فهو يولد بيئة خصبة، تنمو فيها أشكال مختلفة من الانحراف والتطرف والمعارضة الجامحة التي قد تستهدف الدولة ذاتها في نهاية الأمر.
واعتبرت الدكتورة "هبة" أن الحد من الفقر يتضمن آليات الوصول والمشاركة على المستويين الجزئي والمؤسسي؛ فعلى سبيل المثال قد تتوافر الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة مجانا وبكميات ونوعيات مناسبة، ولكن أفرادا وجماعات معينة لا يستطيعون الوصول إليها؛ لأنهم أفقر من أن يتحملوا التكاليف المصاحبة للاستفادة من هذه الخدمات.
وأضافت أن وضع المرأة أكثر حرجا من الرجل من حيث تأثرها بأي تغيرات اقتصادية، خاصة أن العديد من الدول العربية حاليا يقوم بإعادة هيكلة للاقتصاد وبالإصلاح الاقتصادي؛ فالمرأة، خاصة المرأة الفقيرة، تتعرض للضرر من ثلاثة جوانب؛ فهي كامرأة فقيرة تعيش مثلها مثل الرجل في ظروف اقتصادية صعبة، وتعاني من متحيزات ثقافية وسياسات تُحد من قيمة مساهماتها في التنمية، وهي كذلك- خاصة إذا كانت ربة الأسرة- المسؤولة الأساسية عن رعاية الأطفال والأعمال المنزلية؛ إذ تلعب النساء دورًا إنتاجيًّا وإنجابيًّا في المنزل، بمعنى أنهن لا يعملن لكي يحصلن على دخل للعائلة، ولكنهن أيضا المسؤولات الوحيدات عن الأنشطة المحلية الضرورية لاستمرار أو إعادة إنتاج الحياة اليومية للأسرة.
المرأة أكثر حساسية للفقر
ويعد مفهوم تأنيث الفقر- كما تقول الدكتورة هبة الليثي- مفهوما حديثا في الأدبيات، خاصة في الدول العربية؛ فهو يدل على مدى حساسية المرأة للتغيرات الاقتصادية؛ ولذلك فإن نجاح أي سياسات لمكافحة الفقر تعتمد أولا على تحديد: من هم الفقراء؟ وأين يتركزون جغرافيا؟ وما هي التغيرات التي حدثت في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية بعد تطبيق سياسات التكيف الهيكلي والإصلاح الاقتصادي؟
وتندرج محاور الحد من الفقر في أوساط النساء في ثلاثة محاور رئيسة:
أولا: محور الضمان الاجتماعي.. عن طريق تقديم الدعم السلعي للفقراء.
ثانيا: محور رأس المال البشري.. بتوفير الخدمات اللازمة لتحسين المستوى التعليمي والصحي والمهارات التي تنمي قدرات الفقراء وتؤهلهم للمشاركة في العمل والكسب.
ثالثا: المحور الاقتصادي.. بتوفير فرص العمل والأنشطة والمشروعات المولدة للدخل، والتي تضمن مشاركة الفقراء في العمل والإنتاج من خلال القروض الميسرة، خاصة المتصلة بالصناعات الصغيرة، والوصول إلى الأسواق، وتوفير الآليات التي تدفعها وتساعد في نجاحها.
دلائل الفقر لا مؤشراته
على الرغم من عدم وجود مؤشرات إحصائية تقيس الفقر في المنطقة العربية، خاصة الفقر بين النساء، فإن الدلائل والمؤشرات الأخرى المرتبطة بالفقر، مثل: معدلات الأمية، ونسبة المساهمة في قوة العمل، تشير إلى عمق الفجوة النوعية في معظم الدول العربية.
وتعد مؤشرات التعليم في العالم العربي منخفضة بشكل يثير القلق- كما ذكرت الدكتورة هبة الليثي- في عالم أصبحت المعرفة والتكنولوجيا هي المعيار بين من يمتلك أسباب القوة ومن لا يمتلكها؛ فمعدل الأمية في العالم العربي يصل إلى 59.7 في المائة، بينما الرقم السائد في الدول النامية ككل هو 72.3 في المائة.
ويبلغ معدل النشاط الاقتصادي للإناث 66.1 في المائة من معدل النشاط الاقتصادي للذكور في جميع الدول النامية، وتعد أقل فجوة بين معدل النشاط الاقتصادي للإناث والذكور في المغرب، والكويت، وتونس، ومصر، وأكبر فجوة توجد في عمان والعراق والسعودية.
البيان الختامي.. الفقر المطلق والنسبي
وعند نهاية فاعليات المؤتمر، أصدر المشاركون بيانا ختاميا أكد أن تقارير الدول العربية أقرت الازدياد المخيف في أعداد الفقراء في أغلب البلدان العربية، وتمثل النساء الفئة الأكثر تضررا من ظاهرة الفقر، إضافة إلى معاناتهن من بعض المظاهر النمطية والعوامل الثقافية التي تكرس فقرهن وتجعلهن يعشن في ظروف صعبة.
وقد أكد البيان على:
- كون التحولات الاقتصادية الاجتماعية (العولمة) أثرت بالدرجة الأولى على الدول النامية ذات الاقتصاديات الهشة؛ مما ساهم في توسيع الهوة بين الدول وبين الطبقات وبين الفئات الاجتماعية، وفي تعميق ظاهرة تأنيث الفقر.
- أهمية المقاربة حسب النوع الاجتماعي في معالجة ظاهرة الفقر، بما يمكن من فهم أفضل، ويوفر المعلومات والبيانات حسب خصوصية أوضاع كل شخص حسب النوع.
- أن ظاهرة الفقر مركبة، ترتبط بعوامل عدة، لا تقتصر أسبابها على الفقر المادي والقياسات الكمية للدخل والمصادر، بل تشمل بالإضافة إلى أبعاد "الفقر المطلق" عوامل اجتماعية وثقافية تعتبر أحد أبعاد الفقر النسبي، والتي قد تؤدي إلى الفقر المطلق.. وفي هذا الإطار، فإن مفهوم الفقر يتخطى بعد الحد الأدنى المادي للعيش ليشمل الإمكانيات والقدرات لكل فرد بما فيها تلك المتصلة بالفقر المطلق المادي أو النسبي الاجتماعي والثقافي.
وقد دعا البيان جامعة الدول العربية إلى:
1. إنشاء موقع إقليمي على الإنترنت يعنى بالمعلومات والسياسات والبرامج والمشروعات المتعلقة بقضايا المرأة العربية، وييسر المعلومات للمخططين ومتخذي القرار في الدول العربية.
2. إصدار تقرير دوري حول المرأة العربية عامة والمرأة الفقيرة بوجه خاص، اعتمادا على تقارير الدول الوطنية؛ لرصد التغيرات التي تطرأ على أوضاع المرأة العربية ومعوقات النهوض بها.
وقد دعا المؤتمر في بيانه الختامي إلى إنشاء صندوق عربي لدعم البرامج والمشروعات الهادفة لتمكين المرأة العربية عامة، والفقيرة خاصة، ودعوة الصناديق العربية والدولية إلى دعم هذا المشروع بفعالية في مشروعات النهوض بالمرأة.
|