English

 

الخميس. يناير. 31, 2002

حواء و آدم » صوت النساء » الحركة النسائية

 

المرأة التركية والقانون الجديد.. مزايا أم أعباء؟

سعد عبد المجيد

Image

   لا شك في أن القانون المدني التركي الجديد بما اشتمل عليه من نصوص قانونية وتشريعية غريبة وشاذة عن عقيدة وعادات وتقاليد المجتمع التركي المسلم، قد جاء توافقاً وتطبيقاً لما تم التوقيع عليه في مؤتمرات المرأة العالمية، وعلى وجه الخصوص مؤتمر إستانبول للسكان الذي عقد في عام 1996م. وعلى الرغم من الحديث اليومي والذي لا ينتهي في خصوص ما يُسمى بالدفاع عن حقوق وحرية المرأة والمساواة بينها وبين الرجل، فإن التعديلات التي شهدها القانون المدني التركي الأخير والذي ناقشه وصدَّق عليه البرلمان التركي بين شهري نوفمبر وديسمبر 2001م، قد وضع المرأة التركية في موقف حرج وصعب وفي مواجهة وتصادم مع الرجل أو الزوج، وأضاف أعباء جديدة عليها، وفي ظلّ تردي الأوضاع الاقتصادية والأزمات الاجتماعية المتلاحقة.

"سيدة" بدلا من "زوجة"

تعد هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تعديل جوهري في القانون المدني – صدر أول قانون مدني في عام 1917م - بعد مرور حوالي نصف قرن على آخر تعديل عرفه في منتصف القرن الماضي وقت حكومة "عدنان مندريس"، وقد استمرت محاولات التعديل الأخيرة قرابة 10 سنوات، ومناقشات طويلة ومترددة وساخنة لمدة عامين تقريباً.

أمّا عن التعديلات الجديدة التي ينتظر أن تقلب استقرار العائلة التركية، فقد وضعت كلمة "سيّدة" – أي أن القانون الجديد أراد الاعتراف الضمني بالعلاقات الثنائية غير الشرعية - بدلاً من كلمة "زوجة" ولكن بعض المواد القانونية استخدم فيها تعبير"زوجة" بشكل محدود. وبالرغم من المحاولات المستمرة لفض اللغة التركية من الكلمات والتعبيرات العربية، فإن كلمات كانت مستخدمة في القانون القديم مثل: "أهليّة، وِلاية، قيّم، ترِكة، حق الانتفاع، ارتفاق، إحراز، مؤجل وأمتعة" لم تشهد تغييراً.

هذا علاوة على فتح الطريق أمام المنحرفين من الرجال لكي يتلاعبوا بالفطرة والخلق الطبيعي، حين سمح القانون واعترف بحق الشخص في طلب تغيير نوعه (من ذكر لأثنى!) عن طريق طلب يتقدم به للمحكمة على شرط أن يكون قد بلغ 18 سنة، وأن يكون غير متزوج، وبموجب تقرير طبي.

وفي مسألة الزواج سيكون من حق المرأة أن تطلب عقد القران والزواج من الرجل في المكان الذي تريده وتحدده هي. وقلباً لأوضاع الأسرة؛ فلن يكون الزوج أو الرجل بعد اليوم هو الرئيس للعائلة أو المسؤول عنها – أعلنت الممثلة السينمائية الشهيرة "نورسلين إيديز" في لقاء تلفزيوني (SHOW- TV) يوم 25 أكتوبر بأن الرجل يجب أن يكون رئيساً للأسرة مثلما هو الحال في كل دول العالم، بينما أصبح أمرها محل تنازع بين الطرفين حين سوى بين الزوجين، وهو الأمر الذي سيعني بكل بساطة اندلاع خلاف دائم بين الطرفين -خصوصاً مع وجود الشخصية الحادة وطبيعة المرأة التركية- والركد في دهاليز المحاكم، وفي حالة استخدام حق التمثيل العائلي من أحد الزوجين يصبح هذا الطرف مسؤولاً أمام الشخص الثالث، على أن استخدام السيدة (المقصود بها الزوجة) لهذا الحق بشكل خاطئ تصبح مسألة تقييده أو إلغائه في يد القاضي، وسيكون اختيار منزل الزوجية متساوياً بين الطرفين -وهذه العبارة متناقضة مع ما أورده القانون من حق المرأة في اختيار منزل الزوجية-، وليس الزوج فقط مثلما كان في القانون السابق، وفي هذه النقطة يجد المرء نفسه في تساؤل عن الموقف إذا أصرّ كل طرف على منزل زوجية يراه مناسبًا.

المساواة.. ليست عدلاً

وطبقا للقانون الجديد أيضاً سيكون من حق السيدة (الزوجة) أن تحتفظ بلقب عائلتها -كان القانون القديم يفرض على الزوجة حمل لقب عائلة الزوج بعد الزواج منه، كأن يصبح لقب فتاة تسمى "شيرين أوغلو" إلى "شيرين آطا صوى" بعد الزواج، فكلمة أوغلو هي لقب عائلة الفتاة، وكلمة آطا صوى هي لقب عائلة الزوج- أو حمل لقب عائلة الزوج، أما المطلقة سيكون لها حق العودة للقب عائلتها قبل الزواج، كما سمح القانون الجديد بتمتع الطرفين بحق رفع الدعاوى القضائية باسم العائلة في مواجهة الشخص الثالث.

وفي القانون الجديد محاولة أو معالجة لظاهرة الزواج المبكر عند المرأة التركية، خصوصاً الريفية، حين قيّد عمر الزواج ليصبح 18 سنة للطرفين، بدلاً من 15 سنة للمرأة و17 سنة للرجل، طبقاً للقانون القديم، وفي موقف غريب وغير مفهوم وتناقضاً مع نصوص مضادة في نفس القانون اعترف القانون الجديد بالزواج الديني، يُقصد بالزواج الديني الزواج الشرعي طبقاً لقواعد الإسلام والذي يقوم به الأتراك سراً في المنازل قبل عقد الزواج المدني المتطابق مع المبادئ العلمانية، لأول مرة وإن كان بشكل غير مباشر حين أورد مادة تقول: لا يتم عقد النكاح الديني دون الحصول على البطاقة الشخصية.

هذا، وقد أضاف القانون الجديد عبئا إضافياً على المرأة حين نزع حق رعاية السيدة (أي الزوجة) والأبناء من الزوج، وساوى بين الطرفين حتى في الحقوق المالية – يقول المواطن "مصطفى قرا" (قانوني): "التساوي بين الذكر والأنثى غير جائز نظراً لاختلاف الأحوال، فهناك الغني والفقير، والجميلة وغير الجميلة، والمتعلم والجاهل ..إلخ". وهذا سيعطي الفرصة للأزواج الضعفاء أو المختلفين مع الزوجة في أمر ما لإلقاء مسؤولية الإنفاق المنزلي على المرأة، أو يتنازع الطرفان على ترك هذه المسؤولية وعدم تحملها، وهو ما يهدد الأطفال والأسرة بحالة من عدم الاستقرار النفسي.

كما اعتبر القانون الجديد أن المسؤولية المالية للعائلة تقع على الطرفين، وليس الزوج وحده كما كان القانون القديم، بل وأقحم المرأة (الزوجة) أيضاً في مواجهة سداد الديون الأسرية -أقساط الأدوات المنزلية أو أقساط شقة السكن... إلخ- أمام الطرف الثالث، وقد يؤدي هذا الموقف بدخول الزوجات للسجن في حالة عدم السداد القانوني. وفي ظاهرة خطيرة على المجتمع التركي المسلم، اعترف القانون الجديد بكامل الحقوق للطفل غير الشرعي – ولد الزنا -، بحيث سيكون من حقه الحصول على الميراث مثل الطفل الشرعي!

وفي إطار ما يسمى بحقوق التساوي بين الرجل والمرأة سيكون من حق الرجل طلب النفقة بالتساوي مع المرأة -أي أن الزوجة التي تطلق زوجها عليها أن تدفع له نفقة شهرية-، وأن تحدد المحكمة قيمة تلك النفقة بعد وقوع الطلاق، على شرط مرور سنة من وقوع الطلاق.

المال داخل الأسرة

وتعارضاً مع قواعد الإسلام التي تحرم التبني وتحفظ حقوق الميراث، أعطى القانون الحق لكل طرف سواء كان لديه أبناء من عدمه في تبني الأولاد. كما خفض القانون عمر أو الفترة الزمنية لحق التربية والرعاية للأبناء من 35 سنة لثلاثين سنة. ومن باب التساوي أيضاً أصبح حق الوصاية على الأبناء للمرأة مثل الرجل، ولكن خفضها من 4 سنوات لسنتين فقط.

وكذا حقوق التساوي في الأموال بين الطرفين في المعاش والممات أو بوقوع الطلاق، ويكون من حق كل طرف استخدام أي شكل من أشكال حقوق المال الثلاثة التي حددها القانون وهي (الفصل التام في الأموال – المشاركة في الأموال – الفصل في الأموال بالتساوي) عند الزواج، حيث أوضح وزير العدل الدكتور/ حكمت سامي ترك -أستاذ قانون جامعي- أن هذا يعني الحق لكل طرف في إبرام عقد عند الزواج يحدد الشكل القانوني للمال داخل الأسرة. وأن يكون القاضي وحده هو الذي يقرر تقليل أو الرفع النهائي لحق الحصول على مال الطرف الآخر، في حالة وقوع جريمة الزنا أو قتل النفس، وتقييد حق وضع اليد للحماية في حالات فقدان العقل، أو ضعف القدرات العقلية، الإدمان، الأمراض المستعصية أو الأمراض المعدية، وكذا التشرّد والهيام في الشوارع، ففي حالة عدم توفر حماية شخصية بأي حال، يكون من حق الطرف الأخر وضع اليد على شرط تحمل مصروفات العلاج أو التعليم أو الإصلاح.

الاختيار بعيدا عن الاستقرار

ومن باب ترسيخ المفاهيم العلمانية اللادينية وتدمير مفهوم الأسرة المنضبطة والعمل على إشاعة وتقنين الأعمال والمِهن المستهجنة للمرأة -مثل عمل الراقصات والبغاء وسقاة الخمور في الملاهي وغيرها-، سمح القانون للطرفين باختيار العمل والمهنة بكل حرية، ووضع عبارة مطاطة تفتح الباب واسعاً للنزاع بين الزوج وزوجته في مسألة عملها، تقول العبارة "مع رعاية استقرار الأسرة عند الاختيار"، إن مثل هذه العبارة تسمح لأصحاب النفوس الضعيفة من النساء والزوجات، باستغلالها كيفما شئن وطبقاً لهواهِن، كأن تقف إحداهن لتقول: "إن عملها كراقصة أو لاعبة قمار في نادي ليلي يجلب عليها أموالاً تؤدي لاستقرار أحوال الأسرة ماديا"!

 وفي إطار التعديلات الخاصة بأحوال الطلاق، فقد رفع سبب طلب الطلاق للترك أو الهجر من 3 أشهر لستة أشهر، وبدون إخطار أحد الأطراف للطرف الآخر بعملية الترك بعد 6 أشهر، يتم رفع الدعوى بالتطليق مباشرة، ويحق لأحد الأطراف طلب جعل جلسة الطلاق سرية من باب "عدم خدش الحياء أو كسر الغرور والخاطر الإنساني" كما ورد في نص المادة القانونية، وفي حالة عدم التراضي والتفاهم والتنازع على تقسيم المنقولات المنزلية، أو الإقامة في منزل الزوجية عند وقوع الطلاق، يرجع التنازع للقاضي مع الوضع في الاعتبار مصلحة الزوج ومستقبل الأبناء.

اليسار: سندخل التاريخ

في دفاعه عن القانون الجديد قال وزير العدل التركي/حكمت سامي ترك – من الحزب اليساري الديمقراطي (DSP) المتزعم للائتلاف الحكومي- في حديث له مع محطة تلفزيون CNN-T TV يوم 1-12 : القانون الجديد مهم جدًّا من ناحية حقوق الميراث، والحياة الزوجية، وتفاعلات الحياة اليومية، وأضاف قوله بأن أحكام القانون ستصبح سارية المفعول ابتداء من يوم الأول من فبراير القادم، ويقول أيضاً إن الهدف من القانون هو حماية المرأة من التعرّض لأزمات اقتصادية، وإنه ثورة للحفاظ على وضعية وحقوق المرأة.

وفي معرض دفاعه عن تقنين مبدأ التساوي بين الجنسين في الميراث قال: "لا ذنب للطفل في خلقه ذكرًا أو أنثى".

وفي هذه النقطة تقول السيدة/ "طولاى أوغلو" (فنانة): "إن وضع القانون القديم بالنسبة للمرأة عبارة عن عبودية، ونحن لا نريد العودة للعصور الوسطى، لقد مضى عصر الإسلام وانتهى ونحن أبناء اليوم".

وفي تناقض واضح بين دعمها للقانون الجديد -الذي ينسف الأسرة ويعصف باستقرارها ويجعل من الشقاق والنزاع الدائم على حق الولاية ورئاسة الأسرة والتصرّف في الأموال أو تقسيمها سِمة أساسية في حياة العائلة- وبين الدعوة لتوفير وسط عائلي آمن لتربية الطفل، قالت /"عائشة جوروجاق" عضوة البرلمان عن الحزب اليساري الديمقراطي في لقاء لها مع محطة تلفزيون TRT-2 TV(الحكومية) : "إن أفضل الأوساط لرعاية الطفل وتنشئته هو الوسط العائلي".

من جهتها أعلنت المتحدثة باسم المجموعة البرلمانية للحزب اليساري الديمقراطي أمام البرلمان التركي يوم 22-11 أن حزبها يشعر بالغرور والفخر لتحقيق هذا القانون، وأن يوم 22-11-2001م سيدخل التاريخ، أمّا /"سافجي آسن" عضوة بالبرلمان وباللجنة التشريعية فتقول: "إن المرأة التركية لا تملك سوى 8 % من الأموال غير المنقولة، وإن السيدات عموماً غير قادرات على مواصلة تعليمهن بسبب ضعف موقفهن المالي، ومن ثم كان يلزم التساوي في حق الميراث وفي أموال الأسرة".

635 ألفا.. أطفال شوارع

وفي نقد وردّ غير مباشر على تردي أوضاع الأطفال في ظلّ القوانين المدنية العلمانية، قالت الدكتورة/ "سَزن زيتين أوغلو" (الباحثة بجامعة حاجه تبه بأنقرة): "إن أغلبية أطفال مدينتي إزمير وأنقره يتعرفون على الشوارع في مرحلة ما قبل البلوغ". وفي الوقت الذي اعتبر وزير العدل أن القانون يحمي الأطفال ويتوافق مع الدستور، ذكر أحمد قولجا رئيس جمعية "أطفال الأمل: UÇD " في حديث تلفزيوني أن تركيا بها 15 ألف طفل يهيمون ويتشردون في شوارع 25 محافظة -علما بأن عدد المحافظات التركية بلغ 83 محافظة-، وأن تركيا تقدم أو تلقي يوميا عدد 15 طفلا في الشارع، كما ذكر برنامج "Ajans" بمحطة تلفزيون CNN-Türk (الخاصة) يوم 20 نوفمبر الماضي أن عدد أطفال الشوارع بتركيا بلغ 635 ألف طفل، وأن 5.4 مليون طفل يعملون في شوارع تركيا.

وفي الوقت الذي يرى وزير العدل أن القانون يتواكب مع مبادئ حقوق الإنسان، قال / "حسني أوندول" رئيس جمعية حقوق الإنسان (İHD) في تصريح صحفي لجريدة "يني شفق" التركية اليومية الصادرة يوم 21 نوفمبر الماضي: "إن تركيا تراجعت في قضايا حقوق الإنسان بنسبة 200 % عن العام الماضي".

" هارون " يحل المسألة

أمّا على الجانب المعارض للقانون الجديد فقد أعلن / "ياسين خطيب أوغلو"، وكيل المجموعة البرلمانية لحزب السعادة (SP) المعارض انتقاداته ورفضه للقانون في كلمته أمام المجلس والتي بثت على الهواء مباشرة يوم 22 نوفمبر الماضي، معتبراً أن هذا القانون لا يتفق مع الأعراف والعادات والتقاليد ولا الدين الإسلامي.

أمّا السيدة / "نورتن آجار" (ربّة منزل) فقد أعلنت يوم 25 أكتوبر الماضي في برنامج على الهواء مباشرة اعتراضها لنزع أو إجبار المرأة (الزوجة) على إنفاق أموالها على الأسرة، وقالت إن المسؤولية المالية يجب أن تكون على الرجل أو الزوج. بالنسبة له قال المواطن/ "مصطفى آجار" (موظف) بشكل عام أنا الذي أقرر في الموضوعات الهامة للعائلة وبقية الأمور تكون بالتشاور مع زوجتي.

وحول أهمية الاستقرار العائلي والحياة الزوجية يقول /"حسن آقصو" (مدرس جامعي) ما الفائدة من القانون عندما تكون العائلة بلا حضور أو سعادة، المهم استقرار الأسرة وحياتها قبل الحديث عن القوانين. وفي تلخيص لموقف الناس أو آلياتها لمواجهة مواد القانون الجديد يرى المواطن/ "هارون صاف أوغلو" (عامل بوفيه) أن التعامل مع القانون الجديد لن يختلف مع ما سبقه، فنحن نحلّ مسألة الميراث بالتوزيع والوصية طبقاً للإسلام.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم