|
صورة المرأة في الإعلام العربي كانت محورًا لكثير من الندوات واللقاءات في بلادنا العربية خلال الأعوام القليلة الماضية، لكنها أصبحت تأخذ بُعدا مختلفا خلال العامين الأخيرين، وتحديدًا منذ عقد أول قمة عربية للمرأة في نوفمبر 2000م، وما تبع هذه القمة من منتديات عُقدت في تونس والبحرين والأردن، وأخيرًا في الإمارات.
الجديد أن البحث في هذه الصورة لم يعد يتوقف على رصد أبعادها فقط، بل تعداه إلى الأسباب العميقة لهذه "الصورة" و"الصور"، التي تكشف بُعدين رئيسيين لمرتكزات هذه الصورة، هما: وضع المرأة في الواقع العربي من ناحية، ومشاكل إعلامنا العربي من جهة أخرى.
أما ضرورة تغيير هذه الصورة -أو الصور- فلم يعد أمرًا داخليًا –كما جاء في أوراق المشاركين- يمكن التجاوز عنه أو تسويفه أو المماطلة في تحقيقه، بل أصبحت تفرضه المصالح الدولية والعربية.
إعلام رسمي وآخر بديل
كشفت ورقة الدكتور "جابر عصفور" الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مصر أمام المنتدى مدى تأثير وسائل الإعلام على المتلقين، وكيفية تأثر الإعلام العربي بإعلام الدول المهيمنة القوية؛ فلم تعد وسائل الإعلام هي وسائل الإعلام الرسمية للدولة، سواء كانت صحفًا ومجلات أم إذاعة أو "تليفزيون"، بل هناك وسائل اتصال جماهيري أخرى منها: خطباء المساجد، وصناع شرائط الكاسيت، والمنتديات غير الحكومية التي تضع رسائلها الإعلامية الخاصة عن طريق المشافهة أو الشرائط أو الإنترنت، وبلغ من قوة أدوات الاتصال الجماهيري هذه أن أسهمت بقوة في قلب نظام الشاه في إيران، وأصبح لهذه التقنيات تأثير يفوق تأثير أجهزة الإعلام الرسمية.
وتوضح الورقة أيضًا ذلك التناقض الواضح بين الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام الرسمية (في بلد كمصر) للمرأة والتوجهات الرسمية للدولة تجاه المرأة، الذي تعود أسبابه إلى وجود تيارات متعارضة في النظر إلى المرأة داخل بناء الدولة نفسها، أو بسبب توجهات المسئولين عن أجهزة الإعلام التي تكون مخالفة للموقف الرسمي للدولة، وتكون النتيجة ظهور رسائل متناقضة –في رأيه- عن المرأة، فينتج التليفزيون المصري مسلسلاً دراميًا عن (أم كلثوم) السيدة التي تفوقت فنيًا وإنسانيًا على الكثير من الرجال، وفي نفس الوقت ينتج (عائلة الحاج متولي) الذي يظهر المرأة بصورة التابع المستسلم الخاضع.
والأمر لا يختلف بالنسبة لوسائل الاتصال الأخرى التي تتخذ من صورة المرأة التي تقدمها أداة لتثبيت توجهاتها، وتتحكم القدرة المالية التي تنتج أو تشتري المنتجات الإعلامية في الصور التي تريدها للمرأة باعتبارها جزءًا من الرسالة الإعلامية المطلوبة، انطلاقًا من مبدأ (من يدفع للعازف فهو الذي يختار الأغنية) بما يكشف العلاقة بين أجهزة الإنتاج والفضائيات العربية.
لم يعد مأزقا داخليا
الصورة التي نراها في إعلامنا للمرأة إذن –في أغلبها- صورة مصنوعة، ليست لها علاقة (الظل) بالواقع؛ فهي لا تتطابق مع الواقع العربي للمرأة ولا مع النماذج التي أفرزها المجتمع للمرأة، لكن المأزق الآن لم يعد مأزقَ إعلام داخليًّا، لكنه أصبح مأزق (صورة العرب والإسلام) أمام الغرب والعالم منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 الماضية، التي تهدف إلى الإساءة للإسلام، والتي تستخدم صورة المرأة (الطالبانية) –مع اختلاف التفسيرات بشأنها- بكل مشكلاتها وكأنها صورة المرأة العربية أو المسلمة بشكل عام في مجتمعاتنا، وتغيير الصورة في الخارج لن يكون إلا بتغييرها فيما يُبَث أولاً في داخل الوطن العربي؛ إحقاقًا للحق أولاً، ودفاعًا عن صورة الإسلام ثانيًا.
وتشير ورقة الدكتور "عبد الحفيظ الهرقام" -تونس- إلى ظاهرة صحية في تناولنا لما نتلقاه في وسائل الإعلام الآن؛ فقد انتقلنا –جميعًا- من مرحلة الانبهار في التلقي إلى مرحلة الوعي والنقد لما نتلقاه، وهو ما عكسته المناقشات التي دارت بعد إذاعة حلقات مسلسل (الحاج متولي) التي أذيعت على الكثير من القنوات الفضائية العربية خلال شهر رمضان الماضي؛ فلم تكن مناقشات عمل فني، بل امتدت إلى البيوت والأماكن العامة والنوادي، وخرج الحديث إلى مضامين الأعمال وأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية؛ الأمر الذي أصبح يفرض على كُتاب السيناريو ومُعدي البرامج التليفزيونية والإذاعية المزيد من الحذر عند تناول صورة المرأة -أو بمعنى أدق صورة المجتمع-، وعدم الاعتماد على تصوراتهم الموروثة عن المرأة التي كانوا يتبنونها لا شعوريًا في أعمالهم؛ فأصبحوا مدعوين إلى مراجعة سياستهم البرامجية، خاصة مع الدور القوي الذي تلعبه الآن الاتحادات والمؤسسات النسائية والتوجهات القطرية لرفع شأن المرأة، وكذلك المؤتمرات والاتفاقيات الدولية.
وتوضح ورقة الدكتور الهرقام أنه رغم تباين الصور التي تبعثها وسائل الإعلام من قطر عربي لآخر، أو من بيئة لأخرى داخل القطر الواحد؛ فهناك قاسم مشترك بين هذه الصور جميعها ما زال مسيطرًا على إعلامنا، منها التركيز على الفئات الاجتماعية الميسورة في المدن وبعض المهن التي تمارسها المرأة كالبائعة في المحلات التجارية والموظفة والمعلمة والأستاذة والطبيبة، مقابل حضور محتشم للمرأة الريفية التي تقدم غالبًا في دور العاملة في المزارع أو الشغالة، وانعدام الاهتمام بواقع المرأة في الأحياء الشعبية، واستغلال جمال المرأة ومفاتنها كوسيلة لاستقطاب المشاهد في ظل المنافسة بين الفضائيات العربية، وتكريس لصورة المرأة التي لا يشغلها سوى بيتها وأبنائها، ولا نجد سوى صور قليلة للمرأة العاملة التي تستطيع التوفيق بين بيتها وعملها، وغالبًا ما تظهر وكأنها دُفعت للعمل بسبب اقتصادي أو فرار من روتين البيت، وليس اقتناعًا بقيمة العمل، وهي غالبًا كائن مسلوب الإرادة غير قادر على التفكير السليم.
الصورة أم الأصل؟
من أين نبدأ؛ من الصورة أم من الأصل؟. هذا هو السؤال: نجمل الصورة أم نحسن الأوضاع في الواقع؟
إن نقل صورة مشرقة للمرأة يقتضي السعي لصياغة هذه الصورة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي؛ فليس المطلوب إعطاء صورة مثالية، لكن صورة متوازنة تعكس نماذج للمرأة في سموِّها وانحدارها، نجاحها وإخفاقها؛ فمن الخطأ أن يتحدث الإعلام عن المرأة في برامج منفصلة، لكن من خلال كل المواد الإعلامية وبطريقة غير مباشرة، وتحسين الصورة لن يكون فقط بتولي المرأة المناصب القيادية في الإدارات الإعلامية أو بزيادة عددها كما تتطالب الكثير من الأصوات؛ فهذا وإن كان ضروريًا لكنه ليس كافيًا، كما تشير سعاد بكور بن سليم من سوريا.
وتشير ورقة الدكتورة "ماجدة أبو فاضل" -الإمارات- إلى أن البداية يجب أن تكون من النظر إلى طريقة إعلامنا التي تجعلنا نتجه إلى الـ CNN أو الجزيرة عندما تقع كارثة؛ لأن أجهزة إعلامنا تقصر في أداء مهمة توفير أنباء جيدة ودقيقة تركز على ما هو مهم، وقضية المرأة لا تختلف عن أية قضية أخرى؛ فإعلامنا يحتاج إلى تحقيق التوازن بين دقة المعلومات وفهم خلفية الموضوع، ولا يكون ذلك بردود الأفعال كما تعودنا، ولكن بالبدء بالفعل؛ فالنساء يمكن أن يسهمن في الرد على الصورة السيئة للعرب والمسلمين إذا شاركن بمثابرة ودون هجوم بالكشف عما هو غير منسق فيما يقال وما يفعل، ويوثقن كل شيء، ويظهرن تعمقًا فيما يتناولنه من موضوعات.
ولا بد من وجود النساء المتخصصات في الكثير من المجالات العلمية والاقتصادية، ويكن على استعداد للتحدث في البرامج الغربية المتخصصة عن همومهن في هذه المجالات والأرضية المشتركة بينهن وبين أناس من العالم وخاصة نظيراتهن في الغرب. فلكي نحسن صورتنا نحتاج أولاً لأن نحسن أفعالنا ونصلح مناهج تعليمنا، ونلتزم بأخلاقيات الإعلام والشفافية في علمنا، ونستغل ثرواتنا الإنسانية، وندعم دخول المزيد من النساء في الإعلام لتقديم قيادات متوازنة.
وكما تقول الدكتورة "كافية رمضان" من الكويت: ليس المهم في ذلك الفيض من المعلومات التي ينقلها الإعلام، لكن الأهم أن يعمل على تحفيز المتلقين للمشاركة الفعالة، بدلاً من أن يحولهم هذا الكم من المشاهدة إلى أفراد مخدرين، يعرفون الكثير عن القضايا لكن لا يسهمون في حلها، ولا يبدون اهتمامًا فاعلاً تجاهها.
وكما تبين مليكة مالك -المغرب- في ورقتها أمام المنتدى أن مناقشة قضية المرأة والإعلام تجرنا إلى مناقشة قضية الديمقراطية في إعلامنا، بل في مجتمعاتنا، وتكشف قصور إعلامنا الذي يتضح في الجدية في مواكبة اللحظة، لكن افتقاد الاستمرارية في متابعة القضايا، والنتيجة هي سقوط بعض أجهزة إعلامنا في التعامل المبتذل مع الصورة السلبية للمرأة. إن الإشكالية الأعمق هي: هل يمكن أن يتناول إعلامنا حقيقة أوضاع النساء بشكل ديمقراطي، بل وعن الأوضاع السياسية للمرأة والرجل؟ بمعنى آخر: هل يكون إعلامنا سلطة رابعة بالفعل أم خاضعًا للسلطة أو تمويل المنتجين؟!.
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com
|