English

 

الأربعاء. أغسطس. 23, 2006

حواء و آدم » أب وأم

 
   
روابط من إسلام أون لاين

اعتذار لكل أم فلسطينية ولبنانية!

نجلاء محفوظ

من يستطيع إطفاء شوق أم أحرقها غياب الأبناء؟
من يستطيع إطفاء شوق أم أحرقها غياب الأبناء؟

أقر أنا بصفتي الشخصية وبالنيابة عن ملايين النساء من عالمنا العربي والإسلامي لكل الأمهات الفلسطينيات واللبنانيات، بأننا لم نستطع أن نقترب من دائرة الفهم أو الإحساس (الحقيقي) بمعاناتكن وأعتذر أنا -وكل من تقبل ذلك- لتوهمي البالغ بأنني قد توصلت إلى معايشة آلامكن وتنفست غضبكن وتوحدت مع مصائركن..

نعم كنت أتوهم ذلك، ربما لأنني أحتضن في بيتي صورة للشهيدين أحمد ياسين والرنتيسي، وصورًا لخالد مشعل وحسن نصر الله وقريبًا أضيفت إليهم صورة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد وأتعامل مع هذه الصور بحب وود بالغين، وأضعهم في أفضل أماكن منزلي وكأنهم من أفراد أسرتي المقربين..

كما كنت أسعد بمحاولاتي -المتواضعة للغاية- في الدعوة لمقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية، والتوعية بشكل عام بأضرار التعامي والتغافل بكامل إرادتنا عما يحصل في منطقتنا العربية..

وانكشفت الحقائق

أعود لاعتذاري واعترافي فقد تعرضت بالأمس إلى حادثة غيرت قناعاتي عن حياتي وحياة كل العربيات في وطننا الكبير..

كنت قد اصطحبت ابني لقضاء مصالح بالسيارة، كان يقود السيارة وكنت أقرأ كتابًا صغيرًا، كان مستمتعًا بالقيادة، وكنت مستغرقة في القراءة، وكلانا يتنفس الشعور بالأمان والراحة وبالرفاهية أيضًا، ولم لا فالسيارة جميلة والطريق متسع واليوم يبشر بالخير..

ثم فوجئنا بسيارة نقل تأتي من الطريق المعاكس لتخترق ما يسمى بالجزيرة، وهي عبارة عن رصيف عال يتوسط الطريق ويفصل بين الاتجاهين، وتتجه نحونا في سرعة رهيبة، فأسرع ولدي بالاتجاه بعيدًا عنها، فواصل السائق اندفاعه نحونا، وارتطم بنا بعنف بالغ الأذى ودارت بنا السيارة عدة مرات وبمعجزة إلهية سيطر ولدي على قيادة السيارة، وأوقفها بعد أن طرنا في الهواء بعض الوقت، وكادت تنقلب بنا لولا فضل الله وارتطامها بعنف بالرصيف..

وقد يقول البعض وماذا في هذه الحادثة، إنها تحدث كثيرًا -مع الأسف- في مدننا العربية، حيث يكثر فيها القتلى من الحوادث وأتفق تمامًا مع هذا القول.. ولكنني أختلف أيضًا، فقد وضعتني هذه الحادثة أمام نفسي بدون أية رتوش، وأثق أن الملايين من الأمهات العربيات سيتفقن معي فيما سأعلنه بدون أية محاذير وبلا أي رقابة داخلية، فمن العار ادعاء ما يخالف الحقيقة..

اعتراف بلا رتوش

أشعر الآن أنني أذوب خجلاً أمام كل أمهات الشهداء في فلسطين الحبيبة ولبنان الغالية، فقد شعرت بأحاسيس لا يمكن وصفها ليس لتعرضي أنا للخطر، ولكن لأن ولدي كان معي في مواجهة الخطر، وقد تحمل الأخير الجزء الأكبر -رغمًا عني بالطبع-؛ لأنه قائد السيارة؛ ولأن السيارة المعتدية كانت إلى جواره؛ ولأنه أصيب أيضًا في الحادث، وتناثر بعض من دمه الحبيب والغالي على ملابسه التي تمزقت، ورغم أنها إصابة بسيطة وأن الرحمن عز وجل قد أنقذنا من موت محقق أو على الأقل التعرض -لا قدر الله- لعاهات أو ما شابه، فإنني وحتى هذه اللحظة أتمنى الإمساك بصاحب السيارة المعتدية والتهامه وتمزيقه إربًا؛ لما تسبب فيه من ترويع لابني، مما يجعلني أتساءل بحيرة بالغة كيف يكون شعور أم الشهيد أو أم المصاب؟، كيف تعيش وبداخلها كم الغضب الهائل والرغبة في النيل ممن آذى ابنها أو قتله؟، كيف تواصل حياتها بعيدًا عن ولدها؟ كيف تتحمل أنفاسها وعيناها وقلبها لا يحتضنان وليدها الذي احتضنته داخل رحمها قبل ميلاده وداخل وجدانها وعقلها وروحها قبل وبعد ميلاده وإلى الأبد..

بل كيف تتحمل أن يؤذي ابنها شخص -ولا أحب أن أطلق عليه إنسان فهو لا يستحقه- من غير دينها ولا ينتمي لوطنها الصغير أو العربي الأكبر، فقد كدت (أجن) باستهتار هذا السائق وبما فعله وهو الذي يشاركني الدين واللغة والهوية الوطنية، مما أشعرني الخجل المضاعف أمام كل أم تعرض ابنها لأي درجة من درجات الإيذاء المعنوي أو الجسدي من المحتل البغيض..

لقد شعرت بالاختناق أمام صلف بعض رجال الشرطة، وبلادة البعض الآخر، وتعاملهم بحيادية مع المجرم فكيف تتحمل أخواتنا في فلسطين ولبنان بلادة و(حقارة) ما يسمى بالمجتمع الدولي إزاء كل المذابح الوحشية التي تحدث لأولادهن، هذا ما أقر بالعجز عن فهمه..

أسئلة حائرة

كما تمزقت ألمًا وخوفًا أن يكون الرحمن سبحانه يعاقبني بالحادث، فقد تذكرت قول الرجل الصالح أنني أعرف أنني عصيت الله من دابتي، إذا تعثرت أو أصيبت بشيء..

وأتساءل كيف تتعايش أخواتنا خاصة في فلسطين مع الضغوط الوحشية المتواصلة ضدها وضد أحبائها، كيف تصمد أمام هذا الابتلاء الرباني الكبير؟ كيف تشحذ إيمانها وتقوّيه وتستدعي كل طاقاتها الجبارة لتوقن أنه ابتلاء كي يرفعها الله وليس عقابًا على ذنب اقترفته؟ كيف تتصالح مع نفسها وترضى عن حياتها وعن نصيبها المقدر في الحياة، وهي تعيش حياتها بين خسائر يومية تصحو عليها وتنام وهي تتوقع خسائر أخرى في الغد، كيف تتحمل روحها وجسدها كل هذا العناء (المقيم) بلا هوادة؟ أي إيمان رائع يسكنها ويمدها بالقدرة ليس على الاستمرار فقط، بل على المقاومة أيضًا؟..

لن أنسى طيلة عمري ما قالته فلسطينية استشهد أولادها في الانتفاضة الأولى أن الفلسطينية تنجب من أجل الجهاد، وهو قول لا يوجد تعليق يستطيع أن يرتفع إلى سموّه ورقيّه، ولا ما قالته عجوز فلسطينية هدم شارون -لعنه الله- بيتها فوقفت أمام الأنقاض وأمام شاشات الفضائيات تتوعد شارون بالانتقام، وبأن قوته الغاشمة لن تستطيع النجاة من الثأر والإبادة النهائية، وقالت بثبات ويقين (أغبطها) عليهما: لو هدمت كل البيوت في العالم الإسلامي وقتلت الجميع وبقي طفل واحد لتمكن منك ومن دولتك الغاصبة وأبادك..

وأتوقف عند لبنانية رائعة استشهد أولادها في الحرب الأخيرة فقالت بقلب راض: هم فداء للمقاومة..

وأعود إلى سيارتي المهشمة والخراب يسكن جوانبها المحطمة والزجاج يتناثر والدمار يعلن عن نفسه، وبالطبع أحمد ربي لتكاليفها التي تصل إلى عدة آلاف رزقني ربي بأضعافها، وأذوب خجلاً من أخواتنا التي تتهدم بيوتهن ولا يملكن أموالاً لشراء غيرها، وليس لديهن رفاهية البكاء على الذكريات التي كانت تضمن مع الأحباء في هذا البيت، كما يحدث معنا عندما نخسر شيئًا امتلكناه ذات يوم ويزداد شعوري بالخجل فأتوقف عن ذكر المزيد..

لماذا نؤذي أنفسنا؟

وأنهي اعترافي واعتذاري لكل أخواتنا في الدين والحُلم والأرض واللغة والوطن بألمي البالغ من أخطائنا في حق أنفسنا، حيث نبخل جميعًا عن مساندة أخواتنا اللاتي يقدمن أولادهن ورجالهن للمقاومة ويؤخرن زحف العدوان الصهيوني والأمريكي على أوطاننا، فما زال بيننا من يشتري بضائعهما ونساهم في ثمن السلاح الذي ينطلق في صدور أبنائنا وأخواتنا في فلسطين ولبنان، ونمدهم بالمال والعتاد الذي سيوجهونه إلى صدورنا، ولو بعد حين، ومن العار أن مدينة بالنرويج قاطعت بضائع إسرائيل، وأن هناك من يشتري بضائعها وبضائع من تساندها بالمال وبالسلاح ونقصد بها بالطبع أمريكا.

وما زال بيننا من يبخل بالدعم المادي لإخوتنا مع أنه أقل حقوقهم، فمن الواجب شرعًا أن نهبّ لمساعدتهم بالأموال والأنفس، وأذكر نفسي والجميع بالقصة البسيطة المعروفة حول 3 ثيران كانوا يعيشون متحدين في الغابة ولم يستطع الأسد النيل منهم لاتحادهم، فما كان منه إلا أن احتال وانفرد بالثور الأسود والثور الأحمر وقال لهما: الثور الأبيض يكشف مكانكما اتركاني آكله حتى تعيشان في أمان فوافقا، فأكله، وجاء بعد ذلك ليقول للثور الأسود أنت أسود اللون وتستطيع الاختباء بسهولة والثور الأحمر هو الذي يكشف مكانك للأعداء دعني آكله لتعيش في أمان، فوافق، فأكله، ثم جاء الأسد ليلتهم الثور الأسود وهو وحيد، فقال قولته الخالدة: أكلتني يوم سمحت لك بأكل الثور الأبيض..


  كاتبة وفنانة تشكيلية، ومستشارة في القسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ورئيسة القسم الأدبي المناوبة بجريدة الأهرام المصرية .

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم