|
استنفرت الأحداث الإنسانية التي تشهدها منطقة دارفور غرب السودان الجمعيات والمنظمات الأهلية النسائية السودانية العاملة في المجال الإنساني بعد أن خلفت وراءها أكثر من مليون ونصف لاجئ يقيمون في معسكرات مؤقتة ويعتمدون على المعونات الخارجية، وبالرغم من إمكانياتها المتواضعة -مقارنة بالمنظمات الدولية- فإن هذه الهيئات حرصت على التواجد داخل المعسكرات وعلى تحدي الظروف الصعبة؛ لتقديم الخدمات الحيوية للضحايا والعمل على تخفيف المعاناة عن آلاف اللاجئين الذين اضطرهم الواقع الأمني إلى ترك قراهم ومغادرة منازلهم والإقامة بصفة شبه دائمة داخل المعسكرات بحثا عن الأمان وبعيدا عن مسرح العمليات بين القوات الحكومية والمتمردين.
سلام العزة
ومع تفاقم الأزمة في دارفور واستمرار نزوح الآلاف بدأت هيئة "سلام العزة" النسائية الاستعداد لمواجهة الأزمة عن طريق نداء أطلقته "سهام هاشم" رئيسة الهيئة في مطلع العام الحالي 2004 حثت فيه النساء وطلبة الجامعات على التطوع والالتحاق بدورات تدريب في المستشفيات على عمل الإسعافات الأولية والتمريض، فضلا عن الدعوة الموازية للقادرين السودانيين إلى التبرع العيني والمادي للضحايا سواء بالغذاء أو الملابس والأدوية أو غيرها من متطلبات الحياة الضرورية.
وبالفعل وجدت دعوتها صدى وتجاوبا واسعا بين الطالبات والأهالي الذين بدءوا في تقديم التبرعات بمختلف أشكالها. وبدأ المشرفون على العمل بالهيئة في تجهيز أفواج من المتطوعات وشحنات الأغذية والأطعمة بعد أن وضعوا خريطة تشمل أكثر المعسكرات تضررا، فضلا عن دراسة الاحتياجات الضرورية لكل معسكر وفقا لدراسة وزارة الصحة السودانية التي تتولى عملية التنسيق وتأمين وصول الإغاثة إلى معسكرات اللاجئين.
وفي معسكر "أبو شوق" (أكبر معسكرات اللاجئين بمدينة الفاشر شمال دارفور حيث يضم حوالي 45 ألف لاجئ معظمهم من النساء والأطفال) أقامت هيئة "سلام العزة" مركزا تتناوب على العمل فيه مجموعة من المتطوعات، حيث يتم توزيع العمل على ثلاثة محاور أساسية: الأول عمل حصر بالشباب والشابات المتعلمات في المعسكر وتأهيلهم للقيام بأدوار مختلفة تحت إشراف أعضاء الهيئة، ويتم توزيعهم على مواقع مختلفة من المعسكر. بعضهم يعمل في محو أمية الكبار والبعض الآخر يتولى القيام بالتوعية والدعوة الدينية للنساء والرجال، بينما البعض الآخر يعمل بالتدريس للأطفال في خيام أقيمت خصيصا لهذا الغرض.
أما المحور الثاني الذي تركز عليه سلام العزة فيتمثل في توزيع التبرعات من ملابس وأغطية على اللاجئين؛ خاصة بعد أن نجحت حملة الداعية "عمرو خالد" في وصول شحنات ضخمة من الملابس التي تبرع بها الخيرون من كل مكان فأقامت الجمعية مراكز لفرز الملابس في الخرطوم ثم إعادة فرزها مرة أخرى داخل المعسكر لتوزيعها على اللاجئين كل حسب احتياجاته.
أما المحور الثالث فيتعلق بتدريب بعض أفراد الأسر على عمل الإسعافات الأولية وقواعد التمريض.
جهود حقيقية
 |
|
هبة حسين من فريق سلام العزة
|
وفي وسط المعسكر كان لافتا وجود "عشة" بسيطة من البوص بداخلها أكثر من 40 طفلا وطفلة يتلقون التعليم الأولي ويحفظون سور القرآن القصيرة، مرددين خلف معلمة شابة.
قالت نفيسة زين العابدين -19 عاما- من قبيلة البرتي ذات الأصول الأفريقية: "حضرت للمعسكر مع أسرتي هربا من الحرب في بداية عام 2004، وكنت انتهيت من دراستي في التعليم الأساسي، ولم أتمكن من مواصلة التعليم الجامعي نظرا لعدم توفر الإمكانيات اللازمة وأيضا لبعد المسافة بين قريتي في البادية وأقرب جامعة في مدينة الفاشر.
وتكمل نفيسة: "تعرفت داخل المعسكر على أعضاء جمعية سلام العزة، وتلقيت دورات في التمريض وأيضا محاضرات في التدريس للصغار، ثم تم ترشيحي للعمل في هذه الروضة التابعة لإشراف الجمعية، ولدي حوالي 60 تلميذا وتلميذة يتعلمون أسس القراءة والكتابة ويحفظون سورا قصيرة من القرآن الكريم، وحدد لي المسئولون بالجمعية راتبا شهريا رمزيا مقابل جهودي في العمل بالروضة".
وفي داخل مقر هيئة سلام العزة في معسكر السلام قالت سوسن الشيخ المشرفة على النشاط: تخرجت في جامعة القرآن الكريم بالخرطوم عام 2002، وأنا عضوة بهيئة سلام العزة منذ فترة الدراسة وأتواجد هنا ضمن قافلة للهيئة من شهر أغسطس 2004، حيث يتناوب على المركز عضوات الهيئة -كل ثلاثة أشهر يأتي طاقم جديد- خاصة أن الهيئة تتواجد في العديد من المعسكرات وتأمل في أن تغطي كافة المعسكرات.
وتكمل زميلتها هدى حسين خريجة إدارة أعمال جامعة الخرطوم: يتوزع العمل في المعسكر على مرحلتين، وفي الأولى منهما يقوم فريق سلام العزة بتدريب العناصر القادرة على الاستيعاب من بين اللاجئين بعد إعادة تأهيلها من خلال دورات مكثفة في التمريض والإسعافات الأولية والتدريس، وهؤلاء يشكلون بعد ذلك نواة للهيئة تعتمد عليهم في القيام بباقي الأعمال بعد ذلك في نشر رسالة الهيئة داخل المعسكر؛ نظرا لكون هذا العنصر تكون لدية قدرة أكبر على التعامل مع اللاجئين، ويكون أكثر دراية بظروفهم عن الأعضاء القادمين من العاصمة بشرط أن يبقى الإشراف النهائي من مهمة أعضاء الهيئة.
أولويات الاهتمام
وحول المجالات التي تركز عليها الهيئة تقول "هدى حسين": إن التعليم بكل مستوياته هو المحور الرئيسي لعمل الهيئة خاصة رياض الأطفال، المتسربين، النساء، محو الأمية عند الكبار. ثم يأتي بعد ذلك تزويد اللاجئين بالوجبات الغذائية، خصوصا مع قدوم شهر رمضان حيث أعدت الهيئة برنامجا لتوزيع أكثر من ألف وجبة إفطار جافة على اللاجئين، بالإضافة إلى توزيع الملابس على أطفال المعسكر؛ حيث نسعى إلى أن نحصل على أكبر كمية من الملابس التي يتبرع بها المواطنون، سواء في السودان أو خارجها لنضمن حصول معظم أطفال المعسكرات على ملابس قبل حلول عيد الفطر المبارك.
ومن ناحية أخرى تأسست "سلام العزة" كهيئة أهلية تهتم بقضايا المرأة والطفل السوداني في عام 1995، ونشطت في القيام بدور إنساني ملحوظ منذ إنشائها داخل معسكرات اللاجئين ومشردي حرب الجنوب، كما تقوم بدور حيوي لتخفيف معاناة الأسر المتضررة من الكوارث الطبيعية والفيضانات التي تشهدها أقاليم السودان المختلفة من وقت لآخر.
ويعتبر إرساء قيم السلام ومناصرة قضايا المرأة من بين الأهداف التي قامت من أجلها الهيئة بجانب تقديم العون لضحايا الكوارث والحروب والمساهمة في فض المنازعات والمفاوضات غير الرسمية.
وللهيئة مجلس أمناء ومكتب تنفيذي مقره الخرطوم، ولها 5 فروع في الولايات السودانية، ومواردها تأتي من الهبات والتبرعات، بالإضافة إلى عائد عدد من المشروعات الإنتاجية، وللهيئة أيضا ثلاثة مكاتب بالخارج، وتشرف على 24 مشروعا إنتاجيا، ويعمل بها 250 متطوعا، ولديها 121 موظفا تحت النداء مقابل أجر.
صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي ويمكن التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة adam@iolteam.com
|