|
| للمصريات قصص طويلة مع الكفاح |
"لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف أصطاد".. حكمة صينية شهيرة أدركت معناها السيدة هدى عبد الجليل الشهيرة بـ"أم صابر" رغم أنها لم تقرأها ولم تسمع عنها وإنما طبقتها بفطرتها تحت وطأة الظروف القاسية التي جعلتها أمام مسئولية كبيرة لا تستطيع أن تنفصل عنها وهي تربية الأبناء بعد مرض الزوج.. وكانت "أم صابر" على قدر المسئولية واستطاعت أن تعبر بأبنائها أمواج بحر الحياة العاتية لتستقر بهم على شاطئ الأمان.
قصة كفاح
تبدأ قصة كفاح "أم صابر" من اليوم الذي أصبح فيه زوجها غير قادر على العمل بعد تعرضه لحادث فقد على أثره القدرة على الحركة نتيجة سقوطه من فوق "سقالة" خشبية أثناء قيامه بدهان واجهات إحدى العمارات حيث كان يعمل في مهنة المحارة.. عندها أدركت "أم صابر" أنها أمام مسئولية كبيرة لتربية الأبناء خاصة أنهم جميعا في مراحل التعليم المختلفة.
فكرت في البداية أن تخرج البنات من التعليم لتوفير النفقات المادية، إلا أنها ما لبثت أن رفضت هذه الفكرة بقلب الأم النابض بحب الأبناء، وقالت لنفسها: "القليل من التعب حتى أطمئن على مستقبل البنات ويحصلن شهادة تؤمن مستقبلهن"، وبدأت تفكر في مجال عمل يدر عليها دخلا.
الخيارات التي كانت متاحة أمام "أم صابر" لم تكن كثيرة خاصة أنها لم تحصل على أي شهادة تعليمية ولكنها تجيد القراءة والكتابة إلى حد ما، وبالتالي لم يكن أمامها سوى الأعمال التي تتطلب مجهودا بدنيا كالخدمة بالمنازل أو أعمال البيع والشراء...
بدأت أم صابر -أولا- بمجال الخدمة بالمنازل، إلا أنها لم تستمر في هذا المجال كثيرا بعد أن لاحظت أن الأبناء خاصة البنات منهم يتضايقن كثيرا من هذا العمل.. ولأن قلب الأم -دائما- لا يتحمل أن يكون هناك ما يعكر صفو الأبناء اضطرت "أم صابر" إلى التفكير في مجال آخر، فاستطاعت بمساعدة أهل الخير أن تشتري كمية من الخضراوات لتقوم ببيعها بالأسواق...
انخرطت "أم صابر" في مجال بيع الخضراوات، إلا أنها كانت دائمة التفكير في مجال آخر غير هذا المجال؛ لأن العائد الذي كانت تحصل عليه بسيط ولا يكفي مصاريف الأبناء وعلاج الزوج، ولكنها في أثناء ذلك كانت دائما على يقين بأن الله لن يتركها وسيهديها إلى الطريق الصحيح الذي يعينها على تربية الأبناء وتحقيق حلم حياتها بالوصول بهم جميعا إلى بر الأمان الذي يعني بالنسبة لها حصولهم –جميعا- على مؤهلات دراسية تساعدهم في الحصول على فرص عمل مناسبة.
انفراجة
"ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت.. وكنت أظنها لا تفرج..." هذا البيت الشعري الشهير هو خير ما نصف به الأحداث التالية في قصة حياة أم صابر؛ ففي خضم الصعوبات التي كانت تغمر حياة "أم صابر" شاء الله سبحانه وتعالى أن يبعث لها الحل ويهديها إلى المجال الذي كانت دائمة التفكير فيه ليغنيها عن تجارة الخضراوات بالأسواق وكان ذلك عن طريق الصدفة البحتة، فبينما كانت تستعد لمغادرة السوق إذا بعينها تقع على ورقة إحدى الجرائد ملقاة على أرض السوق.. شيء ما دفعها إلى أن ترفع هذه الورقة لتقرأ ما بداخلها وما أن همت بالقراءة حتى لفت نظرها عنوان كبير يتصدر الورقة يقول "مشروعات إنتاجية للمرأة المعيلة بقروض ميسرة".
لم تفهم في البداية معنى كلمة المرأة المعيلة، ولكنها ما أن شرعت في قراءة مقدمة الموضوع حتى أدركت أنها تعني المرأة المسئولة عن أسرتها في ظل مرض الزوج أو وفاته أو هجره لها أو تطليقها.. أدركت حينها أنها تدخل في إطار هؤلاء السيدات المعيلات؛ وهو ما شجعها على استئناف قراءة التفاصيل لتكتشف أن إحدى الجهات الحكومية المصرية توفر -حاليا- قروضا ميسرة للمرأة المعيلة من 3 إلى 5 آلاف جنيه بدون ضمانات لإقامة مشروعات إنتاجية في مجالات تربية الأغنام والعجائن والمخبوزات وشغل الإبرة وتربية الأرانب والتصنيع الغذائي، وذلك بشرط أن تمحو المرأة أميتها بأن تجيد القراءة والكتابة على الأقل من خلال دورات تنظمها هذه الجهة، وأن تجتاز -أيضا- دورات تدريبية في المجال الذي تختاره من بين المجالات الستة للمشروعات الإنتاجية.
وتفرجت أسارير "أم صابر" وأحست بأنه سيكون لها نصيب في هذه القروض، خاصة أنها لن تحتاج إلى دورات محو الأمية لأنها تجيد القراءة والكتابة وبالتالي لن يكون أمامها إلا الشرط الثاني الخاص بالدورات التدريبية وهذا أمر سهل ومقدور عليه...
سارعت "أم صابر" في اليوم التالي إلى تلك الجهة وتقدمت بطلب للحصول على هذه القروض لتوجيهها إلى مجال تربية الأرانب لعلمها من خلال احتكاكها بالبائعين بالسوق أن تربية وتجارة الأرانب مربحة جدا...
وجد مسئولو هذه الجهة أن أم صابر تستحق هذا القرض فتم تحديد موعد لها لتبدأ الدورة التدريبية في مجال تربية الأرانب والتي يعتبر اجتيازها لها الشرط الأساسي للحصول على القرض.. اجتازت أم صابر الدورة بنجاح واستطاعت الحصول على قرض 3 آلاف جنيه لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها ظلت لفترة طويلة تحلم بها.
مكسب 100%
بدأت أم صابر مشروعها بـ 3 بطاريات أرانب كانت تكلفتهم 1080 جنيها (الدولار=5.85 جنيهات مصرية) حيث تتكلف البطارية الواحدة التي سعتها 3 أمهات وذكر 360 جنيها.. وقد كانت أم صابر على موعد مع النجاح والأمل فقد استطاعت أن تحقق أرباحا كبيرة بلغت 800 جنيه سنويا من البطارية الواحدة أي 2400 جنيه في العام من البطاريات الثلاث، ولكن كيف استطاعت أم صابر تحقيق هذا المكسب؟.
تقول أم صابر بعفوية شديدة: لن أقول لك إلا بعد أن تمسك الخشب، فوعدتها بذلك فأخذت تشرح لي كيف استطاعت تحقيق ذلك بأسلوب بسيط يدل على ذكاء فطري تتمتع به هذه السيدة.. قالت إن البطارية الواحدة التي سعتها 3 أمهات وذكر تنتج سنويا 150 أرنبا وتكون نسبة النفوق 8 أرانب ليصل عدد الخلفات من الأرانب إلى 142 أرنبا يكون وزنها بعد شهرين من الولادة 284 كيلوجراما بمتوسط 2 كيلو للأرنب الواحد، ويبلغ سعر هذه الأرانب عند بيعها ما يقرب من 900 جنيه وبخصم ثمن استهلاك العلف للبطارية في السنة وهو ما يقرب من 100 جنيه يكون صافي الربح السنوي 800 جنيه للبطارية الواحدة.
المكسب الذي حققته "أم صابر" مع الأرانب خلال العام الأول جعلها تشعر أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى بر الأمان؛ وهو ما شجعها على توسيع دائرة مشروعها فاشترت 3 بطاريات أخرى، وهي الآن تنتظر إنتاج العام الثاني، وكلها أمل وثقة في الله بأنه سيوفقها لتحقيق نفس النجاح الذي حققته في العام الأول ليكون الانطلاقة الحقيقية لها في عالم بيزنس تربية الأرانب، ومن ثم الوصول إلى بر الأمان الذي باتت تحلم بالاستقرار عليه منذ مرض الزوج.
مراسل إسلام أون لاين.
|