English

 

الاثنين. ديسمبر. 18, 2006

حواء و آدم » صوت النساء » الحركة النسائية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

قاسم أمين بين التحرير والتدمير!

مسعد خيري

Image

مثلت مؤلفات قاسم أمين -وما زالت- موطنًا من مواطن الصراع والجدل الفكري بين مختلف التيارات الفكرية على امتداد العالم العربي والإسلامي؛ فالبعض يتعصبون له؛ فهو رائد الحركة الفكرية والاجتماعية لتحرير المرأة، بينما يرى فريق آخر من المتعصبين ضده أنه هو الذي فتح نافذة التغريب الأوروبي على عالم المرأة العربية والمسلمة، فأورثنا كل أمراض الحضارة الغربية، بين هؤلاء وأولئك يدور التساؤل حول مصداقية تلك الأحكام البديهية -سواء مع أو ضد- التي تم نسجها حول شخصية من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في مجال دراسات المرأة العربية.

قاسم أمين والتطور الفكري

يقول د. "محمد عمارة" -المفكر الإسلامي الكبير- في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت"، عندما أصدر قاسم أمين كتاب "تحرير المرأة" سنة 1899 أحدث ضجة كبرى في المجتمع المصري والمجتمعات الشرقية، بل لعله قد أحدث أكبر وأهم معركة فكرية قامت في الشرق حول كتاب في القرن الذي ظهر فيه، وكانت القضايا الرئيسية التي أثارت الجدل فيه هي: قضية الحجاب، وتقييد حق الرجل بالطلاق، ونقده لنظام تعدد الزوجات.

د. محمد عمارة

ويرى د. عمارة أن قاسم أمين انقلب تمامًا في كتابه "تحرير المرأة" عما كتبه في كتاب "المصريون" سنة 1894؛ ففي كتاب "المصريون" دافع عن الحجاب، وعن منع اختلاط الرجال بالنساء، وهاجم تحرر المرأة الغربية، كما دافع عن حرية الرجل في إيقاع الطلاق عندما يرى في ذلك الصواب، وذكر أن الشرع لا يمنع تعدد الزوجات إذا كان ذلك لضرورة.

ثم هو نفسه في كتاب "تحرير المرأة" يهاجم الحجاب "البرقع أو النقاب"، ويصفه بأنه "عادة" لا "شرع" كما يدعو إلى الاختلاط العام الذي هو ضرورة لخروج المرأة إلى التعليم والعمل، كما يشكو من إسراف الرجال في استخدامهم حق الطلاق، ويدعو إلى تقييد هذا الأمر، كما يرى أنه لا بد أن يمنع التعدد بسبب غلبة الفساد الناتج عنه.

كما أن موقف قاسم أمين من عمل المرأة قد تطور؛ ففي كتابه "المصريون" يرى أن المرأة مكانها الطبيعي هو البيت، ثم في كتابه "تحرير المرأة" يرى أنها يمكن أن تعمل بعض الوظائف البسيطة دون الوظائف العليا والسياسية، ثم يتطور موقفه في "المرأة الجديدة" إلى أن المرأة يمكن أن تقوم بالوظائف السياسية العليا شريطة أن تؤهل لذلك.

المفترى عليه

ترى أ. "هبة رءوف" -المدرسة المساعدة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة، الباحثة في قضايا المرأة- أن قاسم أمين قد ظُلم؛ لأنه كان ينشد تحسين أوضاع المرأة، ولم يكن مطلوبًا منه أو متوقَّعًا أن يكون أكثر إسلامية وتوازنًا بالمعايير الفقهية والشرعية من علماء الأزهر الذين صمتوا عن مظالم كثيرة تعرضت لها المرأة المصرية، دون أن يفتحوا باب التجديد، أو بالأحرى العودة للأصول الشرعية لتغيير أوضاع النساء، والنهوض بهن.

ولذلك إذا وضعناه في سياقه التاريخي، فإنه تُحسب له شجاعته في عرض أفكاره حتى وإن اختلفنا معه في بعض المقولات أو طريقة العرض، أو الاقتراب من بعض القضايا.

واجتهاد قاسم أمين هو اجتهاد جزئي في القضايا الاجتماعية لا بأس به، وكان يجب أن يكون جزءًا يتم تسكينه في مشروع نهضوي أوسع، لكن محاولات النهضة سارت على مسارات متوازية وأحيانًا متعارضة، ويجب الآن بعد مرور قرن أن نعيد قراءتها بدون حساسيات حتى لا نقع تحت طائلة الإقصاء والإدانة، أو التبني الكامل لرؤى الرموز الفكرية دون تطوير أو تقويم.

وعن نقاط الاتفاق والاختلاف مع قاسم أمين تذكر أ. هبة أننا نتفق معه في الهدف والغاية إذا كانت هي النهوض بالمرأة المصرية، ومكافحة التقاليد التي قيدتها، وتلبست بلباس آراء فقهية، بينما هي متناقضة مع حرص الإسلام على تعليم المرأة، ومشاركتها في المجال العام، وأن يكون لها دور سياسي واجتماعي.

ونختلف معه -ومع غيره- إذا دعا إلى ما يُخرِج المرأة عن طبيعة الاستخلاف وحدود الله الثابتة في الكتاب والسنة. لكن المشكلة أن قاسم أمين صار أيقونة لسفور المرأة، وتبرجها، وما يسمى تحررها، وبالتالي ظُلم وحُمل فكره أكثر مما يحتمل، ولم يُلتَفت إلى أصوات كثيرة نسائية إسلامية برزت في تلك الفترة، وقادت النهضة، وسكتت عنها كتب المؤرخين، وركزت فقط على الأصوات العلمانية، فلم نعرف نصف التاريخ ونصف الحقيقة الآخر لهذه الفترة.

ليس صاحب مشروع إصلاحي

بينما يرى الدكتور عبد الحليم عويس -أستاذ الحضارة والتاريخ الإسلامي- أن الواقع الاجتماعي والثقافي الذي ظهرت فيه دعوة قاسم أمين كان متخلفًا ظالمًا للمرأة وللإسلام، فقد حرموا المرأة من حقوقها، لكن يجب أن ندرك أن التخلف كان عامًّا يشمل الجميع، ثم يضاف جانب آخر هو أن الحضارة الأوروبية كانت تهجم بقوة، فسقط تحت إغراءاتها كثير من الذين لم يفهموا شروط النهضة، وشروط التفاعل الحضاري، ومنهم قاسم أمين وأحمد لطفي السيد (من الراسبين)، بينما نجح آخرون أمثال الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، والعقاد، وسيد قطب. فنحن نعترف بالتخلف الحضاري العام والذي استثمرته دعوة قاسم أمين.

ويضيف "عويس": أفكار قاسم أمين كانت طليعية، وكانت مدعمة من أنصار التغريب والعولمة؛ فسقوط المرأة إلى مستوى الابتذال والاختلاط المَشين، وحصر مفاهيم الحضارة والتقدم في التعرية والاختلاط، إنما يعني قلبًا للمفاهيم الصحيحة لحضارة المرأة؛ فالمرأة في الإسلام كيان إنساني محترم؛ ولذلك يجب أن يوضع في إطار محترم.

وقاسم أمين ليس صاحب مشروع إصلاحي، وإنما هو رجل جزئي حاول بطريقة خاطئة أن يعالج قضية جزئية من قضايا الإصلاح.

وعن علاقة قاسم أمين بالأفغاني ومحمد عبده يرى د. عبد الحليم عويس أنها علاقة ثقافية، وليست علاقة تلمذة للأول على يد الأخيرين، ويتعجب د. عبد الحليم من أولئك العلمانيين الذين يرجعون في قضايا المرأة إلى قاسم أمين، ولا يرجعون إلى كثيرين غيره أكثر اعتدالاً وتوازنًا مثل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.

وبنظرة موضوعية يتفق د. عبد الحليم مع قاسم أمين في حق المرأة أن تتعلم، وأن تعمل، وأن تتولى المناصب المناسبة لها، وأن ينظر إليها كصِنو للرجل، وأن المسلمين ظلموا المرأة كثيرًا.

صوته الأعلى

ويذكر الدكتور أكرم رضا -الباحث في قضايا المرأة- أن المجتمع المصري في زمن قاسم أمين كان يصبغ عاداته وتقاليده باسم الإسلام، ومن ذلك العادات والتقاليد الخاصة بالمرأة.

وعلى الجانب الآخر فإن الغرب لم يُخرِج المرأة للعمل من منطلق فكري، وإنما بسبب أن المصانع كانت في حاجة إلى عمال لتعويض نقص عمالة الرجال الذين ماتوا في الحروب، فظهرت قضية المرأة، وكانت تتمثل في المساواة مع الرجل في الأجر، ثم تحولت قضية المرأة إلى قضية سياسية وفكرية، ومن ثَم ظهرت حركة تحرير المرأة والتي تحولت إلى حركة التمركز حول المرأة.

وقاسم أمين ليس أول من اهتم بوضع المرأة في المجتمع، ومحاولة تغييره، فقد سبقه رفاعة الطهطاوي، وأحمد فارس الشدياق، ولكن قاسم أمين كان صاحب الصوت الأعلى.

ومن ينظر إلى كتبه الثلاثة: "المصريون" ثم "تحرير المرأة" ثم "المرأة الجديدة" لا يشك لحظة واحدة أن كل كتاب من الكتب الثلاثة هو لمؤلف يختلف في فكره ومرجعيته عن المؤلفين الآخرين.

ويرى د. أكرم رضا أن قاسم أمين ليس مفكرًا أو صاحب مشروع فكري؛ فقد تأثر بالإمام محمد عبده، فكتب تحرير المرأة، ثم تأثر بغيره، فكتب المرأة الجديدة، ومن هنا يرى أنه كان أداة لتوصيل فكرة إلى الناس، وأنه كان يصلح لهذا الدور، ولعله كان يتتبع نوعًا من التدرج في عرض آرائه.


  باحث في شئون الحركات الإسلامية، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@islam-online.net

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم