|
| من اليمين:د. الأنصاري وكساب ود.أبو خليل |
حذرت الندوة التي نظمتها شبكة إسلام أون لاين.نت في مقرها بجمعية البلاغ الثقافية بالدوحة وسائل الإعلام بالدول العربية والإسلامية من الانسياق وراء الغرب في تناول الثقافة الجنسية، عبر استخدام ألفاظ وتعبيرات تصل لمرحلة الإسفاف وخدش الحياء بدعوى أنه "لا حياء في الدين"، داعية أن يكون الخوض في هذا الموضوع مغلفا بالحياء، كما ورد في الكتاب والسنة.
ودعت في الوقت نفسه الأسرة إلى تربية أبنائها تربية جنسية سليمة تتوافق مع ما ورد في القرآن والسنة، مشيرة إلى أن هذه التربية تبدأ عند الطفل منذ الولادة، محذرة من جراء ما قد يرتكبه الوالدان من أخطاء في التربية، أو قيامهم بسلوك ما قد يؤدي بأبنائهم إلى ارتكاب جرائم مثل الزنا أو الشذوذ.
بين التعليم والتجريم
وكان "رواق إسلام أون لاين" قد نظم مساء الإثنين 13 ابريل 2009 ندوة بعنوان "الثقافة الجنسية بين التعليم والتجريم"، تحدث فيها كل من د. إبراهيم الأنصاري مدير عام جمعية البلاغ الثقافية وأستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة جامعة قطر، ود. عمرو أبو خليل المستشار الاجتماعي لشبكة إسلام أون لاين وأخصائي الطب النفسي ورئيس قسم مستشفى المعمورة للطب النفسي بالإسكندرية، وأدارها أكرم كساب مدير الرواق.
ودارت الندوة حول عدة محاور هي: مفهوم الثقافة الجنسية وأسباب انتشاره في الآونة الأخيرة، والثقافة الجنسية في التصور الإسلامي، ودور الأسرة والمؤسسات التعليمية في التثقيف الجنسي، وكيفية مواجهة المشروع الغربي.
وحذر د. إبراهيم الأنصاري وسائل الإعلام العربية، وخاصة الإسلامية، من الانجرار وراء الغرب في تشكيل الثقافة الجنسية عبر استخدام ألفاظ وتعبيرات تصل لمرحلة الإسفاف وخدش الحياء؛ بدعوى أنه "لا حياء في الدين"، داعيا أن يكون الخوض في موضوع الثقافة الجنسية مغلفا بالحياء.
واستشهد في ذلك بما ورد في القرآن من لغة راقية تتحدث عن هذا الموضوع، مشيرا إلى أن القرآن تحدث عن علاقة الرجل بالمرأة في قوله: "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"، وعن هذه العلاقة في شهر رمضان قال: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، فلغة القرآن والسنة في هذا الموضوع راقية جدا.
وقال: ألمس ظاهرة أن الواقع يسحبنا نحوه، وبالتالي نتجاوز الحدود الشرعية لما يريده الواقع.. أنا لست ضد الاستجابة لمشاكل الواقع، ولكن بما عندي من أصول، وليس بما يفرضه الواقع من حلول.
وتابع: وإن لي ملحوظة على الإسلاميين الذين يتحدثون في هذا الموضوع أنهم وسعوا دائرة الحديث في الموضوع استجابة لضغط الواقع، واسترسلوا في التفصيلات على اعتبار أن الواقع يحتاج إليه على اعتبار أنه لا حياء في الدين، ولا حياء في العلم، ولكن أنا أقول إن الحياء موجود ومحفوظ، وطبقه النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقه الصحابة، وينبغي عند تناول هذه الأمور أن تغلف بالحياء، وأن تختار لها الألفاظ.
الجنس في الشريعة
وعن مفهوم الجنس من الناحية الشرعية بين د. الأنصاري أن القضايا الجنسية التي تناولتها الشريعة انحصرت في ثلاث نقاط رئيسية:
الجزء الأول منها متعلق بحدود العورة، وهذا متعلق بالشخص في حد ذاته.
والأمر الثاني: العلاقة بين الزوجين.
والأمر الثالث: يتعلق بالجريمة وما يجرم في الشريعة الإسلامية، مثل الزنا وما يتبعه من جرائم مثل اللواط وجريمة السحاق، وكذلك جريمة القذف، وهي استخدام الألفاظ الخادشة للحياء.
وقال إن مفهوم التربية الجنسية، أو الثقافة الجنسية من وجهة نظر شرعية هو المعلومات التي وردت في الشريعة لإحداث قناعات، أو إصدار أحكام حول هذه النقاط الثلاث، ويقصد بها تعديل سلوك الناس حول هذه الأمور.
ثلاثة مفاهيم
وأوضح د. الأنصاري أن الأحكام المتعلقة بهذه النقاط الثلاث في الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية ارتبطت بمفاهيم أخرى مثل العلم والحياء والخلق، فإعطاء المعلومة في هذه المناطق كان مقصودا به التعليم بالدرجة الأولى، لذلك جاء في الحديث "رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".
فكان الدافع لإعطاء المعلومات هو طلب العلم، وكذلك ارتبطت بمفهوم الحياء، والحياء من شعب الإيمان، ووُصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان أكثر حياء من العذراء في خدرها، وحتى الحديث عن الله "إن الله حيي كريم".
فقيمة الحياء قيمة عظيمة جديدة، وقد ورد في الحديث أن امرأة سألت الرسول كيف تتطهر؟ فقال لها خذي فرصة من مسك فتطهري بها، فسألته كيف أتطهر بها، فقال سبحان الله تطهري بها، فقد منعه الحياء أن يصرح بهذا الشيء، وكأن المفهوم واضح، فإذا كان المفهوم واضحا ومتضحا فلا داعي للزيادة في الشرح والتفصيل، كما تفعل بعض وسائل الإعلام حاليا، كذلك يرتبط بمفهوم الخلق في الدين، أي الأخلاقيات العامة التي تسود المجتمع يجب أن تراعى عند الكلام عن هذا المفهوم وتعليمه.
الحياء والخجل
وفي رده على مداخلة لأكرم كساب مدير الندوة حول ما إذا كان الحياء في هذا الجانب بالإطلاق محمود أم بالإطلاق مذموم، والتفرقة بين الحياء المحمود والحياء المذموم، أوضح د. الأنصاري أن علماء السلوك بين الحياء والخجل، وأن الحياء شيء محمود والخجل شيء مذموم، وأنا أزعم أن الحياء المحمود صفة أحاطت بهذا الموضوع.
ودلل على هذا بأن النبي لم يتحدث بالكلمة ففي الحديث الذي ذكرته آنفا أن عائشة أخذت بيد المرأة وقالت لها تتبعي أثر الدم، فهذه الكلمات التي استحى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولها، فأعتقد أنه لا يصلح أن تدرس هذه الأمور للشباب بشكل مكشوف، ولا يصلح أن نتحدث في محاضرة عامة عن هذه الأمور بشكل مكشوف بتسمية الأوضاع وتسمية الأعضاء، هذا قد يكون له مجال آخر غير ما يسمى ثقافة جنسية وتربية جنسية.
ففي الشريعة لم أجد أشياء فجة في ذكر هذه الأمور إلا في الأمور التي يترتب عليها حقوقا لا تحتمل المواربة مثل الجلد والقتل وإقامة الحدود، هذه لا تحتمل المواربة، فهذه لابد فيها من التصريح، وهذه ليس مجالها التربية أو التثقيف، وإنما مجالها القضاء، وهو يتعلق بالجريمة، وفي القضاء لا مانع من التصريح بكل الألفاظ بما يوازي قول النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت الشمس؟ على مثلها فاشهد.
تربية جنسية منذ الرضاعة
ومن جهته تحدث د. عمرو أبو خليل عن التربية الجنسية في الإسلام، مشيرا إلى أن الإسلام اهتم بهذا الجانب منذ ولادة الطفل، فمنذ الولادة يقول الرسول صلى لله عليه وسلم: إذا أراد أحدكم بأهله شيئا، وكان في الغرفة رضيع فليخرجه، فهذا الحديث معجزة؛ لأن علماء النفس اكتشفوا وقوع هذا الأمر أمام الطفل حتى وهو رضيع يرتبط بالاستثارة المبكرة التي تحدث لبعض الأطفال، ووجدوا أن الأطفال الذين يتحرشون بالآخرين كان نتاج رؤيتهم لعلاقة جنسية مبكرة، فذاكرة الطفل تلتقط وتخزن منذ الولادة، فيأتي الحديث ويمنع حدوث هذا الأمر، حتى لا يكون الطفل عرضة لاستثارة جنسية مبكرة، ثم يتعرض جنسيا لاحقا لزملائه أو زميلاته.
وتابع: ثم يأتي المستوى الثاني ويتعلق بآداب الاستئذان بعد الحلم وقبل الحلم فتجد أن الأصل الأساسي في هذه القضية "حين تضعون ثيابكم"، فحين تضعون ثيابكم، وهو التعبير عن العلاقة الجنسية حتى لا يفتح الباب فيرى الطفل هذا المشهد، فآداب الاستئذان هي تربية جنسية؛ لأنها تقي الطفل من أن يرى هذا المشهد أو يصدم به، أو أن يرى ما لم يعد له.
والدراسات النفسية أثبتت أن الطفل عندما تحدث له استثارة قبل أن تنضج أعضاؤه سيبدأ بالتحرش مع الآخرين، وعندما يدخل في سن المراهقة والبلوغ سيصبح لديه رغبة عالية في الجنس تؤدي به إلى العادة السرية، وقد يكون متعدد العلاقات، ولا تكفيه العلاقة الزوجية.
الهوية الجنسية.. الشذوذ
وفي نفس السياق تحدث د. عمرو أبو خليل في المرحلة التالية عن الهوية الجنسية في مسألة علاقة الأب بابنه، وعلاقة الأم بابنتها، مشيرا إلى أن هذه الهوية علميا تتشكل قبل 4 سنوات.
وشدد على أهمية وجود النموذج الذكوري للأب القائم بدور القوامة في حياة ابنه؛ حيث إن غياب هذا الدور يؤدي إلى أن يتمثل الطفل دور أمة، فتصبح هناك مشكلة في هويته الجنسية، ويحدث "التحول الجنسي"، أو العكس عندما يغيب دور الأم، وتصبح بعيدة عنها فتتمثل أباها، مشيرا في هذا الصدد إلى ظهور ما يسمى بالبويات، والتي تدرك نفسها كرجل رغم أنها أنثى؛ لأن حضور الأم كأنثى غير موجود؛ نتيجة لانشغالها، أو تحويل هذا الدور لأحد الخدم الذي يقوم به، أو قد يحدث شذوذ.
وكذلك أشار فيما يتعلق بالتربية منذ الصغر بأن الملابس ولعب الأطفال خطوط حمراء، فلا يصح أن تترك الأم طفلها يلعب بلعب البنات، أو يرتدي ملابسهن، أو تترك طفلتها تلعب بلعب الأولاد، أو ترتدي ملابسهم، لخطورة ذلك على الهوية الجنسية لكل منهما.
سلوك الوالدين
وحذر د. أبو خليل من أن كثيرا من المشاكل قد تحدث للأبناء نتيجة سلوك الوالدين؛ لأن أحدهما ربما لا يراعي حدود العورة، فملابس غرفة النوم لا يصح الظهور بها أمام الأبناء، ولا يجوز للأم أن تتخف في ملابسها أمام أبنائها، أو يظهر الأب بملابسه الداخلية فتتكشف عورته، فهناك ضرورة للاحتشام، وإلا فقد يدفع هذا الأبناء في بعض الأحيان للشذوذ نتيجة محاولة كبت مشاعرهم لإدراكهم أنها خطأ.
كما دعا إلى ضرورة الامتثال لأوامر الشرع في التفرق بين الأبناء في المضاجع، وبين أن الفصل في المضاجع ليس بين الأولاد والبنات فقط، بل بين الأولاد أنفسهم، وإن لم تكن الحالة المادية تسمح فعن طريق الغطاء المستقل لكل منهم، فكثير من التجارب العملية توحي بأهمية هذا الأمر.
ودعا الوالدين أيضا إلى عدم التهرب من الرد على الأسئلة المحرجة للأبناء قائلا: في الواقع لا يوجد سؤال محرج إذا تمت الإجابة عليه بما يناسب السن؛ لأن الطفل إذا لم يجد إجابة لديك وتهربت منه سيبحث عن مصادر أخرى قد توصل المعلومة بشكل كارثي، ولكن إذا كنت أنت مصدر المعلومة فستكون أنت المرجعية دائما.
تفاعل
هذا وشهدت الندوة تفاعلا من الحضور عبر الاقتراحات والتساؤلات، وفي هذا الجانب دعا الشيخ عبد السلام البسيوني-داعية ومعد برامج بتلفزيون قطر- إسلام أون لاين إلى حصر الأدلة الشرعية عن التربية الجنسية في القرآن والسنة، وجمع النصوص الشرعية في المسألة الجنسية في القرآن والسنة، وتطبيقات الفقهاء لاستخراج رؤية واقعية ميدانية من الإسلام لعلاج البلايا التي أصبحنا نواجهها في هذا العصر بهذا الشأن.
بدوره طرح محمود عبد الغفار -صحفي بالجزيرة نت- ضرورة وجود ميثاق شرف أخلاقي لوسائل الإعلام حتى لا تتجاوز في تعبيراتها ومصطلحاتها التي تستخدمها لمعالجة قضية ما.
كما أشار خالد الهنداوي -أديب وناقد- إلى أن الشعراء الجاهليين لم يكونوا يصرحون بمفاتن المرأة، ومن كان يفعل ذلك فإنه كان يعد معيبا، وبين أنه ضد التوسع في قضايا الجنس بحجة مجاراة العصر؛ لأن ضرر ذلك أكبر من نفعه.
صحفي من أسرة إسلام أون لاين.نت-مكتب الدوحة.
|