|
| أردوغان خلال الجلسة البرلمانية |
بعد طول ترقب أعلنت حكومة حزب العدالة والتنمية تفاصيل مبادرتها لحل المشكلة الكردية سلميا، وذلك في جلسة برلمانية استثنائية الجمعة 13-11-2009 بحضور رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وسط سخط عارم أعرب عنه زعماء ونواب المعارضة العلمانية في وجه أردوغان ونوابه.
وفي كلمته، دعا رئيس الوزراء النواب إلى دعم المبادرة المعروفة باسم "الخطوة الديمقراطية"، والتي قال إنها لا تستهدف مجرد حل المشكلة الكردية، بل تهدف أيضا إلى تسهيل إحلال الديمقراطية في كافة المجالات، ونشر مشاعر الوحدة والإخوة؛ ما يعني التمهيد لحل جميع مشاكل البلاد، على حد قوله.
وبلهجة حماسية سعى بها إلى انتزاع أكبر دعم ممكن من النواب قال أردوغان: "إن إقرار هذا البرلمان للمبادرة سيثبت أنه يليق فعلا بأن يكون امتدادا للبرلمان الأول الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك (مؤسس الجمهورية عام 1923)، على مبادئ التعددية والحرية والديمقراطية".
وذكَّر بأن كمال أتاتورك سارع إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول التي احتلت بلاده خلال الحرب العالمية الثانية فور انتهاء حرب الاستقلال التي حرر خلالها تركيا من براثن تلك الدول، رافعا شعار "السلام في الوطن يعني السلام للعالم".
واستدرك أردوغان معقبا على هذه المقولة بالتساؤل: "كيف إذن يمكن لأناس يفشلون في إحلال السلام في ديارهم أن يساعدوا في إحلال السلام في العالم؟!"، بحسب صحيفة "حريت" التركية السبت 14-11-2009.
وتستهدف المبادرة الحكومية استخدام الطريق السلمي لإنهاء الصراع المسلح بين الجيش التركي والمتمردين الأكراد، والذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص منذ اندلاعه عام 1984 على خلفية مطالبة الأكراد بالانفصال عن الدولة التركية التي يتهمونها بالتمييز العنصري ثقافيا وسياسيا واقتصاديا ضدهم.
على العكس، ترى المعارضة القومية المتشددة أن حل الصراع مع المتمردين الأكراد لا يكون إلا بالسلاح، متهمة حكومة العدالة والتنمية بأنها لجأت إلى الحل السلمي بعد أن "عجزت" عن حسم الصراع عسكريا.
وفي كلمته رد أردوغان على الاتهام الأخير الذي اتهم المعارضة بأنها "تتاجر بدماء المواطنين والشهداء لأهداف سياسية"، مستدلا على ذلك بأن السنوات الـ25 السابقة من الصراع المسلح لم تحل المشكلة.
وتأكيدا على إصرار حكومته على حشد أكبر دعم للمبادرة، قال إنه سيتنقل بين المحافظات التركية الـ 81 ليشرح لأهلها فحوى وفائدة وهدف المبادرة الحكومية، مشددا على أن "أي مشكلة في هذا الوطن هي مشكلتنا جميعا ويجب ألا نتجاهل أيا منها بأي حال ولأي سبب".
وكان أردوغان قد أعلن للمرة الأولى في منتصف يوليو الماضي عن تحضير حكومته لمبادرة لحل مشكلة الأكراد سلميا، ومن ساعتها أجرى محادثات ومشاورات مع أكاديميين وصحفيين ومفكرين وقوى المعارضة كي تظهر للنور مبادرة توافقية، إلا أن حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين كانا لها بالمرصاد، ولم يبديا أي تجاوب معها.
وخلال إلقاء أردوغان كلمته انسحب من القاعة نواب تابعون لحزب الشعب الجمهوري والحركة القومية، وكلاهما علمانيان قوميان متشددان، معربين عن رفضهم الشديد لما جاء في كلمة أردوغان وللمبادرة ككل.
بنود المبادرة
ووفقا لما ورد في كلمة وزير الداخلية التركي بشير أتالاي، ونشرته صحيفة "زمان" التركية اليوم فإن المبادرة تتضمن:
1. إعادة الأسماء الكردية إلى المناطق الكردية التي قامت حكومات سابقة بإحلال أسماء تركية محلها.
2. السماح باستخدام لغات الأقليات وفيها الكردية في الحملات السياسية الانتخابية.
3. السماح باستخدام لغات الأقليات وفيها الكردية في المناسبات الدينية والاجتماعية.
4. إنشاء لجنة مستقلة لمكافحة التمييز.
5. إعادة هيكلة هيئة حقوق الإنسان التابعة لرئاسة الوزراء على أن تكون هيئة مستقلة.
6. إنشاء هيئة مراقبة مستقلة مهمتها استقبال كافة الشكاوي المرفوعة ضد رجال الأمن، خاصة تلك الخاصة بانتهاك حقوق الإنسان.
7. عمل نقاط مراقبة على طول الطرق في جنوب شرق تركيا ذات الغالبية الكردية لمنع تعرض مواطني المنطقة للمضايقات.
قفزة
هذه البنود تمثل قفزة كبيرة في التعامل الحكومي مع الأكراد، فالقانون الحالي ينص على تجريم مجرد الحديث بالكردية في الأماكن العامة.
وبالتزامن مع جلسة البرلمان الأخيرة، ألغت الحكومة قيودا تحدد فيها الوقت المسموح للقنوات الخاصة ببث برامج بلغات غير التركية، منها اللغة الكردية.
وفي الماضي كانت القنوات التليفزيونية ومحطات الإذاعة الخاص مسموح لها فقط لبث ساعات قليلة أسبوعيا من البرامج غير التركية مع اشتراط تضمنها ترجمة للتركية، في حين تقضي القواعد الجديدة بإمكانية البث على مدار 24 ساعة دون الالتزام بمطلب الترجمة.
وأعرب أحمد ترك، رئيس حزب المجتمع الديمقراطي، الموالي للأكراد عن تفاؤله بأنه إذا ما نفذت هذه المبادرة بأسرع وقت ممكن وبشكل واضح فإن البنادق المرفوعة بين المسلحين الأكراد والجيش التركي منذ 25 عاما "ستصمت في غضون 3 أشهر".
ومعتبرا أن استمرار القتال بين الطرفين طوال كل هذه الأعوام هو بسبب أخطاء حكومات سابقة، خاطب ترك النواب خلال الجلسة البرلمانية قائلا: "فكروا ماذا يمكن أن يكون شعوركم إذا ما قال لكم أحد الحكام لن توجد لغة تركية بعد الآن، وأولادكم لن يتعلموا إلا باللغة الكردية حتى وإن كانوا لا يعرفون كلمة واحدة منها، هل ستظلون تشعرون بأنكم متساوون ومحترمون مثلكم مثل بقية مواطني الدولة؟".
وسبق تحضير المبادرة الحكومية خطوات أخرى نفذتها الحكومة لتخفيف التوتر في أوساط الأقلية الكردية، منها إطلاق قناة ناطقة بالكردية تابعة للحكومة تبث على مدار 24 ساعة، كما أعلنت عن عزمها توجيه استثمارات إلى المناطق الكردية الفقيرة.
وقوبلت المبادرة الحكومية بترحيب من بعض الأكراد، وظهر ذلك في نزول مجموعة من مسلحيهم من الجبال في العراق إلى تركيا في التاسع عشر من أكتوبر الماضي، وأعلنت الحكومة من جانبها العفو عنهم.
وكان حزب العمال الكردستاني، الذي يقود التمرد الكردي، تخلى عن مطلبه التاريخي بإقامة دولة مستقلة للأكراد في الفترة الأخيرة، ويسعى الآن لنيل المزيد من الحقوق السياسية للأكراد في تركيا، والذين تشير التقديرات إلى أن عددهم 12 مليون شخص يمثلون نحو 15% من سكان البلاد البالغ 71 مليون نسمة.
|