|
| القرضاوي حظى باستقبال حافل في الصين |
شيآن (الصين)- أكد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، خلال افتتاحه منتدى الخبراء العرب والصينيين المقام حاليا في مدينة شيآن (غربي الصين) أن الوسطية التي تبناها منذ نصف قرن أصبحت حاليا تيار عالميا يهتم به الناس في الشرق والغرب، وأن هذا التيار وجد اهتماما كبيرا في الصين.
وفي كلمته التي ألقاها خلال المنتدى الذي بدأت فعالياته الخميس 12-11-2009 قال الدكتور القرضاوي: "أحمد الله تبارك وتعالى أن الوسطية أصبحت تيارا عالميا يهتم به الناس في الشرق والغرب، وقد تبنيت هذا الاتجاه منذ نصف قرن في كتابي الحلال والحرام في الإسلام الذي تُرجم لمختلف اللغات وتظهر فيه هذه النزعة".
وأضاف: "كنت عندما أدعو إلى الوسطية يقول الناس: ليس هناك شيء اسمه الوسطية، رغم أن كل ما جاء به الشرع وقام عليه الدليل نجده وسطا، فأحمد الله أن أصبحت كلمة الوسطية كلمة مستعملة في كل مجتمع علمي وكل بيئة فكرية.. وقد وجدت هنا في الصين اهتماما بهذا الاتجاه، وأحمد الله أنهم نسبوا الحق لأهله".
ولفت القرضاوي إلى أن تيار الوسطية أقيم له مراكز في بعض الدول العربية، منها الكويت والأردن، وفي قطر خصصوا له مركزا أطلقوا عليه اسم "مركز القرضاوي للوسطية الإسلامية والتجديد".
وعن مفهوم الوسطية قال القرضاوي خلال كلمته بالمنتدى الذي تنظمه جامعة الشمال الغربي بالتعاون مع جامعة الدراسات الدولية الحكومية (سيان) وجمعية تطوير الثقافة والتعليم للأقليات بمقاطعة "قانسو" الصينية: إنه "الجمع بين المتقابلات في نسق واتزان.. فالمتقابلات التي يراه الناس متضادة لا تجتمع أبدا، مثل المادية والروحية، الفردية والجماعية، العقل والوحي، الدنيا والآخرة، المثالية والواقعية، هذه الأمور بعض الناس تظن أنها لا تجتمع، لكن مهمة الوسطية أن تجمع بينها في تناسق وتوازن، بحيث تعطي كلا منها حقه، بحيث لا تطغى على الجانب الآخر".
وأضاف أن: "بعض الفلاسفة يقولون العالم كله شر، مثل فلسفة ماني الذي دعا إلى إفناء العالم، ولكن جاء الإسلام ليقول: العالم فيه الخير والشر، والخير هو الأساس، والشر لاحق"، واستشهد القرضاوي بالثلوج التي غطت الصين الأربعاء 11-11- 2009 قائلا: "ربما كادت هذه الثلوج تمنعنا من الوصول إلى مقر المؤتمر، لكن هناك فوائد لهذه الثلوج، للأرض، والزرع، والجو، ومخزون المياه، فالأمر قد يكون في ظاهره شر ولكنه يحتوى على الخير".
"الإنسان فيه الخير والشر"
وأضاف القرضاوي: "كذلك النفس البشرية بعض الفلاسفة يقولون: الأصل في الإنسان الشر، الفيلسوف المعروف هوبز يقول: الإنسان ذئب مقنع، أي الأصل فيه الشر، والحقيقة أن الإنسان فيه الخير والشر، فيه ملاك وفيه شيطان، والنظرية الإسلامية تغلب الخير على الشر، وتجعل الملاك ينتصر على الشيطان، وليس معنى هذا أن يصبح الإنسان ملاكا لا يخطئ، ولكن المهم أن يغلب الخير على الشر، وإذا ضعف فغلب الشر على الخير ينبغي أن يراجع".
وأكد أن "الإنسان بحاجة إلى منهج وسطي، وهذا المنهج لا يقدر على الإتيان به إلا الله، فهو سبحانه يعرف كيف يضع الأمور مواضعها، ويعطي كلا منها حقها، والإنسان مهما علم عنده نقص في رؤيته للأشياء، كما يقول الشاعر العربي: (قل لمن يدعي في العلم معرفة.. حفظت شيئا وغابت عنك أشياء)، ونحن لا نعرف من عالمنا إلا 3%، و97% ما زلنا نجهله رغم التقدم العلمي الهائل".
وأوضح أنه "نتيجة لعجز الإنسان عن وضعه نظاما وسطيا، وضع الإسلام المنهج الوسط للأمة الوسط، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، الأمة الإسلامية أمة وسط، تستخدم العقل ولا تنسى العاطفة، تعمل للدنيا ولا تنسى الآخرة، {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}".
وقال القرضاوي إن: "الإنسان مطلوب منه أن يعبد الله تبارك وتعالى، ولكن لا ينسى حظ نفسه، وحق أهله، وحق المجتمع، وحين بالغ بعض الصحابة في التعبد لله بصوم النهار وقيام الليل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لبدنك عليك حقا".
وأضاف موضحا: "من حق البدن عليك أن تطعمه إذا جاع، وتسقيه إذا عطش، وتريحه إذا تعب، وتقويه إذا ضعف، وتعالجه إذا مرض، وتنظفه إذا اتسخ.. هذه حقوق البدن، فليس في الإسلام أن يقوم الإنسان كل الليل، ويقوم كل النهار، إن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوارك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه.. هذه هي الوسطية، أن تعطي حق البدن وحق الروح".
"الحضارة الغربية"
وعن موقف المسلمين من الحضارة الغربية وكيف يتعاملون معها قال الدكتور القرضاوي: "ينبغي أن ننتقي منها، لا أن نتركها كلها كما يقول بعض الناس، لأنها قائمة على المادية والنفعية والعنصرية والاستعلاء والعلمانية، ولكن نأخذ من الحضارة خير ما فيها، لا نرفضها كلها، ولا نأخذها كلها بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب".
وأوضح أن البشرية في حاجة إلى المنهج الوسطي، في حاجة إلى أن تجمع بين الدين والدنيا، بين العقل والقلب، الروح والمادة، بين الحقوق والواجبات، بين الفردية والجماعية، واستشهد في هذا الصدد بما فعلته الصين فقال: "أخذت (الصين) بالحوافز الفردية حتى يعمل الناس بكل طاقتهم، فالإنسان إذا عمل ولم يتملك يحبط، والملكية المطلقة خطر، إذن فالوسطية أن تتيح للناس شيئا من الملكية كما تفعل الصين الآن، وأظنها ستزيد من ذلك في المستقبل، حتى تعطي الناس الحوافز للإبداع وإثراء الحياة، والعالم كله أحوج ما يكون إلى الوسطية".
|